د. سبوك
الانضباط مفقود في زماننا.
واللهاث وراء متطلبات حياتنا غير المستقرة ينعكس على أطفالنا بشكل أو بآخر.
فإذا كان الأب في العصور السابقة يضع نظاماً حديدياً للأدوار المختلفة لكل فرد من أفراد الأسرة، فقد اختلفت، في زماننا الأدوار وصار كل منا يؤدي الدور الذي يحبه لا الدور المفروض عليه.
فالأب في العصور السابقة كان يترك الأم في المنزل ويترك لها عملية تأديب الأطفال. وقد تلقي المرأة بالكرة في ملعب الأب فتخيف الأطفال من آبائهم.
ورأينا نماذج لكبار يقسمون أنهم لم يشاهدوا والدهم مرة واحدة وهو يقبلهم أو يدللهم. إن الأب هو ذلك الذي يمسك بسوط (كرباج) وهمي تهدد به الأم فيسكت الأطفال عن السلوك الذي لا توافق عليه الأم.
كان إيقاع الحياة كإيقاع عربة الحنطور التي تمشي الهوينا وتجري في حدود اللهو الآمن. أما الآن فهذا زمن السيارات والطائرات والصواريخ والحروب والحديث عن النقود والمخترعات. لقد ازدحمت البيوت بآلات التكييف والغسالات الأوتوماتيكية وطهو الطعام بأشعة الليزر، وصار الأب يدخل إلى منزله منهكاً من العمل الذي يقوم به لتوفير أقساط البضائع الجديدة التي عرضها التلفزيون، وصارت الأم تناقش معه مسألة توفيرها مبلغاً من المال من عملها لتجديد ستائر المنزل مثلاً. وهنا يقفز الطفل ذو العامين ليعبث بأنف الأب أو يستكشف سائر وجهه أو يجرب ثني ذراع نظارة الأب فيكسرها. إن عرق الأب وتعبه بل وكرامته تتعرض للعبث الطفولي. وكذلك قد يتعرض عقد من اللؤلؤ في عنق الأم إلى الانفراط نتيجة جذب الطفل لهذا العقد بعبث مفاجئ.
إن البيت مسرح المكدودين من الكبار والعابثين من الصغار. والطفل الذي خرج من جولة عناء سابقة يشعر ببعض الهزيمة تترسب في أعماقه. وهنا ماذا يمكن للأب أن يفعل؟ وكيف يمكن للأم أن تتصرف؟
إننا نحن الآباء في حاجة إلى استكشاف ضرورة القيادة الصارمة وبحزم مع الأطفال.
وعندما يمسك الطفل بنظارة أبيه يكون على الأب ألا يستسلم أو يقف متوسلاً للابن أن يترك النظارة. إن على الأب أن يتقدم بهدوء وأن يمسك النظارة من يد الابن ويستخلصها منه. وإن بكى الطفل أو صرخ فعلى الأب أن يقول له بمنتهى الحزم: ((إن النظارة موجودة معي لأرى بها وليست من ضمن ألعابك)). وإن تكرر عبث الطفل بالنظارة لا مانع على الإطلاق من أن يمسك الأب بيد الطفل ويضربه عليها دون غل أو توتر مبالغ فيه. ولنتذكر أن الطفل الصغير في حاجة إلى عقاب بسيط ولكن علينا أن نعرف أن العقاب البسيط يحتاج إلى هدوء وثبات ولا يحتاج أن تجعل الطفل سبباً لكل منغصات حياتك فتنفجر فيه وكأنك تنهال ضرباً على كل ظروفك الصعبة.
والطفل عندما يمسك عقد اللؤلؤ من صدر أمه يكون عليها أن تستخلص العقد من بين أصابع الطفل بهدوء. وإن تمادى الطفل فإن عليها أن تضربه بهدوء على يده أو على غليته. وعلى الأم أن تعرف أن العقاب البسيط يتطلب أن نمنع الطفل من القيام بما يؤذينا أو يؤذيه فقط لا غير. وعلى الأم ألا تضرب الطفل كأنه سبب كل عذاباتها.
إن علينا أن نتجنب ((الإزاحة)) في عقاب الأبناء، والمقصود بالإزاحة تلك العملية النفسية التي ينتقل بها العقاب من طرف أقوى منا إلى طرف أضعف منا.
إن الأب قد لا يجرؤ على توجيه النقد لرئيسه مثلاً فينفعل لأي سبب ويضرب الابن.
والأم قد لا تجرؤ على مواجهة زوجها ببعض من أخطائه فتضرب الابن وكأنه الممثل الحقيقي للأب.
إن ((الإزاحة)) يجب أن تختفي من تعاملنا مع أطفالنا وعلينا نحن أن نحرص على الوعي الشديد عندما نتكلم مع الأطفال وعندما نعاقبهم.
ن الطفل قد يتكرر منه الخطأ وقد يتلقى العقاب مرة، وثانية، وقد يركب رأسه إلى عناد. هنا لا يجب أن نستسلم أو نتحفز أن نعتبر أنفسنا آباء وأمهات غير صالحين.
لا. إن علينا أن نبحث في هدوء عن مكمن الخطأ في علاقتنا بالابن، وأن نلاحظ أنفسنا لا باتهام أنفسنا ولكن بتحليل سلوكنا، وبأن نستكشف مواطن القوة والضعف فينا وبأن نعدل في سلوكنا.
إن القيادة تحتاج إلى أن تعرف أن تعرف أن الطفل كائن جديد في حياتها وأنه يتدرب على الحياة وسط تقاليد معينة علينا أن نحرص على تلقينها له بسيطرة وهدوء أعصاب وشجاعة مؤثرة، لا بشدة وتوتر وانفعال. إن الأب والأم هما مجرى نهر حياة الابن. ومجرى النهر هو الذي يقود مياه النهر إلى المصب بهدوء.
إن القيادة لا تكون بالغضب دائماً من أي سلوك تافه، ولكن بتنبيه متجدد إلى أن الطفل يجب أن يفعل الأمر الصحيح.
والقيادة لا تكون بأن نتخيل أن أعباء الحياة بعد ميلاد هذا الطفل صارت لا تطاق، فالحقيقة هي أن الطفل جاء كرابط جديد يجعل الأب والأم يحبان الحياة أكثر وأكثر، إن الطفل جزء منا ونحن نفخر بمسؤوليتنا عنه.
والقيادة لا تكون بأن نخلط بين العبث والجد أو أن ننتقل من المداعبة إلى العقاب. فالقيادة هي ألا نسمح للإحباط أن يداخلنا ونحن نعامل الطفل، وأن تكون المبادرة دائماً في أيدينا، وألا نحتقر شأن الطفل كمجرد كائن صغير وألا نضخم في تخيل الوهم بأنه ((يتآمر)) علينا.
والقيادة تعني أن لكل شيء ميعاداً. فلا يصح على سبيل المثال أن نملأ وقت الأطفال بتقديمنا له الحلوى غير المغذية وزجاجات المياه الغازية، تمد الطفل بلون من الطاقة المزيفة التي لن تدفع جسمه إلى النمو والتي يفرغ منها جسمه عند اللعب.
وليتنا نمنع هذا الطعام والشراب المزيف الذي يبيعونه للأطفال ونستبدله بعصير طازج لأي فاكهة من الفواكه. وليتنا نتجنب العصير المعلب، إن المواد الحافظة فيه قد تسبب ألواناً من الحساسية للأطفال. ونحن نحب لأطفالنا أن ينشؤوا بعيداً عن أمراض الحساسية.
المهم أن نترك معدة الطفل تعمل وفق النظام الذي نعيشه نن، فمنذ أول العام الثالث والطفل يأكل عادة مثلما نأكل نحن، أي ثلاث وجبات، ولكن الطفل قد يجوع أسرع منا، وهنا نعد له سندويتشات من ألوان مفيدة من الطعام.
ونحن في أوقات الطعام العادية لا يجب أن ننصب لأنفسنا فخاً، بمعنى ألا نقول للطفل: ((ألا تريد أن تأكل))؟
إنه المفروض هو أن يتناول الطفل طعامه مع الأسرة، فلماذا نضع أمامه الاختيار؟
إنه قد يجيب على سؤالنا بالقول ((لا، لا أريد أن آكل الآن)) وبذلك نكون قد فتحنا على أنفسنا أبواب جدال ومناقشات لا لزوم لها، وسيصر الطفل على موقف العناد. إن مثل هذا السؤال: ((ألا تريد أن تأكل)) ليس إلا فخاً ننصبه لأنفسنا ونقع فيه رغماً عن إرادتنا، وهو ينتهي غالباً بإحساس بالإحباط.
وعندما نجد الطفل في موقف صعب، كاقترابه من حرف سور الشرفة أو إخراج أكثر من نصف جسمه من الشباك، لا يجب أن نتجمد مكاننا ونصرخ في الطفل ((لا .. لا .. لا)) إن هذه الصرخات قد تخل بتوازن الطفل نفسه، ولكن يجب أن نتصرف بهدوء وسرعة لننقله من هذا المكان إلى مكان آمن.
يجب أن نربط كلامنا مع الطفل بالسلوك العملي من جانبنا فيتلقى الكلمات وكأنها أمر غير مباشر، وهذا الأمر غير قابل للجدال.
إن المناقشات العقيمة والتي ينتصر فيها الطفل علينا تسبب لنا الإحباط وتزرع في نفسه من بعد ذلك الإحساس بالذنب ... هذه المناقشات وما شابهها تفضي إلى توتر العلاقة العاطفية بيننا وبين أطفالنا.
إن تآكل الحب بين الآباء والأبناء كان يحدث في القرون السابقة لأن أياً من الأب أو الأم لم يكن ليضع مشاعر الابن موضع الاعتبار. كان على الطفل أن يأكل في ميعاد مضروب، ولابد له أن ينفذ ذلك، وكان عليه أن يساعد في أعمال البيت منذ عامه السادس دون مناقشة، وكان عليه أن يصحب والده إلى العمل وأن يتصرف باتزان وثبات وإلا فهناك العقاب الصارم. وكان هذا اللون من السلوك يفجر طاقات عدم الاحتمال في نفوس الأبناء نحو الآباء والأمهات. ولست أنسى ذلك الأب الذي كان يزن كميات من الطعام لابنه حتى يأكلها رغما عن أنفه، وكان الطفل يقيء كل ما يأكله. إن هذا الطفل تمرد على أن يكون مجرد قالب يصبون فيه الطعام. وكان العلاج السليم لهذا الطفل أن نتركه لفترة من الزمن دون حلوى ودون أطعمة ذات سعرات حرارية مزيفة، وهذا يكفل لنا أن يأتي الطفل إلى ميعاد الطعام ليأكل مع الأسرة بالكميات التي يختارها هو.
أما في عصرنا هذا فإن الذي يسبب تآكل الحب بين الآباء والأبناء هو ذلك الإفراط في التسيب وخوف الآباء الشديد على حرية أبنائهم، وخوف الآباء الشديد من ممارسة قيادة الأبناء. وتكون النتيجة في الغالب حالة من الإحباط المشترك سببها أن الابن أخذ مساحة من الحرية لا يعرف كيف يتصرف بها ولم يتدرب على التعامل معها، وأن الأب والأم أحس كل منهما أنه لا يستطيع أن يسيطر على الابن.
إن علينا نحن الآباء والأمهات أن نقدم بشجاعة وهدوء على ممارسة مهمتنا الطبيعية وهي أن يكون الواحد منا صارماً دون قسوة، وأن يكون حازماً دون جفاف، وأن يكون حنوناً دون انهزام أمام الطفل. وإذا تساءلنا أين نتعلم كل ذلك، فإننا نقول: نحن نتعلم ذلك بالتدريب والانتباه والقدرة واليقظة على تعديل السلوك الخاطئ إلى سلوك مناسب.
|