دبلوماسية البيت

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الإفراط في تحمل الابن المسؤولية ..لماذا؟

قد يكون الابن الأكبر أو الأشطر هو الأب الروحي لأخوته فيتحمل مسؤوليتهم بدافع الواجب ، إنه لا ينشأ مضحياً هكذا ولكن الأسرة هي التي تبث فيه هذا الشعور دون أن يعوا أنهم هكذا يظلمونه .
أحياناً لا يقوى هذا الابن على معارضة أهله ومعاندتهم، ليصبح ومن دون تكليف رسمي ملزما دائما بأعباء الأسرة على حساب أموره الخاصة وحتى أحلامه المستقبلية، وكأن قدره الغرق في العمل وحمل الهموم ليستفيد من عمله أشقاؤه الذين يتقاعدون عن المسؤولية لا مبالين، ما دام غيرهم يقوم بها بحجة أنهم غير قادرين على القيام بما يقوم به الأخ الشاطر أو المتفاني.
تؤكد " سهى هاشم " اختصاصية علم الاجتماع "أن الخلل في توزيع المسؤوليات بين الأولاد يبدأ من الوالدين، وليس ضروريا كما يتبادر إلى الأذهان أن يكون العبء منوطا بالابن البكر فقط، إذ نلاحظ أحيانا أن هذا الابن يحصل على امتيازات أكثر مما يلزم بواجبات، وتحديدا في المجتمع الشرقي".
أما عن سبب اعتماد الأم على من يبدي استعدادا للمساعدة من دون تذمر أو شكوى، على أساس انه الابن الشاطر، فتقول " سهى هاشم " - حسب ما ورد بجريدة الشرق الأوسط : "الأم هي الأكثر حاجة إلى المساعدة، لذا تجد في الابن القادر على تحمل المسؤولية منقذا وداعما، وتتجه إليه تلقائيا. والأمر ليس بالضرورة سيئاً، فالصداقة التي تنشأ بين الاثنين تصبح وثيقة ومريحة لهما مع الوقت، لاسيما إذا لم تقترن بسلوك استغلالي أو باستقواء من طرف على آخر". لكن الوضع قد يتحول حساسا عندما نجد الابن (أو الابنة) مكلفا على الدوام بالذهاب إلى الدكان لشراء ما تحتاجه العائلة في حين ينصرف أخوته إلى ألعابهم أو يجلسون أمام شاشة التلفزيون ويتابعون برنامجهم المفضل. كما نلاحظ أن الابنة التي تتبرع برعاية شقيقها (أو شقيقتها)، الصغير في غياب الأهل تصبح مع الوقت ملزمة بهذه المهمة وعليها التوفيق بين تأديتها ومراجعة دروسها. والفتاة التي تشعر بتعب والدتها وتسارع إلى مساعدتها في الأعمال المنزلية، لا تملك بعد ذلك إعلان رفضها أو تخليها عن وظيفتها الجديدة. وتقول إحدى الفتيات أن أمها لم تكن تنادي سواها إذا احتاجت إلى مساعدة، وكأن شقيقاتها الباقيات "بنات الست" وهي وحدها "ابنة الجارية" أو سندريللا، لكن من دون أمير سيحضر لإنقاذها.
ويرى "وليد طراف" أستاذ علم النفس، أن هذا الإحساس ينطلق من عقدة الاضطهاد التي "تسود بعض الأسر، وهي عقدة لا تكون حقيقية في كل الأحوال. فالأهل يتصرفون من دون خلفية، لكن التباين هو في طبع الأولاد وتنوع شخصياتهم. ولأن مجتمعنا الشرقي لا يولي أهمية للأحوال النفسية لأفراده، قد يتأزم الولد من تراكم سلوكيات معينة، ولا يجد طريقة للإعلان عن احتجاجه، فيتحول غضبه إلى شعور بالاضطهاد، تكفي كلمة لطيفة في حينه لإزالته. وتجدر الإشارة إلى أن المجتمع الشرقي يعتبر الولد قاصرا وتابعا لأهله ولا يحق له الاعتراض على تصرف معين من أهله حياله. لذا ينصاع علنا ويراكم عقده سرا".
وسرعان ما يفرض هذا الوضع واقعا جديدا في يوميات الأسرة. وبعد حين يصبح بديهيا الطلب إليه تنفيذ كل كبيرة وصغيرة، بحيث يصل إلى مرحلة يشعر معها بالاضطهاد والظلم ويتضخم إحساسه بأنه مستغل ويتم التعامل معه على أنه استثمار، وكأن دوره هو العطاء فقط. فيعاني من كونه صاحب واجب لا صاحب حقوق أسوة ببقية أفراد العائلة. وإذا قصّر في العطاء قد ينال لوما أو توبيخا أو عقابا عاطفيا في صغره وكبره. صحيح أن هذا الضغط يبلور كفاءته ويمنحه قدرة على انجاز ما يوكل إليه من مهمات ببراعة وسرعة وإتقان، لكن الصحيح أيضا أن الآخرين يعتادون عليه في هذا المستوى من الأداء، يحولونه إلى كائن اقرب إلى الكمال ولا يسمح له بضعف بشري وإلا كان الشعور بالذنب من نصيبه. تصادر إرادته لتصبح الطلبات أوامر مموهة، يستحيل عليه رفضها. وما يزيد من هذه المعاناة الصامتة في معظم العائلات التي تعيش هذا الوضع أن تحمل المسؤولية من قبل احد الأبناء يعني لمن حوله انه يقوم بواجباته لا أكثر ولا اقل، ونادرا ما يسمع كلمة شكر أو ثناء لما يقدمه، إلا في حالات إظهاره بعض التبرم وذلك لإعادة شحنه وتجديد توريطه.
وقد لا يقتصر الأمر على ابتزاز الابن الشاطر بالكلام المعسول ورفع المعنويات، إذ غالبا ما تترافق هذه الظاهرة مع أخرى أخطر، وهي الغيرة من شطارته، ولا تكون النتيجة محاولة للتنافس معه وتقديم الجهد العملي لإزاحته من موقعه، إنما يصار إلى تسخيف ما يقوم به أو حتى اتهامه بأنه يسلب الآخرين دورهم ويدخل انفه في ما لا يعنيه أو يدعي مثالية أو يعتقد انه الأقدر على تقديم نصيحة أو معلومة، مستثمرا مكانته بهدف إرضاء حبه للسيطرة والاستحواذ على تقدير والديه واحترامهما.
ويعتبر " طراف " "أن الأهل الواقعين أصلا تحت وطأة ظروف حياتية ضاغطة قد يسيئون التصرف، فيعتبرون أن ما يبذله الولد هو تحصيل حاصل، لا لزوم لإطرائه أو تشجيعه أو حتى الاهتمام به انطلاقا من انه قوي وصلب، فيهملونه مقابل الاهتمام بالأخوة غير المسئولين، الذين يحصلون على أكبر نسبة من التشجيع لقاء أتفه الأمور. وذلك في سعي لتحسين قدراتهم وحثهم على مزيد من التقدم، وتحديدا في مسيرتهم المدرسية، فلا يوكلون إليهم أي مهمة ويمهدون لهم الأجواء حتى يتمكنوا من الدرس بهدوء وتركيز".
وغالبا ما تنعكس تداعيات هذا الوضع مع تعاقب السنوات. الابن يكبر وتكبر معه مسؤولياته، إذ لا تعود مقتصرة على الطلبات الصغيرة، إنما يدخل حاملا نصيبه من المسؤولية إلى العالم الحقيقي. فيجد نفسه مرغما على تقديم العون المادي لجميع أفراد الأسرة وغالبا ما يناط به تولي حالات الطوارئ والقيام بالمهمات الصعبة التي يتهرب منها باقي أفراد العائلة. وتترافق هذه الوتيرة مع كل ما يحيط بها من تبعات، ليصبح الاستغلال الأخوي أكبر والغيرة أشد واللامبالاة مدموغة بالأنانية. وقد تؤدي هذه التبعات إلى أزمات نفسية واجتماعية معقدة يصعب التعامل معها، سواء من جهة الأهل الذين يقعون حينها في مطب التمييز بين الأبناء أو لجهة الأبناء أنفسهم الذين تتخذ علاقاتهم منحى عدائيا في السر وعاديا في العلن.
وتزيد هذه الحالة حدة، إلا أن نتائجها تختلف باختلاف شخصية الابن. فإذا كان انفعاليا متطرفا قد يعبر إلى المقلب الآخر في سلوكه وبعد التزام اعمي بعائلته وتفان لا حدود له، يصل إلى حافة الانفجار، فيجنح إلى الثورة على نفسه في الدرجة الأولى لاعتقاده انه احد المساهمين في ما وصل إليه، وعلى من حوله بعد ذلك، ضاربا بعرض الحائط النسب وصلة الرحم. وقد يقرر الاستقالة نهائيا من أي شكل من أشكال المسؤولية العائلية، ليغرق في أنانية مفرطة حاملا شعار: "أنا ومن بعدي الطوفان".
أما في غالب الأحيان، وتحديدا لدى الأبناء الذين يفتقدون إلى شخصية قوية، ويخافون المواجهة، نجد أن شعورهم بالظلم لا يغير واقعهم، فيكملون ما هم عليه، لكن مع كبت عنيف لاحتجاجهم وعجزهم عن التحرر. وغالبا ما تقودهم هذه الحالة إلى عجز في مجالات حياتية أخرى، فيرافقهم الشعور بالضعف في زواجهم وحيال أولادهم، كذلك تنعكس على ميدان العمل، فنجد أنهم لا يملكون الجرأة للمطالبة بحقوقهم، ويقتنعون بأنهم مضطهدون ومعذبون، ولا يتوصلون إلى إشباع نفسي وعاطفي. ويبقى الاحتمال الثالث لواقع إرهاق الابن بالمسؤولية لمصلحة بقية أفراد العائلة، وهو التعامل مع الأمر بالتي هي أحسن.
وهذا الحل ينتهجه في اغلب الأحيان الأشخاص المتوازنون، الذين يملكون أسلوبا للتفاهم وتوضيح الأمور من دون إثارة الحساسيات، بحيث يتوصلون إلى صيغة معقولة، تفهم الآخرين حدودهم وتقطع عليهم الطريق لمزيد من الاستغلال، مع المحافظة على الالتزام بالأسرة والقيام بمسؤولياتهم على أحسن وجه، لكن ليس على حساب مسؤولياتهم تجاه أنفسهم.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com