|
* سلوى يوسف المؤيد
يحتاج الأبناء من آبائهم أن يضعوا لهم الحدود المطلوب منهم عدم تجاوزها في سلوكهم اليومي، أي بمعنى آخر أن يجعل هؤلاء الآباء إرادة أطفالهم خاضعة لإرادتهم، لا ضعفاً وذلاً، وإنما انسجاماً وتآلفاً، حتى يسود الاحترام والحب والسلام علاقة هؤلاء الآباء بأبنائهم.
ترى، ماذا يحدث عندما لا نفعل ذلك؟ الجواب يكمن في رسالة هذه الأم التي أرسلتها إلى خبير تربوي بعد أن اكتسح ابنها إرادة والديه، وأصبح كالمارد الصغير، لا أحد قادر على إيقافه، وتطويع إرادته وهو يثير الفوضى والإزعاج في حياة أسرته. تقول الأم في رسالتها:
ـ كنت ولا أزال أتمنى قبل أي شيء آخر في الحياة أن يكون لي أسرة سعيدة، لكنني حرمت من هذه النعمة بسبب ابني الصغير، فأنا لدي ثلاثة أبناء، ابن في العاشرة من عمره، وابنة لا تزيد عن خمس سنوات، وهذا الابن البالغ من العمر ثلاث سنوات، المشاجرات بينهم لا تنقطع بسبب ابني الأصغر، وزوجي لا يكف عن الصراخ عليه لما يسببه من مشاكل في البيت، حتى أنا لا أستطيع الصبر على سوء سلوكه فأثور عليه، وأحياناً أجلس فوقه لكي أمنعه من ضرب أخته، مدرسته دائمة الشكوى منه، لأنه يتسبب في الكثير من المشاكل في باص المدرسة، كما أنه بالاضافة إلى ذلك يستخدم ألفاظاً بذيئة مع مدرسيه وأصدقائه وإخوته، ولا يمر يوم دون أن يكسر فيه شيئاً، فهو قد تعود أن يكسر النوافذ منذ أن كان طفلاً، حتى إنه كسر زجاج نافذة النوم لكي يدخل البيت لأن الباب كان مقفلاً، وهو يصر أيضاً على الكتابة بخط سيئ، ويكره أداء واجباته رغم ذكائه الشديد، كما أنه مندفع ومزاجي الطبع، ومع أنه قوي الجسم طويل القامة إلا أنه نادراً ما يقوم بأي عمل إيجابي، كسول ولا يمل من مشاهدة التلفزيون، كما أننا متضايقون من الطعام غير الصحي الذي يصر على أكله وتشجعه عليه والدتي التي تقيم بجوارنا، والتي تعودت أن تدلله حتى أفسدته، أعلم أن ثوراتنا الدائمة اليومية عليه تسيء إليه كثيراً، إلا أننا بدأنا نشعر باليأس من إصلاح سلوكه، خصوصاً أنه أصبح أكبر سناً وأكثر ضخامة، لكنه لم يعقل بعد، لقد وصل الأمر بوالده إلى حد أنه أصبح يرفض أن يأخذه إلى أي مكان، لأنه يخجل من تصرفاته، كما أنه أخذ يهدده في المدة الأخيرة بأنه سوف يضعه في ملجأ للأطفال اللقطاء، إلا أنني أرفض هذا الأسلوب في معاملة ابني لأنه بحاجة إلى أن يتعلم كيف يتصرف مع الآخرين، لا أن نشعره بأنه أصبح منبوذاً من الجميع.
طلب الخبير التربوي مقابلة الأم، وعندما جاءت، عقد معها جلسة طويلة حاول من خلالها أن يوضح لها خطأين أساسيين ارتكباه هي وزوجها في تربية ابنهما.
كان أول خطأ ارتكبه هذان الوالدان أنهما لم يخطوا الخطوة الأولى لتشكيل ارادة ابنهما، بأن يخضعاه لحدود يلتزم بها، وهو يتعامل مع المجتمع المحيط به، رغم أنه كان يتوسل إليهما بتصرفاته السيئة التي يتمادى في ممارستها لكي يتقدما، ويساعداه على وضع هذه الارادة في صورتها الصحيحة، إن ما يخيف نفسية الطفل هو إحساسه أنه سيد نفسه وهو في سن العاشرة، غير قادر على أن يحصل على شخص بالغ قوي يستحق إعجابه واحترامه.
كما أن من الواضح أن هذا الطفل كان وهو يسيء معاملة إخوته ومعلميه ووالديه يبحث عن ذلك الشخص القوي الذي سيوقفه عند حده، وكأنه يصرخ بسوء سلوكه قائلاً:
ـ ألا تلاحظون أنني أفعل كل شيء بطريقة خاطئة، ألا يوجد بينكم شخص يحبني إلى درجة تدفعه إلى الاهتمام بي، ألا يوجد بينكم أحد يساعدني، إنني أكرهكم، لأنكم تهملوني، وأكره كل العالم حولي.
أما الأم، فإنها بدلاً من أن تقف بصورة حازمة في مواجهة تصرفات طفلها السيئة، أصابها التوتر والإحباط، وعالجت الموقف بصورة سلبية، مثل صراخها على ابنها وجلوسها عليه لكي تمنع إساءته لإخوته، كما أنها تصفه بالاندفاع والمزاجية، وأن جدته أفسدته بتدليلها، وأنهما يسيئان إليه بثورتهما الدائمة عليه.
إذن، كانت أداة هذه الأم لتسيطر على تصرفات ولدها السلبية هي الشكوى والصراخ عليه، لم تستخدم طريقة واحدة مؤثرة، بدل هذه العواطف الهائجة، وتكرار كلماتها اليائسة حول عدم قدرتها هي وزوجها على وضع حد لتصرفات ابنهما السيئة، مما يجعلنا ندرك عدم وجد شخص قوي يقود سفينة الأسرة، التي تسير على غير هدى في غياب هذا القائد الذي يملك السلطة ويقرر القرارات ويسير بسفينة أسرته إلى المياه الآمنة.
أما الخطأ الثاني الذي أوضحه الخبير التربوي للأم، فإنه يتلخص في مهاجمتهما شخصية ابنهما وتحقيرها وهما يواجهان تصرفاته السلبية.
فهاهو ذا الأب يقول لطفله إنه لن يأخذه معه إلى أي مكان إلا إذا تصرف بصورة عاقلة، لا كالحيوان الهائج لأنه يخجل منه، ولا يريد أن يعلم أحد أنه ابنه، وأنه سيتخلص منه بإلقائه في بيت للقطاء إذا تمادى في سوء سلوكه، ومع كل هجوم من الأبوين على شخصية ابنهما، كانت ثقة الابن في نفسه تهبط درجة، فهل أتى ذلك التحقير لشخصه بنتيجة إيجابية واحدة؟ هل أصبح ابنهما أكثر تعاوناً ولطفاً؟.
كلا، بل بالعكس فقد تحطمت روح هذا الطفل المعنوية، وازدادت ثورته لكي تتحول إلى عواصف بركانية يعبر بها عن غضبه، ومع الأسف سوف يوجه هذا الطفل كرهه لشخصه في المستقبل إلى الانتقام من أشخاص آخرين أبرياء من خارج نطاق عائلته.
إن الأولى بهذين الوالدين تطويع إرادة طفلهما بأن يضعا الحدود التي يفرضان على ابنهما الالتزام بها وعدم تجاوزها، والابتعاد عن تحقير شخصيته وهما ينتقدان سلوكه السلبي، وإظهار مشاعر الحب له والقبول به كما هو، لكي يساعداه على التخلص من تصرفاته السيئة، وسيصبح بذلك طفلاً هادئاً سعيداً راغباً في تطوير سلوكه، وهو الهدف الذي يسعى إليه الآباء في تربية أبنائهم.
|