ان منح ولدك ما يلزمه من توجيه ودعم لينمو ويكون بصحة جيدة يشمل جميع مهارات الامومة: الرعاية والتوجيه والحماية والمشاركة وتقديم الحسنة. وأسوة بسائر المهارات, يجب ان يتم تعلم هذه الامور واتقانها من خلال التمرن, مع العلم ان بعضها قد يكون اسهل من غيره, وان بعضها الاخر قد يكون ايسر في ايام معينة دون اخرى. ان هذا التباين وجه طبيعي من وجوه تنشئة ولدك, لكنه يمثل تحدياً لك في عملك التربوي. ومن شأن المقترحات التالية, ان تعينك على الاستفادة القصوى من مهارات الامومة لديك بحيث توفرين لولدك افضل بداية ممكنة.
افرحي بولدك كفرد: اعترفي بأن ولدك هو شخص فريد, يختلف عن اي ولد اخر, وقدري صفاته الخاصة. واكتشفي حاجاته ونواحي القوة والضعف لديه, وطبيعة مزاجه, ولا سيما روح الدعابة التي تبدأ بالظهور باكراً في طفولته. دعيه يريك الفرح في اللعب. فكلما فرحت بولدك وقدرت فرديته, نجحت في مساعدته على تطوير منحى الثقة والاعتزاز بالذات لديه. كما انه يوفر لك, كأم, الكثير من اللهو.
ثقفي نفسك: يحتمل انك تعرفين اكثر مما تتصورين بشأن كونك أماً, اذ انك امضيت سنوات راقبت فيها اهلك وغيرهم من العائلات. وربما حدث لك ان اعتنيت باولاد اخرين. كما ان لديك العديد من الاستجابات الغريزية التي تجعل منك اما قادرة على العطاء. وربما كان ذلك كافياً لك لتنشئة ولدك لو انك كنت في زمن سابق, لكن مجتمعنا المعاصر معقد الى حد بعيد, فضلاً عن انه في تغير مستمر. وفي مثل هذه الحال, غالباً ما يستفيد الاهل من مزيد من التعلم والتثقف. تكلمي مع طبيب الاطفال الذي يعنى بولدك, ومع اهال الاخرين واطرحي عليهم اسئلتك. اقرئي ما يتيسر لك حول القضايا والمشكلات التي تؤثر على عائلتك.
كوني قدوة حسنة: يظهر لك ولدك الحب فيما يظهر, من طريق تقليدك. وهذه طريقة من الطرائق التي يتعلم بها ولدك كيف يتصرف ويتعلم مهارات جديدة ويعنى بنفسه. ومنذ نعومة اظفاره, يلاحظ عن كثب, ويتبع نمطاً معيناً في سلوكه ومعتقداته بحسبما يرى منك. ان الامثلة التي تقدمينها, تمسي صوراً ثابتة تشكل مواقفه وافعاله لباقي حياته. فاذا كنت قدوة حسنة لولدك هذا يعني انك اصبحت مسؤولة, محبة, وثابتة على المبدأ, ليس ازاء ولدك فحسب, بل امام جميع افراد العائلة. ومما يؤثر على ولدك تنظيم حياتك الزوجية. أظهري عاطفة ورعاية في علاقتك مع زوجك. فعندما يرى ولدك ان والديه يتواصلان ويتفاهمان علناً, ويتعاونان ويتشاركان في حمل مسؤوليات البيت, فانه سيحمل معه هذه المهارات ويستخدمها في علاقاته الزوجية المستقبلية.
ويمكنك ان تكوني قدوة حسنة في مجال هام اخر, وهو البرهنة على التسامح والتقبل في مجتمع متنوع. وكلما تعددت القوميات وتنوعت الثقافات في مجتمعك, ابذلي جهداً على فهم التنوع وتقديره والاحتفال به. ان الصبي او البنت لا يولدان متعصبين, بل يتعلمان التعصب والتحامل على الاخرين في عمر باكر جداً, يناهز الرابعة من العمر. وان العلاقة التي تقيمينها مع الناس في حياتك تكون اساساً لكيفية تعامل ولدك مع اقرانه وغيرهم على مدى طفولته ورشده. علميه ان هناك العديد من التشابهات بين الناس, وحاولي تخليصه مما يتعرض له من تصنيف الاخرين بشكل متحيز, واستبدلي بذلك اعتقاداً مفاده ان جميع الناس يستحقون الاحترام والتقدير.
اظهري حبك: ان منح الحب هو اكثر من قولك: "اني احبك". وان ولدك لا يفهم ماذا تعني تلك الكلمات الا اذا عاملته بحب وعطف. كوني معه تلقائية, مستريحة, ومحبة له. أكثري من التواصل معه عبر الاحتضان والتقبيل والهدهدة واللعب. واصرفي وقتاً كافياً للتحدث معه والغناء والقراءة له كل يوم. أصغي اليه ولا حظي كيف يستجيب لك. ان منحه الانتباه واظهار عاطفتك له على السجية, يجعلانه يشعر بانه امن وله مكانة خاصة, وهو ما يؤسس عنده الاعتزاز بالنفس.
تواصلي معه بالكلام علناً واخلاص: ان من اهم المهارات التي تعلمينه اياها مهارة التواصل بالكلام او بغيره. وتبدأ تلك الدروس عندما يكون طفلاً يرنو الى عينيك, ويصغي الى صوتك الناعم. ويستمر هذا الامر اذ يراك ويمعك عندما تتحدثين مع سائر افراد العائلة, وفيما بعد اذ يعينينه على حل مشكلاته وتنظيم شواغله وتهدئة ارتباكاته. انه يحتاج اليك لتكوني متفهمة وصبورة وخلصة وواضحة معه. لكن التواصل الكلامي لا يكون دائماً سهلاً ضمن العائلة, فقد يصعب عندما ينهمك الوالدان في عملهما, أو عندما يخضعان لضغط نفسي, او عندما يكتئب احدهما او يمرض, أو يغضب. ومن اجل تفادي انقطاع التواصل والتفاهم, يلزم التعاون والالتزام بين اعضاء العائلة, والتنبه الى المشكلات وقت حدوثها. عبري عن مشاعرك, وشجعي ولدك على ان يكون ايضاً منفتحاً. ولاحظي التغير في سلوكه. مثل استمرار البكاء او سرعة الانفعال او الارق او فقدان الشهية, ما يدل على الحزن او الخوف او الاحباط او القلق, واظهري له انك تدركين ذلك, وأنك تتفهمين تلك الانفعالات. اطرحي اسئلتك, واستمعي الى الاجابات عنها, وقدمي مقترحات بناءة.
اصرفي وقتاً كافياً معه: اذا صرفت مع ولدك بضع دقائق يومياً. فانت لا تعطينه ما يلزمه. انه في حاجة الى وقت طويل تقضينه معه جسدياً وعاطفياً, كي يزيد من اكتشافه لك, ويطمئن الى عطفك وجبك. وذلك ممكن حتى لو كانت لديك التزامات خارجية. ففي وسعك ان تعملي خارجاً وقتاً كاملاً, وأن تقضي مع ولدك وقتاً حميماً كل يوم. فالمهم ان تكرسي ذلك الوقت له, وتلبي حاجاته وحاجاتك معاً. وليس ضرورياً ان تنظمي ل1لك وقتاً محدداً بالذات, فساعة من الوقت المجدي اكثر فائدة من بقائك في البيت يوماً كاملاً, لكن في غرفة مستقلة عنه. وقد تمكثين في البيت طوال الوقت من دون ان تمنحيه الانتباه الكامل الذي يلزمه. في النهاية, انت مسؤولة عن تنظيم مواعيدك وتركيز انتباهك بحيث تلبين حاجاته.
ومن المفيد ان تحددي يومياً جزءاً من الوقت لولدك. وأن تكرسيه للأنشطة التي تروق له, كتحضير الطعام, ومواعيد وجباته وما شاكل ذلك. استخدمي هذا الوقت للكلام عن مشكلاتكما وشواغلكما الشخصية وأحداث النهار. (ولكن احذري من ان تثقليه بمشكلات الراشدين, فليس على الاولاد ان يتحملوا قلقك).
اشملي برعايتك النمو والتغير: عندما يكون ولدك وليداً, قد يصعب عليك تخليه كبيراً, مع ان هدفك الرئيسي كأم, هو رعاية نموه بالتشجيع والتوجيه, والدعم. انه يعتمد عليك في تقديم الطعام, والحماية والعناية الصحية التي يتطلبها جسمه للنمو, وفي اعطائه التوجيه الفكري والروحي الذي يلزمه للنضج الفردي. وعليك ان ترحبي بالتغير الذي يطرأ على ولدك وترعيه, عوضاً عن مقاومته.
ان توجيه نمو ولدك يتطلب مقداراً كبيراً من انضباطك وانضباطه. وكلما زادت استقلالية ولدك, احتاج الى قواعد ارشادية لاستمرار نموه وتصويب ما يقوم به. وعليك انت ان تزوديه بقواعد ملائمة لكل مرحلة من مراحل نموه, مع تكييفها كلما تغير ولدك, بحيث تشجعه على النمو بدلاً من ان تكتبه.
تقليص الاحباط وتعزيز النجاح: النجاح وسيلة من الوسائل التي تجعل ولدك ينمي تقديره لذاته. تبدأ هذه العملية في سرير الطفل عندما يقوم بمحاولاته الاولى للتواصل معك ولاستخدام جسده. وحالما يحقق اهدافه ويحظى بالتجاوب, يرضى ويتشوق لمواجهة تحديات أكبر. أما اذا حصل العكس وتجاهلنا جهوده وقطعنا عليه درب النجاح, فاننا قد نخذله ونجعله يكف عن المحاولة. فيتراجع او يصبح غاضباً او اكثر احباطاً.
وبصفتك اما عليك ان تضعي ولدك امام تحديات تساعده على اكتشاف قدراته, وتحقيق نجاحات متعددة, مع مراعاة وقايته من التعرض لعقبات او مهام قد تؤدي الى سلسلة من الاحباطات او الخيبات في الوقت عينه.
لكن هذا لا يعني ان تنوبي عنه بتأدية العمل او تمنعينه من اداء مهام تعلمين انها تشكل تحدياً له. ان النجاح يفقد معناه ما لم يشتمل على بعض الجهد. لكن المزيد من الانهزام أمام التحديات التي تتعدى قدراته الحالية, يمكن ان يصيبه بالاحباط الذاتي, ويديم له صورة سلبية عن ذاته. والسر هو في تذليل التحديات لتصبح بمتناوله, شرط ان يمط نفسه قليلاً للوصول اليها. وعلى سبيل المثال, تستطيعين ان تجلبي له لعباً ملائمة لمستوي عمره, لا تكون سهلة عليه ولا صعبة. وحاولي ان يكون له رفاق منوعون, أكبر منه, وأصغر منه. اطلبي الى ولدك أن يساعدك في أعمال المنزل كلما كبر, ولكن لا تتوقعي منه اكثر مما يستطيع ان يقوم به فعلياً.
علميه اساليب المواجهة: لا يمكن تجنب شيء من خيبة الامل وبعض الاخفاق, وهكذا على ولدك أن يتعلم طرقاً ايجابية لمواجهة الغضب والنزاعات والاحباط. وهناك الكثير مما يراه في الافلام وعلى التلفزيون يعلمه ان العنف هو اسلوب حل النزاعات, ويكون ميله الشخصي اما ان يثور واما ان ينسحب. وقد لا يستطيع ان يميز القضايا الهامة من القضايا غير الهامة. فهو يحتاج اليك كي تفرزي له تلك الرسائل, وتعينيه على ايجاد اساليب ايجابية بناءة للتعبير عن مشاعره السلبية.
ابدأي بمواجهة غضبك ومعاناتك بنضج, حتى يتعلم ولدك من المثل الصالح الذي تضربينه له. شجعيه على أن يأتي اليك ويطلب مساعدتك بشأن مشكلات لا يتمكن من حلها بنفسه, وأعينيه على فهمها والعمل لحلها. ضعي له حدوداً لا يتخطاها, بحيث يعي ان العنف أمر غير مسموح به, ولكن عرفيه في الوقت عينه بأن من الطبيعي أن يشعر المرء بالحزن والغضب والاذية والاحباط.
تعرفي المشكلات واطلب المساعدة عند اللزوم: ومع ان الامومة تمثل تحدياً كبيراً لك, فانها من الممكن ان تكون مجزية وممتعة أكثر من أي وجه اخر من وجوه حياتك. واذا نشأت أمامك مشكلات قد لا تستطعين حلها وحدك, فلا ينبغي ان تشعري بالاثم او ترتكبي بهذا الخصوص. فالعائلات السليمة نفسياً تقبل الوقاع وتجابه الصعوبات مجابهة مباشرة. كما انها تحترم علامات الخطر, وتبادر الى طلب المساعدة عند اللزوم.
وقد لا تحتاجين أحياناً الا الى صديقة او صديق. واذا كان سكنك قريباً من سكن اهلك او اقربائك, فهذا لحسن الحظ يوفر لك مصدراً للدعم. واذا لم يكن الامر كذلك, فقد تشعرين بالعزلة, الا اذا تمكنت من اقامة علاقات طيبة مع الجيران والاصدقاء وأهل الاولاد الاخرين. فهؤلاء يشكلون مصدراً قيماً للنصح والدعم. وفي وسعك استخدام هذا الدعم عندما تحتاجين اليه.
ومن وقت الى اخر, قد لا تحتاجين الى مساعدة خبراء بشأن أزمة معينمة او مشكلة مستمرة. وهنا يشكل طبيبك وطبيب أطفالك مصدراً للدعم والاحالة على سواهما من الاطباء, والمرشدين الاجتماعيين. ولا تتردي في استشارة طبيب أطفالك, لئلاً تتفاقم المشكلات وتؤثر تأثيراً سلبياً على صحة عائلتك. فطبيب أطفالك يجب أن يكون على دراية بتلك المشكلات, وهو مستعد لمساعدتك على حلها.
المصدر/ دليل مرجعي كامل في تربية الاطفال.
www.balagh.com
|