دبلوماسية البيت

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

السيناريو الاسري والصحة النفسية
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

د.مصطفى حجازي
يتكون من مجمل هذا الكل المعقد،المتفاعل،والمتحول إيجاباً وسلباً،والمؤلف من الرباط الزوجي واضطراباته،والتفاعل مع الأهل والمحيط، وحاجات الطفل المبكرة جداً الى العلاقة,وحساسيته المفرطة للتفاعل وتحريضاته عليه واستجاباته اليه،ومن دلالات ومعاني الطفل وأدواره ومكانته لدى الأم أو الوالدين،تاريخ خصب من التجربة الإنسانية العاطفية-التفاعلية والمعرفية لدى الطفل.يحدد ما ستكون عليه شخصيته الفريدة،وماذا سيكون مصيره على صعيد النماء أو التعثر، الصحة أو الاضطراب.يضع هذا التاريخ الأسس التي تشكل صحته النفسية البنيوية،ويحدد خصائص نشاطاته الوظيفية،وأساليب تفاعله وانتماله الاجتماعي الثقافي وإنغراسه فيه,والمحصلة النمائية لكيانه،انطلاقاً من ذلك كله.من هنا تتضح الأهمية الحيوية لهذه العلاقات الأولية التي تشكل أسلوب الوجود في العالم ومع الاَخرين.وحين يتكون البنيان النفسي،ويتشكل أسلوب الوجود فإنهما يميلان الى الاستقرار والي إعادة إنتاج ذاتهما في مواقف الحياة اللاحقة.وبمقدار ما يكون الطفل رابحاً في هذا السيناريو تكون صحته النفسية راسخة ونمائه أكثر تفتحاً.وعلى العكس فبمقدار ما يكون الطفل خاسراً في المحصلة الكلية لهذا السيناريو ستعاق صحته النفسية،ومعها يعاق تفتح إمكاناته بهذا القدر أو ذاك، تبعاً لكل حالة.وبقدر الربح تتكرن المناعة النفسية والقدرة والثقة التي تساعد على مواجهة تحديات الحياة وصعابها.كما أنه بقدر الخسارة يكون القصور والاضطراب والتعثر.تجارب الحياة اللاحقة وخبراتها ستبنى على هذا السيناريو الأولي اذاً مشكلة احتمالات مرجحة من الصحة والمرض.الا أن الأمر ليس حتماً وقطعياً.فهناك دوماً،وخصوصاً لدى الإنسان في مراحل تكوين بنيانه النفسي،وبفضل ما يتصف به تكوينه الموروث من مرونة كبيرة امكانات تعويض وتصحيح لايستهان بهما.كما أن السيناريو الرابح يتصف على الدوام بالقدرة على المرونة التكيفية والاثراء والاغتناء من خبرات الحياة اللاحقة.أما اذا كانت الخسارة كبيرة في البدايات،فإن التكوين النفسي سيتصف بالتصلب،وغلبة الميول الدفاعية التي تعطل الاستفادة من فرص النمو،والاغتناء من امكانات الواقع وتجارب الحياة.ولهذا فإن التدخل كلما كان أكثر تبكيراً لعلاج الخسارة على مستوى السيناريو الأسري,وتعزيز الربح،كلما كبرت فرص فتح آفاق التعويض والإصلاح وبالتالي النمو وتعزيز الصحة النفسية،والعكس صحيح.كما أن التدخل يكون اكثر فاعلية وجدوى حين يتعامل مع مجمل الوضعية التفاعلية بين الطفل والوالدين والأسرة عموماً،متناولاً الحاجات والدلالات والأدوار،أي عندما يتوجه الى تعديل الموقف في كلية مكلوناته ودينامياته.
ولا بد هنا من اشارة الى عنصرين اَخرين يتدخلان بقوة في تشكيل هذا السيناريو:
أساليب التنشئة في السنوات اللاحقة،وعلاقات الأخوة ومعركة المكانه بينهم.
تمثل أساليب التنشئة احدى أبرز الموثرات في التكوين النفسي خلال الطفولة مما يحدد أساليب الموقع والعلاقة والتوجه لاحقاً:التدليل الزائد,الحماية الزائدة،العلاقة التملكية,التذبذب في المعاملة،التمييز في المعاملة ببن الأبناء،التربية المتسامحة أو السلطوية (الحازمة) أو التسلطية.الخ.تأتي هذه الأساليب لتستكمل عمل التشكيل الأولي(التفاعلات بين الطفل والأم والوالدين والأهل).والواقع أن أسلوب التنشئة الذي يعتمده الوالدان في رعاية الطفل قد يرجع الى أسلوب تنشئتهما هما ذاتهما،أو هو يرجع الى تكوينهما النفسي أو نوعية وخصائص الرباط الزوجي.وقد يعتمد في تنشئة أحد الأولاد أسلوباً معيناً يختلف عما اتبع مع الاَخربن.ويعود ذلك عموماً الى نوعية العلاقة والدلالة الأولية،التي لا يفعل أسلوب التنشئة سوى تعزيزها وتكريسها.
كما قد يؤدي أسلوب تنشئتة،بسبب من تدخل ظروف خارجية ذات قوة مؤثرة الى تعديل نوعية العلاقات الأولية.
ومن ناحية ثانية،فإن أسلوب التنشئة المتبع مع هذا أو ذاك من الأولاد يحدد،تماماً كالعلاقة الأولية،نوعية التآلف أو الصراع الأخوي،ومعركة المكانة التي يتعين على كل طفل أن يخوضها مع أشقائه.التمييز في المعاملة على سبيل المثال،والقائم بدوره على نوعية الذات الدلالات والأدوار والمكانة والعلاقة الفريدة مع كل طفل، هي التي تشكل أبرز أسباب الصراع الأخوي(الحسد والغيرة).وهو ماسيعمم على العلاقات؟
اللاحقة مع الأتراب،وزملاء السن ويسبغها بطابعها:التنافس والغيرة،أو التعاون.
بينما أسلوب التسامح،أو الحزم أو التسلط هو الذي سيشكل نوعية العلاقات اللاحقة؟
مع السلطة في مختلف رموزها,اضافة الى عوامل أخرى(من مثل التحريض على التمرد,أو النبذ والقسوة في التصدع الصريح).أما التذبذب في المعاملة فإنه يوقع الطفل،إذا كان شديداً في تناقضاته,في التشويش الفعلي الذي يؤدي الى فقدان القدرة على التوجه السلوكي.وقد ينتهي بتوليد العصاب,أو حتى الذهان في الحالات القصوى.بينما التملك والحماية الزائدة سيؤديان الى استمرار التبعية الطفلية وسيطرة القلق في التعامل مع الدنيا واختباراتها.ويؤدي التدليل الزائد والى التضخم الذاتي والتركز حول الذات،والحرمان من تمثل مبدأ الواقع والقانون، والاستمرار في العيش تبعاً لمبدأ اللذة،مما يعيق التكيف اللاحق وقبول احباطات الحياة،كما يعيق اقامةْ علاقات المساواة والتكافؤ.
على هذه الأرضية تأتي معركة المكانة بين الأشقاء.وهي من أولى معارك التمرس بإختبارات الحياة في صراعاتها ومجابهاتها وتحالفاتها،مما يحدث بين الأخوة عادة.
وكل طفل لا بد له من خوض معركة المكانة هذه متنافساً مع أشقائه،متصارعاً مع بعضهم (من مثل الأولاد الذين يتوالون مباشرة في الولادة)،ومتحالفاً مع بعضهم الآخر في صراعه (من مثل تحالف الأكبر مع الأصغر ضد الأوسط).تشكل هذه الصراعات والتحالفات الأساس لعلاقات الرفاق في الطفولة،وعلاقات الزمالة في مرحلة الرشد ويتفاوت نصيب الأولاد من الظفر في معركة المكانة هذه.فالإنتصار يعزز الموقع لدى الوالدين,كما يعزز الإحساس بالقدرة على المجابهة في اختبارات الحياة لاحقاً.
بينما الهزيمة قد تؤدي الى الإنكفاء،أو الاستسلام للخيبة والفشل،كما قد تودي الى اللجوء الى سلوكات تعويضية متنوعة.من يفشل في معركة المكانة في صراع مع شقيق أكثر نجاحاً في المدرسة مثلاً،قد يتحول الى التعويض بإستعراض القوة والتمرد،أوالنجاح في مضمار آخر.
كم هي خصبة وحاسمة سنوات التكوين الأولى هذه منذ ما قبل الحمل وصلاً الى صراع المكانة،مروراً بكل ما عرضنا له من مواقف وتفاعلات.إنها تشكل في مجملها السيناريو الأسري الذي سيحمله معه الطفل عند خروجه الى حياة المجتمع (المدرسة،وبقية المؤسسات).كما أنها تحدد عدته النفسية العاطفية-العلائقية والمعرفية والمهارية ووسائطه الدفاعية التي سيخوض بها معركة الحياة.وكلما توفرت مقومات الصحة النفسية في هذا السيناريو وعدته،كانت فرص التفاعل والانفتاح والاغتناء والمرونة التكيفية أكبر،مما يجعل الحياة مشروعاً متعثراً كم هو كبير إذاً وكم هو مصيري,الفارق بين إرساء الصحة النفسية أو بذور الاضطراب,في سنوات العمر الأولى,ومراحل التكوين!؟
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com