دبلوماسية البيت

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

أزمة الزوجية وتهديد مستقبل الأُسرة
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

احسان الأمين
الف ـ عوامل الأزمة :
اختلفت الاُمم والشعوب منذ القِدَم في أشكال الزواج وشرائطه ، إلاّ أ نّها تكاد تتّفق في أ نّه الوضع السوي الطبيعي لكل من الرجل والمرأة ، فالزواج يختلف عن غيره من صور العلاقة الجنسية ، بأ نّه يتمّ في أوضاع خاصّة وحدود معيّنة ترتضيها شريعة المجتمع وتقرّها تقاليده .()
أمّا العلاقات الجنسية غير المشروعة ، فهي لا تلتزم بأيّة شروط ولا حدود ، وإنّما تتمّ بحسب هوى ورغبة كل جانب ، وبالشكل الذي يرتضونه ، خصوصاً بعد ما سُمِّي بـ «التحرير الجنسي» و «إطلاق الحريات الجنسية» .
ولم تحرم الشرائع الإلهية الانسان من حقِّه في ممارسة الجنس ، ولم تُحدِّد حرِّيته إلاّ عندما تضرّ حرِّيته تلك بنفسه وبالآخرين، والزواج ما هو إلاّ شكل مسؤول ومنضبط ومنظّم من أشكال العلاقة الجنسية، تحفظ من خلاله سلامة الزوجين أوّلاً ، وحقوقهما ، وسلامة وحقوق الأولاد الذين ينتجون من هذه العلاقة ، ليكون انتسابهم محفوظاً ونفقتهم مضمونة وإعدادهم وتربيتهم سليمة، إذ غالباً ما تكون العلاقات غير المشروعة جناية على الأولاد ـ  فضلاً عن النفس  ـ الّذين يولدون دون جو عائلي يضمّهم ويوفِّر لهم الأمان والاطمئنان .
وقد دلّت الكثير من الدراسات على أنّ الأولاد الذين لا ينشأون في أجواء أسريّة حميمة يكونون أكثر عرضة للعصاب وغيره من الأمراض النفسية ، وأكثر استعداداً للجريمة ، والانحرافات الجنسية .()
ومن أكثر الأزمات التي جاء بها الغرب خطورة ، هي تهديده للحياة الزوجية ، سواء من داخلها بتفريغها من محتواها وزعزعة أمنها واستقرارها ، وبالتالي فقدانها لأهم معطياتها، أو المخاطر الخارجية التي تهدِّد مستقبل الحياة الأسرية، وذلك بالعزوف عن الزواج والميل للحياة الفردية، وفي ذلك تهديد لمستقبل النوع الانساني بقاءً وسلامة، حيث أنّ الزواج هو الأسلوب السليم لإنجاب الأولاد ولاستقرار الانسان روحياً وجسدياً .
ففي أميركا ، «ربع الزيجات تنتهي بالطلاق ، والشيء الرائع أنّ كبش الفداء هذه المرّة ليس الرجل بل المرأة» () .
ويمكن تشخيص أهم أسباب الأزمة الزوجية بما يلي :
أوّلاً  ـ العامل السيكولوجي :
وهو ينتج عن التغيّر الذي يطرأ على شخصية المرأة ، عندما تريد أن تلعب دور الرجل ، فتضمر الصفات الأنثوية فيها لتعيش في الجزء الخلفي (المذكّر) من شخصيتها ، ممّا يسـبِّب لها آلاماً نفسـية . ويتأثّر عقل المرأة حين تتولّى القيام بعمل الرجل بذكوريّتها الخفيّة بطريقة لا تلاحظها على نفسها ، لكن هذا التأثير يكون واضحاً لكل شخص في محيطها ... وهو ما قد يجعلها «تغدو هوىً شيطانياً يثير الرجال ويثير فيهم الاشـمئزاز ، وتلحق أكبر الأذى بالمرأة نفسها ، عن طريق خنق السحر والمعنى في أنوثتها تدريجياً وتسوقها إلى المؤخّرة . من الطبيعي أن ينتهي مثل هذا التطوّر إلى انفصال سيكولوجي عميق : باختصار ، إلى عصاب» () .
هذا التحوّل السـيكولوجي في شـخصيتها نحو «الرجولة» يُسبِّب لها أكثر من مشكلة ، فهو يحول «دون وصول المقاربات إلى شعورها .. قد تصبح باردة جنسياً ، كدفاع في وجه النموذج الجنسي المذكّر الذي يتطابق مع نموذجها العقلي المذكّر» .
وما يجري على المرأة في الغرب ، يجري على الرجل أيضاً ، فـ «الحياة اليومية حولنا تضجّ بالرجال (الذين يشبهون الإناث) ، وبالنساء (اللّواتي يشبهن الرجال) ، فمَن يقوم بالدور الفاعل في هذه الأسرة أو تلك ؟ المرأة ؟ الرجل ؟ مَن هو (القوي) ؟ ومن هو الضعيف ؟ وإذا أصغينا إلى الأصوات دون أن نرى الوجوه ، كم مرّة لا يقول فيها المرء أيّها السيِّد لإمرأة ، وسيِّدتي لرجل ؟ » () .
ولذا فقد حلّت «المثلية» محل الزواج .
و «قد نظنّ للوهلة الاُولى أنّ مثل هذا الرجل وهذه المرأة خليقان بأن يحقِّقا (الزواج الكامل) . في الواقع ليس الأمر هكذا ، على العكس ، سرعان ما يبدأ النزاع بينهما .
إنّ ما تريد أن تفعله المرأة ـ  باتجاهها الذكوري  ـ بعد أن اكتشفت الثقة بنفسها ، ليس بالأمر الذي يبعث على سرور الرجل ، بينما لا ترتاح المرأة إلى المشاعر ـ  الأنثوية  ـ التي اكتشفها الرجل في نفسه .
إنّ ما اكتشفه كلاهما في نفسه ليس فضيلة أو شيئاً ذا قيمة جوهرية ، بل هو عيب بالمقارنة ، وقد نشجبه لو كان ثمرة لاختيار أو مزاج شخصي .
ذكورة المرأة وأنوثة الرجل عيبان فيهما ، ومن المؤسف أن تلوّث قيمة شخصيّتهما بشيء قليل الأهمية» () .
من الجدير ذكره أنّ إحدى الدراسات التي اُجريت على خمسة آلاف زوج ، بيّنت بوضوح أنّ الأزواج يرتاحون للصفات الجسمية السلبية المضادّة لأحدهما في الآخر . وأنّ سعادة الأزواج المتضادّين في الصفات أكثر من غيرهم .
حيث وجد أنّ النسـاء النحيفات يرتحن للرجال البدينين ، فيما ينسجم الرجال النحيفون مع النساء البدينات ـ  نسبياً  ـ  .
فإذا كانت هذه الحالة في الصفات الجسمية الظاهرة ، فإنّها قد تكون أكثر وضوحاً في الصـفات النفسـية التي يبحث فيها الرجل الصاخب عن واحـة هادئة يستفيء بظلالها .
ثانياً  ـ تغيّر مفهوم الزوجية :
تتجه المرأة نحو الرجل بدافع الحبّ والبحث عن الاستقرار معه بالزواج ، فإنّ النسوة «لا يشتهين خوض مغامرات جنسية ـ  لا يعتقد ذلك إلاّ غبيّ  ـ  ، بل أن يتزوّجن ...
والزواج في نظر ـ  المرأة  ـ ليس مؤسّسة أبداً ، بل علاقة حب إنسانية» .
والرجل كذلك يؤمن بالزواج «لأ نّه يحبّ الراحـة ـ  السكون  ـ ويؤمن عاطفياً بالمؤسسات التي تميل دائماً إلى أن تصبح في نظره ، موضوعات يحيطها بمشاعره» .
و «في نظر الرجل العادي ، الحبّ بمعناه الحقيقي يتّفق مع مؤسّسة الزواج» () .
لكن الوضع تغيّر الآن ، مع تغيّرات المجتمع الغربي ، عمّا سبق ، فالمرأة بدأت تفهم الحبّ على أ نّه الجنس ، وبالتالي ، فإنّ عدم الزواج ربّما يوفِّر لها فرصاً «للحبّ» أكثر ممّا لو أطّرت نفسها به .
خصوصاً أنّ حبوب منع الحمل ، والحالة النفسية الكسولة والضاجرة للإنسان الحديث ، وتهرّبه من تحمّل مسؤولية الأولاد ، قد جعلت الأمر ـ  العلاقة مع الجنس الآخر  ـ أشبه بالنزهة الليلية ، يقضي كلّ وطره مع الآخر ، ثمّ يفترقان دون أعباء ولا تكاليف .
والرجل كذلك ، بدا له الزواج قيداً زائداً ، لا يتناسب مع كثرة مشاغله ، وتعدّد مسؤولياته ، كما إنّ شبح «الزيجات الفاشلة» يلاحقه ، فضلاً عن أ نّه بدأ ينظر للمرأة كجسد ، لا كروح ، كشريك فراش ، لا رفيق درب وحياة ، وبالتالي فإنّ النظرة النفعية القائمة على أساس اللّذّة ، والسائدة في عقول الرجال ، تؤثِّر بدورها على فكرة الرجل عن الزواج ورؤيته لعلاقته مع «المرأة» .. المرأة الجسد لا الانسان .
فـ «الانسان الحديث لا يجد في الزواج غير إشكالية كُبرى» () .
وهذا الفهم السطحي ، هو جزء من نظرة كلِّية حاكمة على حياة الرجل والمرأة ، على السواء ، نظرة إلى الحياة ، ونظرة إلى الانسان ، ونظرة إلى الجنس الآخر .
فإذا كانت الحياة مُتعة ، والإنسان أيامه تنقضي بسرعة وعليه أن يلتذّ بها أكثر ما أمكن ، والانسان الآخر لا يعني للإنسان شيئاً إذا لم تربط بينهما المصالح أو تؤلِّف شملهما المنافع ، وإذا كانت المرأة خُلِقَت «ملهاة للرجل» كما يقول روسو ، فمن الطبيعي بمكان أن يفقد الزواج معناه ، لأنّ فيه تعهّداً والتزاماً ، وأعباء وتكاليف قد تعيق حركة الانسان المنتفع والمندفع نحو اللّذّة .
وقد يجد الانسان في ذلك إرضاءً لغرائزه ، وإشباعاً لحاجاته الجسدية ، وقد يستمتع هنا وهناك، مع ذي وتلك، ليقضي سويعات من الارضاء الجسدي .. لكن القلب سيبقى قلباً متقلِّباً ولا يستقرّ له حال، ولا يشعر بالسكون والاطمئنان إلاّ في ظلِّ الأسرة .
ثالثاً  ـ التسيّب الجنسي :
في عام 1953 م ، ظهر كتاب عن السلوك الجنسي عند المرأة ، للدكتور الفرد س . كنيزي ، مدير أبحاث الجنس بجامعة أندرانا ، وممّا جاء فيه :
«68 %  ممّن دون الثلاثين أقاموا علاقات جنسية قبل الزواج ، 70 % كانت لهم ـ  أحياناً  ـ علاقات مع العاهرات ، 40 % من المتزوِّجين عاشوا مغامرات «عاطفية» خارج نطاق الزواج» () .
وأعتقد أنّ هذه الأرقام باتت قديمة ، والمجتمع الغربي بشكل عام والأميركي على الخصوص ، يشهد اليوم قمّـة التسيّب الجنسي وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه الأسرة .
وأبرز حالات التسيّب هو العلاقات الجنسية لكل من الزوجين مع أناس آخرين جنباً إلى جنب حياتهما الزوجية ، وهو يشمل نسبة عالية من الأزواج ، وهو ممّا يجعل من الزواج مجرّد «خدعة» ، أو قناع يستتر خلفه وجه ملبّد بالآثام .
ولسبب أو آخر ، فإنّ المرأة هي التي تتحطّم على قلبها أسطورة «الحبّ المقدّس» ، وتجنّ جنون غيرتها عندما تجد لزوجها شيئاً من العلاقات مع نساء أخريات .
إذ «تشعر المرأة هذه الأيام ألاّ وجود لأمن حقيقي في الزواج ، إذ ما معنى إخلاص زوجها عندما تعلم أنّ مشـاعره وأفكاره تجري خلف نساء أخريات ، وأ نّه أجـبن من أن يركض وراءهنّ ... ثمّ ما معنى إخلاصها هي عندما تعلم أ نّها لا تلتزمه إلاّ لاستغلال حقّها الشرعي في التملّك ، وتضليل روحها ؟ .. إنّ هذه خطوات تفضي إلى أحطِّ المستويات البشرية ، وتنتهي أخيراً إلى مستوى الهاوية لو تركها المرء تذهب من تميّزه الشخصي» () .
فالزواج ، وقبل كل شيء ، هو عملية اتحاد روحي ، يتزاوج فيه الروحان قبل أن يتلاقح فيه الجسدان ، لأنّ روح الرجل وروح المرأة قد خُلقتا من «نفس واحدة» ، وبالتالي فإنّ الزواج هو بمـثابة معراج لهاتين الروحين المضطربتين والمنفصلتين ، ليجتمعا ويكوِّنا نفساً مستقرّة واحدة ، تنعم بالرحمة وتدوم بالمودّة .
(ومِن آياتِهِ أن خَلَقَ لَكُم مِن أنفسِكُم أزواجاً لِتَسكُنوا إليها وجَعلَ بينكُم مَودّةً ورَحمةً إنَّ في ذلِكَ لآيات لِقَوْم يَتَفَكَّرون ). ( الروم / 21)
أمّا عندما يكون الزواج لقاء أجساد خاوية ، تجتمع بليل وتتفرّق في نهار ، فإنّ هذا البناء الهاوي لا يستقرّ على حال ، فهو لم يُشيّد ابتداءً على أساس متين ، بل قام على أساس منافع ومصالح قد تتفق اليوم وتختلف غداً .
لهذه الأسباب وغيرها ، فإنّ مستقبل الزواج وتشكيل الأسرة في الغرب ، وكذا مجتمعات الحداثة التي تسير على نهجه ، مُهدّد بالخطر ، وبالتالي فإنّ تغييراً خطيراً سينال البنية الاجتماعية للعالم ، وبدأت بوادر هذا التغيير في بعض المجتمعات الغربية التي اتجهت إلى العائلة الأحادية الإدارة ، تتكوّن من أبناء وأم ، أو أبناء وأب ، أو «الأسر» المثلية ، نساءً أو رجالاً ، وارتفاع نسبة الذين يعيشون لوحدهم بشكل كبير يصل إلى 60 %  من أفراد المجـتمع ، الذين يفضِّلون حياة الوحدة على حياة الأسرة ، وهذه بدايات تنذر بتشكّل مجتمعات جديدة بمفاهيم وأخلاق مستحدثة، أو قل بمعايير وأصول اجتماعية مبتدعة .
بلاغ كوم

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com