دبلوماسية البيت

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

أبناء يخجلون من مهن آبائهم المتواضعة
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* محمد زاهر
أياً كانت مهنة أبيك مادامت شريفة فهي وسام على صدره وعلى صدرك وعليك ان تفكر ألف مرة قبل ان تخجل من تواضعها لأنها ليست أبدا كذلك.. فكر فقط في شيء واحد.. أنها كانت السبب في وضعك الحالي الذي جعلك تفكر في أنها متواضعة. قد يرى البعض ان المهنة نوعان: متواضع نخجل منه وآخر رفيع المستوى نفتخر به..
ولكن المنطق والعقل والضمير لا ترى ذلك أبدا فأي مهنة شرط ان تكون شريفة انما هي طريق اتخذه صاحبه وسيلة لمعيشته وكسب عيش أولاده وهذا في حد ذاته شرف لا يعادله شرف لأن اختيار الطريق الحلال أصعب بكثير من العكس..
لذلك حاولنا ان نخرج من هذا التحقيق بما يساعد أصحاب هذه الظروف عسى ان يجدوا فيه ما يوقظهم من غفلتهم وحتى يدركوا ما هم فيه من نعمة قد يحسدهم عليها آخرون. وليس المقصود هنا الاشارة الى المسلسل المصري الشهير الذي حمل الاسم نفسه ولعب بطولته الفنان عبد المنعم مدبولي في دور من أروع ما قدم خلال تاريخه الفني الكبير.
ولكن كانت تلك الكلمات هي أول ما يدور بخلدي حينما كنت أتحدث مع بعض أصحاب المهن التي يرى آخرون أنها متواضعة رغم أهميتها وعدم القدرة على الاستغناء عنها، واليكم بعض ما جاء على لسانهم.
محمد حورية (عامل تمديدات صحية «سمكري») يقول: أعمل في هذه المهنة منذ خمسة عشر عاماً وأنا فخور بها لأنها مصدر رزقي ورزق عيالي وأسرتي، وهي كفتني مد اليد للناس طيلة حياتي والحمد لله على ذلك، ولا أرى ان هناك أمة أو حضارة لا تبجل العمل بجميع أنواعه، وقد جاء التفريق أو النظرة الدونية لأصحاب المهن اليدوية أو الخدمية بسبب عصر الانحطاط الذي نعيشه.
حيث أصبح المرء يقاس بشكله وماله بعيداً عن معدنه وأصله، وبعد ان طغت المظاهر البراقة والاسماء اللامعة على معظم أفراد مجتمعنا أصبح القيام بأعمال خدمية كالتنظيف والبيع في الطرقات وغيرها أمراً مخزياً عند أولئك الاشخاص الفارغين الذين لا يقدرون الحياة ولا يعرفون قيمتها ولا يشعرون بقيمة المال أو حتى يقدرون معنى وجوده بأيديهم لأنه جاء بالطرق السهلة التي قد تكون غير مشروعة، هذا كله كرس هذه النظرة عند أفراد المجتمع، وهناك سبب رئيسي ايضاً وهو عدم فهم قدسية العمل.
ويضيف: أما بخصوص تأثير ذلك على أبنائي فهم أكبر من ان يتأثروا بذلك، ولقد تجاوزوا فترة التأثر بالناس وأصبحوا هم يؤثرون بالناس، فابني يدرس الصيدلة وهو من المتفوقين، وهو يأتي احياناً للعمل معي ويفتخر بذلك حتى أمام أصدقائه ويحب هذه المهنة لأنها ستجعل منه رجلاً يخدم أفراد المجتمع وستجعل منه صيدلانياً، والابن الاصغر منه يدرس الطب في روسيا، وهذا كله بسبب عملي الذي يدر عليّ الربح والحمد لله، ولولا هذا العمل لما استطعت ان أقف الى جانب أبنائي لاتمام دراستهم.
أما الأمر المزعج في الموضوع هو تأثر الأولاد الصغار وهم في المرحلة الدراسية الابتدائية بحديث أصدقائهم، فهؤلاء الصغار قد يسمعون كلام استهزاء من أصدقائهم الصغار، فهم لا يعلمون ان هذا الاستهزاء يسيء لزملائهم وقد يؤذيهم نفسياً، وأعتقد ان هذه مسئولية المدرسة والمدرسين عندما يرون مثل هذه الظاهرة بين الطلبة عليهم ان يحاربوها ويبينوا ان هذا مرفوض شرعاً ويحرمه الله ويخالف الأدب والاخلاق.
أما أسامة سعيد (سائق شاحنة) يقول: لا يهمني ما يقوله الناس عن مهنتي لأنني منشغل بها ولا يوجد عندي وقت أضيعه مع أولئك الناس، ولا أعتقد ان أولادي يخجلون من قول ان والدهم يعمل سائقاً، فهذه المهنة أنقذتني عندما أنهيت المرحلة الثانوية وجلست أبحث عن عمل وبقيت سنتين عاطلاً حتى التقيت بشخص يبحث عن سائق.
والحمد لله التزمت معه في ذلك الوقت والى الآن أعمال سائقاً للسيارات الثقيلة وأنا مرتاح رغم ان ظروف هذه المهنة صعبة وتحتاج الى صبر، وأنا أستغرب حقيقة من الشباب الذين يتنكرون لمهنة آبائهم مع ان هذه المهنة هي التي أخرجتهم من الفقر وأبقت على حياتهم وأكملوا بفضلها تعليمهم.
ويضيف: أما ما يقوله أولاد الاغنياء أو الأغنياء أنفسهم عن المهن التي نعمل بها أو لا تروق لهم، انما يدل على سوء تربية وسوء فهم، وأقول لهم ان الله قسم الرزق بين الناس، وقد تأتي الظروف الصعبة على ابناء الاغنياء وتدفعهم للقيام بأي عمل يشمئزون منه الآن، وعندها لن يستطيعوا القيام به لأنهم لم يعتادوا على ذلك.
غير ان ابناءنا قد عرفوا حقيقة الحياة وهم معتادون على مواجهة أصعب الظروف، وهذه من فوائد العمل اليدوي المتعب، وأقول للأبناء الذين يشعرون بحرج أمام أصدقائهم في المدرسة والجامعة والمجتمع بسبب مهن آبائهم ان كسب الرزق الحلال يدل على الرجولة والقوة وهو مدعاة للفخر والاعتزاز لا للخجل والكذب على الناس، ويجب عليكم احترام آبائكم واحترام مهنهم والفخر أمامهم بها كي تكافئوهم بشيء قليل مقابل ما قدموه لكم.
نعمان ابراهيم (عامل رخام) يقول: أعتقد ان وجود هذه المهن هو أمر ضروري ووجود العاملين بها كذلك، والا كيف نستطيع تنظيف الشارع وتعمير المنازل وغسلها؟ وكيف نتمكن من حراسة الأبنية؟ هذا أمر موجود في جميع المجتمعات، ولو نظرنا الى الأمر بشكل واسع وشامل لوجدنا ان الناس كلهم خدم لبعضهم البعض، فالخباز يخدم الناس ليأكلوا خبزهم والطبيب يخدم المرضى والمهندس يخدم الناس والمزارع يخدم الناس ويطعمهم الفواكه والخضار والبائع كذلك.
وفي النهاية الكل يخدم ولا مكان للكسول الذي لا يقدم شيئاً لأمته ومدينته، أما الأمر الذي جعل هذا الانسان طبيباً وهذا خبازاً أو كناساً فهي الظروف، لذا لا يحق لمن كانت ظروفهم المادية أو ظروف العمل جيدة ان يهزأوا من أولئك الذين لم تساعدهم الظروف أو الحياة على أن يكونوا مثلهم أو أفضل منهم، والمهم عندي ان أكسب المال بالطريق الشرعي الحلال دون ايذاء الناس، وأنا والحمد لله أكسب ما يكفيني وزيادة.
ويضيف: هناك مسألة لا يعرفها الناس أحب ان أنوه اليها، وهي انهم يعتقدون ان كل صاحب مهنة محترمة تدر عليه المال الوفير، وان كل صاحب مهنة متواضعة فقير، وهذا خطأ قد يكون الطبيب فقيراً والمهندس فقيراً، ويكون الناطور غنياً لأن مسألة الرزق لا دخل لها مباشرة بنوعية العمل، وأتمنى أن تنتزع من أفكار الناس هذه النظرة الدونية تجاه أصحاب المهن المتواضعة.
الشيخ راشد عبدالحميد (امام وخطيب) يقول: بداية أوضح ان الله عز وجل كرّم الذين يعملون بمثل هذه الأعمال، وأقصد الأعمال اليدوية، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه رفع يد الصحابي التي أتعبتها المسحاة من العمل قائلاً: «هذه يد يحبها الله ورسوله»، بل وجعل العمل اليدوي الأفضل، فعندما سئل أي الكسب أطيب قال:
«عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور». وقال: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من ان يأكل من عمل يديه، وان نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يديه». وقال رسول الله «ان الله يحب العبد المحترف». « ومن أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له» وكان في بيته يخصف نعله ويرقع ثوبه ويجلب شاته ويعقل بعيره ويعلف ناقته ويكنس بيته.
ويضيف: أما اليوم فنرى ان هناك أشخاصاً يجدون حرجاً من القيام بمثل هذه الأعمال ويرون ذلك عاراً، مع ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يستنكف عن هذا ولم يستنكف ان يقول للعباس وبنيه وهم يسقون ويعملون في زمزم «اعملوا فانكم على عمل صالح» وكان رسول الله يرعى الغنم في شبابه.
وهذا مثال أضربه للشباب على أخلاقيات العمل، ويوضح لنا ان المساواة التي جاء بها الاسلام أعطت العمل اليدوي الذي يخجل منه الكثيرون أخلاقية وتكريماً في حين قد يتعير منه الابناء خوفاً من سماع كلمة أو لمزة استهزاء وأقول لهذا الشاب لا تعطي بالاً لمن يحاول التأثير عليك من هذه الناحية، وحاول ان تتقبله وتفهمه انه على خطأ وان المهم ان يحصل المرء على المال الحلال ليسد حاجته وهذا بالتأكيد أفضل من مد اليد للناس.
بلا قلب
تحدث الينا (س. ك) جامع قمامة وقال : «لا أنكر ان مهنتي متواضعة جدا اذا ما وضعت موضع المقارنة مع غيرها ولكن مع ذلك لا يستطيع أحد ان يستغنى عني وعن زملائي والا تحولت حياتهم الى جحيم وسكن الذباب بيوتهم ولازمتهم معظم الامراض لهذا فأنا لا أخجل منها ولم أخجل منها في يوم من الأيام ولكن مع كل الاسف جاءت الاساءة من أقرب الناس إلي من أخي الأصغر والذي كنت أنفق عليه بعد وفاة والدنا ومعه أختين فعندما وصل أخي للمرحلة الثانوية فوجئت به يكذب على زملاء دراسته ويقول أنني أعمل موظفا باحدى الشركات الخاصة.
وأنه كان يبحث عن الوسيلة التي يثبت بها ذلك وهو يملأ استمارة الامتحان والتي تتطلب ان يكتب اسم ولي الأمر وصلة قرابته وعمله وقتها أحسست ان أخي انتزع من بين ضلوعه القلب ووضع بدلا منه حجرا لا يعرف كيف يحب ويعترف بالجميل ورغم اعتذار أخي وندمه الشديد بعد مواجهته الا أنني حتى هذه اللحظة لم أنس هذا الموقف الذي مرت عليه سنوات طويلة.
الحلال أولا
عم عثمان صاحب كشك لبيع السجائر والحلوى يروي حكايته لنا قائلا : «منذ ان بدأت العمل في هذا الكشك وأنا خائف من لحظة واحدة.. لحظة زواج أبني والسبب أنني والحمد لله اخترت له طريق التعليم والثقافة ولم أكن أبخل عليه بأي شيء حتى يتخرج من الجامعة حاملا شهادة تنفعه في مواجهة الزمن وكنت على يقين ان هذا الطريق سيجعل اختياره لشريكة حياته مختلف عن طريقتي أنا وأبي وهو ما حدث بالفعل فقد اختار ابني زميلة له في دراسته وعلمنا ان والدها يعمل صحفيا مرموقا في احدى الصحف الكبرى .
وشهرته كبيرة بين زملاء مهنته ولم أكن أدري ماذا سيقول لهم أبني الذي كنت أشفق عليه بشدة وماذا سأقول أنا عن نفسي ولكن والحمد لله لم يخذلني ربي في نفسي أو في ابني لأنني اخترت طريق الحلال دون اعتبار لأي شيء آخر حتى لو كان هذا الحلال مهنة متواضعة فقد تحدث ابني وعلامات الثقة والفخر تظهر عليه وهو يحكي لهم بكل اعتزاز عن الكشك الذي خرج منه ولداي وهما يحملان أعلى الشهادات وكان لكلامه تأثير ايجابي على أهل العروسة الذين رحبوا بنا ترحيبا كبيرا وأحسست وقتها ان طريق الحلال نهايته الحتمية هي الخير حتى لو كان هذا الحلال كشك سجائر.
لا يستحق
أحمد دسوقي (محاسب) تحدث الينا قائلا : رغم أنني لست من اصحاب المهن التي يطلق عليها مهن الخجل الا أنني أرى ان من يخجل من مهنة أبيه الحلال لا يستحق أبويته ولا يستحق مجرد وجوده على هذه الارض ذلك لأن مجرد النظر باحتقار لأي مهنة مهما كانت هو سلوك غير سوى ولا يخرج الا من انسان ذي عقلية متخلفة اجتماعيا وسياسيا ودينيا فما بالك لو كانت هذه النظرة لمهنة الأب الذي كان سببا لخروج هذا الانسان الى الدنيا أعتقد ان مجرد وجوده على ظهر الأرض شيء لا يستحق أبدا.
دموع في عيون وقحة
تحدث الينا علاء عبد المطلب (موظف) وقال : أحيانا تأخذ هذه المسألة عند بعض الابناء أكثر من حجمها الطبيعي بل وقد تصل الى مرحلة الاكتئاب والبكاء العنيف ولكنني لا أرى تشبيها يحضرني سوى انها دموع في عيون وقحة كان على صاحبها ان يفتخر بمهنة أبيه أيا كانت على أقل تقدير لأنها كانت سببا فيما وصل اليه من تقدم وعليه ان يحمد ربه ويشكر أباه أنه اتخذ حجطريقا آخر كان من الممكن بل ومن الطبيعي ان يكون هو نفس الطريق الذي يخجل منه الآن.
التاريخ يتحدث اليكم
أما هيثم محمد سلطان (موظف) فكانت له وجهة نظر تستحق العرض حيث قال : «أغلب الزعماء والمفكرين المشاهير والعلماء الافذاذ الذي يقف التاريخ أمام انجازاتهم طويلا كانت مهن آبائهم متواضعة بل وأحيانا كانت متواضعة جدا ومع هذا فلا تجد أحدهم يحكي عن تاريخه الا ويؤكد ان مهنة والده كانت كذا وأن مستواهم المادي والاجتماعي كان أقل بكثير من غيرهم بل ويزيد أحدهم في وصف النشأة على أنها كانت تحت مستوى الفقر .
ولكن تحمل كلماتهم دوما طعم الفخر والاعتزاز فخراً بآبائهم الذين تحدوا الطبيعة ليصلوا بهم لبر الأمان وفخراً أكبر بما حققوه هم ليفخر به الآباء وكأنهم يقولون لهم لقد زرعتم خيرا وها هو حصادكم.. أقول هذا لكل من يخجل من مهنة أبيه..عليك ان تجعل من هذا الخجل فخرا وعليك ان تعتز بهذا الاب أو بولي الأمر الذي كان سببا في وضعك في مقام ترى منه آخرين أقل منك ولم يجعلك في مقام يراك الجميع فيه اقل منهم.
من أنت ؟!
أما أحمد محمد بليطي (مهندس) فيقول : «علينا ألا نتحامل على الابناء في خجلهم من مهنة آبائهم لأن النظرة الاجتماعية لبعض الفئات مازالت قاصرة وغير موضوعية فنحن نحكم على المهنة ـ على سبيل المثال ـ بشكلها وشكل من يعمل بها لذا نرى ان جامع القمامة أو النجار أو الحلاق أو.. أو.. هي مهن متواضعة رغم ان الحقيقة مختلفة تماما عن ذلك فكلها مهن لا يمكن الاستغناء عنها ولا يمكن تخيل الحياة بدونها وهو الأمر الذي يجب ان تحكم به الامور لذلك فأنا أوجه رسالة لمن تضعه الظروف في مثل هذا الموقف..
الحياة الآن ليست من أبيك أو ماذا يعمل؟ الحياة الآن تبحث فقط عمن أنت ؟! وما دورك؟ وماذا تقدم لنفسك ولمجتمعك؟ أما مهنة أبيك أو لقبه أو شجرة العائلة كلها مفردات اختفت من حياتنا وعليك ان تحفر في الصخر لتجد الاجابة عن هذه الاسئلة وأهمها من أنت ؟ لأنك لو وجدت اجابة هذا السؤال ستعرف وقتها ان مهنة أبيك ليست أبدا مدعاة للخجل ولكنها كانت سببا في ان تجد الاجابة عن أهم سؤال في حياتك ؟
والأبناء.. يتحدثون
قابلنا بعض الابناء الذين وضعتهم ظروفهم في هذا الاختيار واليكم بعض ما قالوا:
محمود شاب خرج الى الدنيا ووجد نفسه أبنا لبائع خضروات «سريح» وهو ما يطلق على من يتحرك بعربة تجرها دابة ليسير بين الاحياء باحثا عن مشتر لما يحمله من بضاعته..تحدث الينا قائلا :
«أنا لا أنكر أنني فخور بما وصلت اليه وأن عربة الخضار هي السبب الرئيسي في كوني محاسبا في احدى الشركات الكبرى ولكن هذا هو شعوري الذي أحمله أنا أما المجتمع فينتظر للأمور بشكل مختلف لأنني سأبقى دوماً أمام بعض الناس ـ رغم قلتهم ـ ابن بائع الخضار لذلك فأنا أحاول دوما ان أجتهد أكثر وأكثر لأصل الى ما يجعلني أبهرهم به حتى ينسى الجميع أي شيء ويتذكروا فقط من هو محمود.
أما سيد (الذي يعمل مهندسا باحدى شركات الاتصالات) فيقول : كان والدي رحمة الله عليه يعمل «سائساً» بجراج عمومي بالمنطقة وهي مهنة بسيطة يراها البعض من المهن المتواضعة وهكذا حكمت الظروف على مهنة أبي ومع هذا كان أبي يضع كل أحلامه فينا أنا وأخوتي.
وكنت أنا أكبرهم ومرت الأيام وأكرمني الله تعالي ودخلت كلية الهندسة وحققت حلم والدي لأنه دوما كان يحلم بلقب ابو المهندس خاصة وأن صاحب الجراج كان ابنه مهندساً وهذا هو السبب الذي لم يجعلني أخجل من مهنته فقد حكمت الظروف وقال القدر كلمته وخلق أبي عاملاً بجراج وخلق صاحب العمارة ميسور الحال ومع هذا أصبحت وابنه مهندسين.
أما كارم عز العرب (محام) فيقول: « لدي سؤالان ورغم يقيني بأن النفي هي الاجابة القاطعة لهما الا أنني اتوجه بهما لمن يعيش مثل هذه الظروف.. أولا هل يمكن للمجتمع ان يستغني عن مهنة واحدة يمكن ان يعيش المجتمع حياة طبيعية متكاملة بدونها والا لم تكن في الأصل مهنة..
ثانيا اذا لم يعمل أبوك في هذه المهنة وفضل طريق الحرام عليها هل كنت ستفخر لو وجدته سجيناً مهملاً من كل مجتمعه؟ الى كل من وضعه القدر في مثل هذه الظروف الاجابة بالطبع هي النفي، فلماذا اذن تخجل من مهنة أبيك أيا كانت؟.. أليست هي السبب الوحيد الذي أوصلك لما أنت فيه؟.. عليك ان تحمد الله أنها كانت سببا في ذلك ثم أشكر والدك وقبل يديه كل صباح لأنه تحمل سخافات البشر الذين ينظرون اليه كصاحب مهنة متواضعة، كل هذا من أجل ان تقف على قدميك وبدلا من ان تفخر به تخجل منه، انه أمر مشين!
---------------------------
* تحقيق: مكتب «البيان»

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com