دبلوماسية البيت

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

حتى لا تضرب رأسك في حائط الإحساس بالوحدة

ليس هناك مصمم سلوك بشري يشبه عمله مصمم الأزياء.
فأنت مع ملابسك تتجه إلى مصمم أزياء تختار منه، وتسمع له وتطلب إليه تنفيذ ما تختاره لنفسك من ملابس، وتدفع النقود أجراً لذلك، وترتدي ملابسك الجديدة، وتتلقى كلمات الإعجاب من الذين حولك بما ترتديه من ملابس رفيعة الذوق.
ولكن ماذا عن السلوك البشري؟ هل هناك مصمم سلوك بشري؟
وهل هناك ((قطع غيار)) لسلوك لا تراه حسناً فتستبدله بقطع غيار لسلوك تراه مناسباً؟
ونحن عندما ننظر إلى أطفالنا نتمنى أن يكون هناك مصمم سلوك بشري نسأله أن يقوم بتفصيل ألوان من السلوك الراقي لهم. وبعضنا قد يذهب إلى طبيب نفسي، وقد يكون هذا الطبيب من هواة الكيمياء فيعطى الطفل أقراصاً تعبث بجهازه العصبي مثلاً، ويستمر الخطأ ليولد خطأً آخر.
وبعضنا الآخر قد يقول لنفسه إن التسامح الزائد عن الحد ينتج أطفالاً أشقياء، تفتقر حياتهم إلى التوازن المطلوب لمواجهة الحياة بشكل ناجح. والقسوة المبالغ فيها تنتج أطفالاً ممتلئين بالخوف من هذا العالم. ولذلك لابد من التوازن بين التسامح وبين الحزم، ولابد من الإيمان بالحقيقة البديهية وهي أننا نربي أطفالنا لزمان غير زماننا، وبالتالي لا يمكن أن نتنبأ بالنتيجة النهائية التي يصل إليها الابن من خلال أسلوب التربية الذي يتبعه الأب والأم، فكثيراً ما نسمع عن عبقري في مجال من مجالات الحياة كانت طفولته قاسية جداً. ونسمع عن مجرم ضليع في الإجرام، كانت طفولته تتميز بالإتزان التربوي المنشود. والسبب في ذلك هو أن العبقري كان له مخزون من الظروف المتتابعة التي أعطته فرصة للإبداع. والسبب في ذلك أيضاً أن المجرم شاءت له الظروف الاجتماعية أن تحطم رصيده من الإتزان التربوي المنشود. ولذلك يؤمن كاتب هذه السطور بأهمية إيمان الأب والأم بإله واحد قادر، يمكن أن يمنح أبناءهما ظروفاً اجتماعية لا تسرق من الأبناء الإتزان التربوي وأن تتيح لهم فرصاً للإبداع. هذا على مستوى الإيمان، فماذا عن مستوى الواقع المادي اليوم؟.
نحن نجد على سبيل المثال، أن الحضارة الغربية المعاصرة خرجت علينا من بعد الحرب العالمية الأخيرة بضرورة المساواة بين الآباء والأبناء، والسبب في ذلك هو أن الابن ـ في بعض الأحيان ـ قد رأى أمه في أحضان رجل آخر أثناء غياب الأب، وأن الأب قد حكى لرفاقه بما وصل إلى سمع الابن ـ في بعض الأحيان ـ أنه مارس الحب في كل مدينة دخلها محارباً.
إذن فقد سقطت ـ غالباً ـ أمام الابن منذ الطفولة أقنعة الاحترام التي تولد معه تجاه أمه وأبيه. وعندما عاد الآباء من الحرب قامت المشاكل داخل الأسر، فعشيق الأم لم يكن يقيم معها في المنزل، أما هذا الوافد الجديد الذي يقول إنه ((أب)) فهو يقيم في المنزل. وتقدم بعض هواة الحلول التلفيقية من أطباء النفس الذين أخذوا من العلم قشوره واستولى الأمل عليهم في إيجاد حلول سريعة لمثل هذه المشكلات، أي أن يكون كلا الطرفين متساوياً في العلاقة.
وصادف هذا القول هوى عند بعض الآباء الذين عانوا في طفولتهم من قسوة آبائهم عليهم. وتمت ترجمة تلك المساواة المزعومة بأن طالب بعض الآباء أبناءهم بأن ينادوهم بالاسم الأول. فإذا كان اسم الأب ((مدحت)) وكان اسم الابن ((وليد)) فالابن ينادي والده ((يا مدحت)) كما ينادي الأب ابنه ((يا وليد)).
إن الآباء الذين يفعلون ذلك ابتغاء رسم طريق للصداقة بينهم وبين الأبناء، ينسون أن الابن منذ أن تتفتح عيناه على العالم وهو يبحث عن الحدود التي لا يجب أن يتخطاها، ويحاول أن يتخطاها. إنه يعبث بأزرار الكهرباء وأنت تخاف عليه من أن تصعقه الكهرباء، وتمنعه من الاقتراب منها. وهناك أيضاً لون من الاحترام العميق يجب أن يعرفه الابن ولا يتعداه. وسيحاول الابن أن يتعدى الحدود وسيجد الأب الحازم يقول: ((لا، هناك حدود)).
إن الآباء الذين ((يتسولون)) الصداقة مع الأبناء بإغراقهم في الهدايا والتبسط معهم في الحديث، هؤلاء الآباء يصطدمون بحائط واضح جداً وهو حائط تمادي الابن في الشغب، والتهاون، وعدم الإقبال على العلم، وأخذ الحياة بمنطق المستهتر.
إن الأب يحصل على صداقة الابن بالحزم أكثر مما يحصل عليها بإطلاق الحبل على الغارب. فالأب الذي يلقي بلهجة حازمة الأوامر التي تنير الطريق أمام الابن هو الأب الذي يلجأ إليه الابن ليتلقى مشورته.
هذا اللون من الآباء هو الذي يستمتع بالفعل بالصداقة مع الابن.
إن الحزم الأبوي لا يؤذي شخصيات الأطفال على المدى البعيد، رغم أن الطفل قد يبدي بعض الامتعاض أو الضيق من الحزم. ولكن كل طفل يعلم في قرارة نفسه أنه طفل قليل الخبرة وأن أمنه وأمانه يعتمد على والديه.
لقد أثبتت التجارب النفسية أن الطفل يصبح عديم الانسجام مع المجتمع إذا ما كان والده سلبياً غير حازم.
إن الابن يحب الأب الحازم لأنه ينال مع هذا الأب علاقة أكثر دفئاً ولطفاً. صحيح أن الحزم لا يتيح للابن فرصة أكبر من التدليل، ولكن الابن لا يوافق في أعماقه على مسألة الصداقة مع الأب على طول الخط.
إن للابن أصدقاء من نفس عمره، يحبهم، ويلعب معهم، ويتشاجر معهم، ويدخل معهم في تنافس، ويهزم بعضهم ويهزمه بعضهم الآخر. والابن له خياله الخاص الذي يجعله، منذ العام السابع، شديد الرغبة في تحدي الأب وفي الرضوخ له أخيراً. وهو أيضاً يطلب من والده أن يلعب دور القاضي الذي يستسمحه في بعض سلوكه والذي لا يوافق على البعض الآخر منه.
ومع نمو الأبناء فهم يحاولون دائماً اكتشاف حدود ما سيسمح به الآباء، الأمر الذي يتطلب من الآباء القيام بتخفيض القيود تدريجياً مع استمرار الحزم.
إنني لا أنسى أن ابني الشاب لم يكن مسموحاً له باللعب خارج المنزل أو في النادي لأكثر من السادسة مساءً عندما كان في التاسعة من العمر. وعندما دخل الجامعة وصار في الثامنة عشرة أصبح الميعاد المحدد لعودته هو الحادية عشرة، وليس في ذلك أدنى تزمت، لكنه الحزم الذي يوجب على معرفة المكان الذي يذهب إليه.
إن الابن بذلك يتعلم كيفية إدارة دفة عمره تدريجياً، بدلاً من أن يكون واحداً من أولئك الذين يتخبط معهم آباؤهم ذات اليمين وذات الشمال، فمرة يطالبون أبناءهم بالصداقة معهم، ومرة أخرى يفقدون الصبر لأن أبناءهم يسيئون السلوك. هؤلاء الآباء عليهم أن يستردوا الحزم مرة أخرى وأن يقيموا علاقة واضحة يكون للأب فيها دور التوجيه، وعلى الابن الطاعة.
وإذا شعر الآباء ببعض من الذنب بسبب قسوتهم أو تفجر غضبهم، فعليهم أن يقولوا لأنفسهم: ((لا داعي للإحساس بالذنب، فالابن عليه أن يتحمل بعضاً من قسوة الأب، لأنه في المستقبل سيلتقي بمن يقسو عليه أو ينفجر عليه غضباً من رؤسائه، وعليه أن يتعلم الانضباط وأن الحياة لا تسمح للأبناء أن يخرجوا منها ليكون كل واحد منهم ملكاً يحترمه الجميع، إذ إنهم يخرجون إلى الحياة ليندمجوا مع المجتمع الأوسع)).
وعلى الأب ألا يفكر في الاعتذار للابن إذا ما انفجر غاضباً، ذلك أن الأب لو اعتذر لابنه لكان من نتيجة ذلك أن الابن سيتجاوز الحدود مرة ثانية.
إن للابن حدوداً يجب أن يلتزمها، وذلك حتى نتجنب الوقوع في التوترات التي تنتج من إطلاق الحبل على الغارب.
وقد ينتقد ا لابن والديه لأصدقائه وقد يشكو للأصدقاء من ((ضيق أفق الكبار)). ولا بأس، فليفعل ذلك ولكن عليه أيضاً أن يطيع الوالدين.
إن الضوابط الأسرية هي التي تعطي الابن في شبابه فرصة الاندفاع إلى إنهاء دراسته وإتقان مهنة ما ليستقل عن أسرته، حتى يبني هو أسرة جديدة، وهو سيحاول أن يفعل مع ابنه نفس ما فعله معه والده.
إن كل إنسان منا يحمل صورة والده في داخله، يتمرد عليها في مراهقته ويقلدها في نضجه.
وكل امرأة تحمل صورة أمها في داخلها، تتمرد عليها في مراهقتها وتقلدها في نضجها.
إن المناداة بالحزم مع الأبناء ليس معناها أن تحول المنزل إلى معسكر والأبناء إلى جنود، وأن يعيش المنزل في جو عسكري صارم.
لا. إن هذا ليس حزماً، إنه زراعة للخوف في نفوس الأبناء حتى لا يقتربوا من الآباء.
إن بعض الآباء يحسون بالحيرة إزاء مواقف الحياة المختلفة ويختبئون خلف جدار مصطنع من القسوة. السبب الأساسي في هذه القسوة هو أنهم لا يملكون القدرة على التفاعل مع الأبناء ويستريحون في الكسل عن القيام بمسؤولياتهم تجاه الأبناء.
وهؤلاء الآباء يحصدون في النهاية أبناءً لا يهتمون بهم في شيخوختهم.
إن الأبناء في الولايات المتحدة على سبيل المثال ينفصلون عن الآباء في عمر السابعة عشرة ويقال إن ذلك هو ((الاستقلال المبكر))، ولكن الآباء، من الناحية العملية يتوقون في الشيخوخة إلى الإحساس بدفء الامتداد في الحياة، ولا يجدون الأبناء بجانبهم. ذلك أن الكبار قد تناسوا في شبابهم التعامل مع الأبناء بحزم لا بقسوة وتناسوا في شبابهم التفاعل مع الأبناء وفضلوا على ذلك ((تسول)) الصداقة مع الأبناء.
إن على الآباء الإقبال على الأبناء بحب وبحزم أيضاً. وعلى الآباء عدم الاعتذار عن الانفجارات الصغيرة وعدم تسول الصداقة مع الأبناء.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com