* وليم و.لامبرت وولاس إ.لامبرت
ـ المطاوعة الاجتماعية:
ركز معهد فِلْس Fels في أنتيوخ بولاية أوهايو الأمريكية، وهو رائد في البحث حول عملية التنشئة الاجتماعية، على الظروف التي يطيع الأطفال فيها أوامر واقتراحات الآخرين. وتتطلب استراتيجية المعهد فحص للضغوط المنزلية بشأن ضبط العدوانية والعصيان، وهو العامل الرابع الذي كشفت عنه دراسة الثقافات الست المذكورة أعلاه. وقد وضع الأطفال من أعمار مختلفة في دراسة معهد فِلْس تحت الملاحظة في المنزل والمدرسة، بحيث يمكن وضع ميولهم للمطاوعة في إطار سلوكهم الكلي.
وقد اكتشف باحثو معهد فلس أن الميل للمطاوعة يبدأ بصورة مشتتة إلى حد ما، ولكنها تثبت مع نضج الطفل. وبالتالي، فمن غير الممكن التنبؤ بما إذا كان طفل في الثالثة إلى الخامسة من العمر سيطيع أو سيقاوم في المدرسة من مجرد معرفة سياسة والديه بشأن المكافأة والعقوبة. ولكن من الممكن التنبؤ على أساس هذه المعرفة بالنسبة للأطفال الأكبر، كما أن المكافآت (كما نجد غالباً بالنسبة للخيوط الأخرى من عملية التنشئة الاجتماعية) تبدو أكثر فعالية من العقوبات في توليد المطاوعة.
ومع تقدم الأطفال في السن يتزايد ثبات سلوكهم المطاوع. فأطفال الحضانة متسقون إلى حد ما في طاعة البالغين في البيت والمدرسة، ولكنهم ليسوا كذلك مع الأنداد. لكن الاتساق في المطاوعة مع كل من الأنداد والبالغين يبرز أكثر عند الأطفال الأكبر سناً (ست أو سبع أو ثماني سنوات).
وتتغير المطاوعة في علاقتها بالسلوك العام للأطفال من السنوات الأولى إلى ما يليها لتتخذ موقعاً أكثر مركزية. فطفل الحضانة المدرسية المطاوع مع أنداده ينحو أيضاً بصفة عامة إلى أن يعتمد عليهم للمعونة الجسدية، والدعم العاطفي، والموافقة. ومع ذلك، فإنه ينحو في نفس الوقت إلى أن يكون عدوانياً أو غير ودي تجاههم. وفي المقابل، فإن الطفل الصغير المطاوع مع البالغين، والمستعد لتصرف من تلقاء ذاته، يتسم بقدر قليل من العدوانية والسيطرة. وباختصار، فعندما يكون الطفل صغيراً ترتبط الاعتمادية عنده مع المطاوعة مع الأنداد، لكنها لا ترتبط بالمطاوعة مع البالغين.
والتوافق مع البالغين أساسي للتوافق العام عند الأطفال الأكبر سناً. ففي سن السادسة إلى الثامنة لا يصبح الأطفال الطيعيون للبالغين بعد متسمين بصفة الاعتماد على النفس إلى حد ملفت للنظر. إن ما يبقى هو فارق ثابت في السيطرة والعدوانية، إذ يقل ظهور أي من هاتين الصفتين عند الأطفال المطاوعين عن ظهورهما لدى الأطفال غير المطاوعين. ويسلك كل طفل هنا بنفس الطريقة تجاه الأنداد والبالغين، سواء أكان ذلك في البيت أو في المدرسة. إذ أدت الضغوط العامة والخاصة، بالإضافة إلى نضجه هو ذاته، إلى ظهور نمط واضح ومتسق عند وصوله إلى سن الثامنة. وهو يصبح الآن إما شخصاً مسيطراً أو مستسلماً. ولكن لا تبدو أن لهاتين السمتين أية علاقة بعد بالمشاركة الاجتماعية أو الاستقلالية. فقد أدت التنشئة الاجتماعية والنضج إلى سلوك أكثر اتساقاً بخصوص المطاوعة، لكن المطاوعة لا تبدو بعد الآن متصلة بالسمات الأخرى كما كان الحال من قبل.
ويبدو أن المطاوعة الاجتماعية كأحد جوانب عملية التنشئة الاجتماعية تستلزم عملية تعلم طويلة المدى. فالأطفال يكوّنون عادات المطاوعة نتيجة لأنواع المكافآت والعقوبات التي يستخدمها الوالدان، أو لنماذج السلوك التي يقدمانها. وتعمم عادات السلوك الطيع هذه في وقت مبكر إلى البالغين الآخرين الذين يشرفون على الأطفال في دور الحضانة، وتصبح في النهاية السمة المميزة لسلوكهم مع الأقران. ويمكننا القول أن السلوك الطيع هو حالة خاصة من التعليم الأدوي (العملية التي تتكون فيها العادات من خلال العلاقة الزمنية بين حدوثها والمكافآت والعقوبات). وأن هذه العملية تدار من قبل أشخاص آخرين مهنيين ومتنوعين، ولا سيما الوالدين.
ولا يكشف لنا هذا المثال ما إذا كان هؤلاء الأطفال الأمريكيون أكثر أو أقل مطاوعة (أو سيطرة وعدوانية) عن الأطفال من الثقافات الأخرى ـ فذلك يتطلب خطة بحث أكثر تعقيداً. وكذلك، فإننا لم نستبعد إمكانية أن تكون المطاوعة أو السيطرة راجعتين إلى المكونات الوراثية. إذ ربما تحدد الوراثة مسار نمو الطفل، أو قد تؤدي به إلى السلوك بطريقة قد تجعل والديه يحاولان التحكم في نموه بالمكافآت أو العقوبات من أجل راحتهم الشخصية أو من جراء حساسيتهم تجاه المعايير الاجتماعية. ويتطلب استبعاد هذه الإمكانية من حسابنا معرفة بعلم الوراثة أكثر مما هو متاح لنا الآن.
كذلك فإننا لم نستبعد تفسيرات أخرى. إذ ربما يقول الملمون بالمصطلحات الفرويدية إن نمو مثل هذا النمط السلوكي المتسق من الحضانة إلى المدرسة يقع عندما يستدمج الطفل قيم أحد الوالدين في طريقه للتوحد مع الوالد الآخر من الجنس المضاد (مما يؤدي إلى حل عقدة أوديب أو إلكترا). وقد يشير آخرون إلى القدر الأكبر من الاتساق في ضغوط الوالدين على الأطفال الأكبر سناً، مدعين أن سلوكهم الأكثر اتساقاً إنما يعكس فقط هذا الضغط المكثف بالمنزل، بالإضافة إلى الضغط المتزايد في المواقف العامة للأطفال الأكبر سناً باتجاه قيامهم بأدوار تتطلب السيطرة المتسقة (كأن يكون في وضع القيادة) أو المطاوعة المتسقة (كأن يكون تابعاً). وهكذا فمع تقدم الأطفال في السن يتغير سلوكهم ويتمايز من خلال استجابتهم باتجاه هذه الضغوط المباشرة. ومن الواضح أن التفسيرات المتاحة لعملية التنشئة الاجتماعية عديدة ومثمرة.
|