د.احسان الأمين
1 ـ النظرة الدونيّة :
وفي الشرق لا زالت الكثير من شعوبه أسيرة النظرات الموروثة للمرأة على أ نّها مخلوقة من مستوىً أدنى من الرجل ، فهي ـ في نظر البعض ـ قد خُلِقَت من فضلات خلق الرجل ، أو من قدمه ، أو من ضلع أعوج ، وهي مصدر العار للعائلة أو القبيلة ... لذا فإنّ الشؤم كان من المرأة وفي المرأة لا غيرها !!
وتواجه المرأة نظرات البؤس منذ اللّحظات الاُولى لولادتها ، فما أن يعلم الأهل أنّ الوليد بنت ، حتّى تكفهرّ وجوه وتشمئزّ أخرى ، وينقل الخبر بخجل أو استحياء ، فيما يعزِّي البعض الوالد بالدعاء له بأن يُرزق بمولود ذكر في الولادة القادمة ..
وتبقى هذه النظرات المنكسرة ، الغاضبة حيناً والمشفقة حيناً آخر تلاحق المرأة ; بنتاً صغيرة أو امرأة كبيرة تصاحبها أحاسيس من القلق والاضطراب والخوف والوجل، ويعيش والد البنات مُثقلاً بالهموم، فلا «همّ كهمِّ البنات»، كما في الأمثال التي يتناولونها، يواجهه الناس بالأسى والرثاء لحاله ..
وأمّا أمّ البـنات ، فهي مصـدر شـؤم لا بركة فيها إذا لم تُنجِب طفلاً ذكراً ، وهي المسؤولة عن بناتها ، والسبب في قدومهنّ ، أمّا الذّكر فيُنسَب إلى أبيه ..
وتلك النظرات لا زالت تتوارث، وقد نجد آثارها عند بعض «المثقّفين» أو «أدعياء العلم» ، لأنّ الثقافة لم تنفذ إلى أعماقهم ، والعلم طارئ عليهم لم يتمكّن بعد منهم .
فلازالت النظرة إلى المرأة في الكثير من المجتمعات الشرقية على أ نّها «ناقصة العقل» لا تعي ولا تفهم ، ولا تولّى من أمرها شيئاً ، فهي يجب أن تكون دوماً في حاجة إلى الرجل ، وتُعطى «العين الحمراء» لكي تمشي باستواء ، ولا تمدّ عينها لغيرها .
لا زال بعض اليابانيين ينتظرون من زوجاتهم أن يركعنَ لهم ، والهنود أن يسجدنَ لهم ، والعـرب أن يكنّ من حريمهم وخدمهم ، وبعض الأفـارقة يتعاملون مع المرأة وكأنّها قطعة من أثاث المنزل أو بعض من موروثاته .
ويحتاج استقصاء أفكار وآثار هذه النظرة الدونية إلى بحث مستقل ، وهو بحث مهم ومفيد، لأنّ الكثير منّا قد يتصرّف مع النساء متأثراً بهذه الأفكار الخلفية والمسبقة دون أن يعلم ، وقد تحوّلت هذه الأفكار إلى رؤىً وأقوال وحكم وأمثال شعبية تلقي بعبئها على الكثـير من تراثنا وفكرنا وفقهنا وسلوكنا الاجـتماعي وعاداتنا الدينية والدنيوية .
ولا نبالغ إذا قلنا : أنّ من النادر أن نجد أثراً فكرياً أو سلوكاً اجتماعياً يتعلّق بالمرأة ، ويمكن أن يكون مجرّداً ومستقلاًّ وموضوعياً بشكل تام ، دون أن يتأثّر بهذه الموروثات التي نشأنا عليها منذ الصِّغر ، وشكّلت عند الكثيرين عقيدة ومبادئ دينية وحياتية .
وفي تراثنا الديني نجد الكثير من الأحاديث الموضوعة التي تحطّ من شأن المرأة وتجعل منها مصدراً للعار والشنار ومدعاة للشؤم ومجلبة لسوء الحظ ، حتى تجعل «أكثر أهل النار من النساء» .. !!
وهذه النظرة الدونية إلى المرأة ، سواء كانت تصدر عن احتقار وازدراء لها ، أو خوف وشفقة عليها ، من أكثر ما يؤلم المرأة ويعيق حركتها ونهضتها في المجتمع ، لأ نّه يتعارَض من جهة مع شعورها الانساني الرفيع وكرامتها السامية التي كرَّمها الله بها ، ويسدّ من جهة ثانية أمامها أبواب الترقِّي وفرص التعلّم والعمل ، ويعرِّضها لأصناف من التمييز المجحف وألوان من الحرمان الظالم .
2 ـ استغلال المرأة اقتصادياً :
لا تتمتّع المرأة ـ وكذا الرجل ـ في الكثير من دول الشرق بالتأمين الاجتماعي ، والذي باتَ حقّاً طبيعياً في دول العالم المتقدِّمة ، وكان في الاسلام حقّاً طبيعياً قبل 1400 عام ، ولذا فإنّ النساء اللاّتي ليس لهنّ مُعيل بسبب موت الأب ، أو الزّوج ، أو مرضهما أو عجزهما، أو غير ذلك من الأسباب التي تجعل النساء في احتياج دائم ، ولا تؤمِّن لهنّ الدولة ما يكفيهنّ لسدِّ حاجتهنّ والعيش بكرامـة ، إنّ هؤلاء النسوة ليس أمامهنّ إلاّ العمل بظروف غير مناسبة وأجور زهيدة ، أو الزواج تحت شروط قاسية .
كما إنّ ظاهرة سوق الخدم ، وتعرّض ملايين الفتيات لظروف قاهرة من الهجرة وفراق الأهل وظروف العمل الصعبة والمضايقات النفسية والجنسية، من نتائج الظروف الاقتصادية الصعبة وعدم توفّر الحماية اللاّزمة للمرأة .
ولأنّ كثيراً من النساء العاملات بسبب ظروف اقتصادية قاهرة ، يقمن في نفس الوقت بأعمال البيت وشؤون الأولاد ، فإنّهنّ غالباً ما يبحثنَ عن أعمال بسيطة وغير رسمية ، كالأعمال المنزلية والبيع في الشوارع والخدمة في الإدارات والبيوت ، وبأجور قليلة وظروف عمل محدودة تؤمِّن احتياجاتهنّ المؤقّتة دون تأمين حـياتي ومورد اقتصادي ثابت ومطمئن () .
وتسبِّب هذه الأوضاع المعيشية القلقة والمضطربة الكثير من المشاكل النفسـية والجسدية للمرأة ، بسبب عدم الاسـتقرار وعدم الاطمئنان النفسي لاستمرار المورد الاقتصادي من جهة ، وبسبب الظروف البيئية والاجتماعية المختلفة التي تتعرّض لها من جهة أخرى ، وهو ما يجعلها عرضة للقلق والأمراض والمخاطر .
وإذا ما تعرّضت المرأة بسبب هذه الظروف لأي طارئ يمنعها من العمل كالمرض أو البطالة ، فإنّها تفقد موردها الحياتي الوحيد ، ولا تنال أي تعويض مالي ولا تستمتع بتأمين اجتماعي يجعلها وعائلتها وأولادها في مأمن من الهزّات الحياتية ، ولذا غالباً ما يسود هذه العوائل هاجس مُخيف كلّما فقدت الأم أو الأخت عملها أو كلّما مرضت لأي سبب من الأسباب ، ونجد في كثير من البلاد الشرقية ملايين الأيتام الذين يُعانون الويلات والجوع والمرض في حياتهم لفقد آبائهم وأمّهاتهم بسبب ظروف العمل أو مخاطر الحياة المختلفة .
وتتطلّب هذه الأوضاع تكثيف الدعوات والجهود من قِبَل الحكومات والهيئات الاجتماعية لتوفير الضمان الصحِّي والتأمين الاجتماعي للنساء ، بحيث أ نّهنّ لو دخلن سوق العمل أو انشغلن بالأعمال المختلفة ، ينطلقنَ من مبدأ نفسي مطمئن ويخضعنَ لشروط اجتماعية سليمة ومناسبة .
ولاستغلال المرأة اقتصادياً صور مختلفة ، ومنها صورة الاستفادة الاقتصادية من تزويج البنات ، وهي صورة بشعة موجودة لدى الكثير من القبائل وفي المناطق الريفية لمناطف مختلفة من العالم الثالث ، حيث يأخذ أب أو وليّ البنت أو أمّها مبلغاً مالياً ضخماً ـ عادة ـ مُقابل الموافقة على زواج البنت ، وغالباً ما يؤدِّي هذا النوع من التزويج إلى تحوّل البنت إلى بيت زوجها وهي أشبه ما تكون بالجارية أو الخادمة التي بيعَت وقُبض ثمنها .
3 ـ الاستغلال الجنسي للمرأة :
كما سبقت الإشارة إليه ، فإنّ كثيراً من النساء في العالم الثالث ، وبسبب ظروف اقتصادية قاهرة ، وعدم توفّر التأمين الاجتماعي ، يلجأن إلى الزواج دون رغبة ومن رجال غير مناسبين في كثير من الأحيان ، وربّما يخضعنَ تحت عنوان الزّواج أو غيره للاستغلال والابتزاز الجنسي البشع ، دون توفير أدنى شرائط الزوجية وفي أوضاع مُذلّة ومُخزية أحياناً .
وأرقى هذه الأوضاع ، ظاهرة تعدّد الزوجات ، والتي ربّما كان لها ما يُبرِّرها ضمن ظروف وشرائط معيّنة ، ولكن أن تُتّخذ هذه كوسيلة لاستغلال حاجة بعض النساء المادية وإشباع الرغبات الجنسية الجامحة لبعض الرجال دون توفّر الرغبة المتقابلة والشرائط المتكافئة للزوجية ، فهذا أمر غير مقبول وله آثاره السيئة على المرأة وأولادها والمجتمع ، وأسوأ ذلك في بعض الحالات التي يقضي فيها الرجال وطرهم ضمن مدّة معيّنة ، بالزواج الدائم أو المنقطع ، ثمّ يتركون المرأة تقضي بقيّة حياتها مُطلّقة تعيش الوحدة والفاقة ، أو تمتهن هذا الوضع لتنتقل من شخص لآخر في حالة مُزرية لا تليق بالشأن الانساني ، ولا يرضاه أي إنسان لنفسه أو لغيره .
ولا بدّ هنا من التأكيد على أهمية تسجيل عقد الزواج ، لغرض حفظ حقوق المرأة وضمان مستقبل الأولاد ـ إن وُجِدوا ـ .
كما لا بدّ من الإشـارة إلى أنّ كثيراً من النساء تعرّضن وبسـبب هذا النـوع من الاستغلال الشرعي وغير الشرعي ، إلى الإصابة بمرض الإيدز ، وإكمال حياتهنّ في أسى ومُعاناة حتى الموت المسرع إليهنّ بسـبب تمكين أنفسهنّ ـ بدوافع اقتصادية وغيرها ـ لرجال شهوانيين نقلوا إليهنّ المرض، وأحياناً مع علم الرجل بالمرض ولكن عدم إعلامه لزوجته أو خليلته، بسبب عمى الجنس وفقدان الروح الانسانية والأخلاقية، خصوصاً أنّ في الكثير من بلدان العالم الثالث يوجبون على الزوجة العفّة والوفاء في الزوجية ويتشدّدون عليها ، في الوقت الذي يغضّون فيه النظر عن الرجال الذين تكون لهم نزواتهم الخاصّة في السفر والحضر ، وسرعان ما ينقلون المرض الذي استقبلوه إلى زوجاتهم المسكينات أو رفيقاتهم الأخريات .()
ولذا كانت نسبة المصابات من النساء أكثر من الرجال ، وكنّ معرّضات للخطر أكثر من غيرهنّ ، وكمثال على ذلك ، المغرب الذي أشارت تقارير خطيرة إلى إصابة 25 % من نسـائه بمرض الإيدز (1994 م) ، وأنّ أكثر الضحايا كنّ من النساء المستضعفات ، مادياً أو معرفياً ، حيث كانت 69 % منهنّ عاطلات عن العمل و 57 % منهنّ أمِّيات .()
وقد توقّعت منظمة الصحّة العالمية أن يصل عدد المصابات بالإيدز أواخر سنة 2000 إلى عشرة ملايين امرأة ، كما أنّ الدراسات تؤكِّد أنّ الاختلاط الجنسي هو العامل الرئيس وراء الابتلاء بهذا المرض ، ولا يمكن معالجة ذلك إلاّ بتقويم السلوك الجنسي للأفراد بالتعفّف والوفاء المتقابل ـ عبر العلاقات الجنسية المشروعة والسليمة ـ وكذلك استعمال الواقي ، وقد لوحظ في الدراسات أنّ التعليم والتثقيف الجنسي في المدارس لم يؤدِّ إلى الوقوع في الأخطاء والممارسة الجنسية المبكِّرة والانحراف الخلقي ، وإنّما ساهم في توقِّي الأخطاء المهلكة وإلى أن يكون سلوك الطلّاب أكثر مسؤولية .
ومن أسوأ أنواع الاستغلال الجنسي للمرأة هو ما يُسمّى بتجارة الرقيق الأبيض وإشاعة الزِّنا والفحشاء ، وقد لوحظَ أنّ كثيراً من نساء العالم الثالث ومع كل مخاطر التلوّث بالأمراض القاتلة، يَقدِمْنَ ـ بسبب سوء أوضاعهنّ المعيشية ـ على بيع أنفسهنّ .
ولا يمكن مقابلة هذا الوضع إلاّ بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للنساء ، وإيجاد فرص متكافئة في التعليم والعمل ، ووضع القوانين اللّازمة لمنع العنف مع النساء وإيقاف استغلالهنّ .()
وفي قصّة مشهورة سجّلت مبيعات كبيرة تحت عنوان «ولد من أهالي كابيرا» للكاتب الأوغندي داود سبوكيما ( Davis Sebukima ) ، حكاية راع يقول بحقِّ ابنته بنتي كانت سبب غِناي . وهي تُصوِّر واقع غالب الريف في أفريقيا ، حيث يبيع الناس بناتهم عند زواجهنّ بأعلى قيمة ممكنة .
وفي الهند ، نجد صورة مُعاكسة ، ولكنّها تؤدِّي أيضاً إلى الاستغلال الجنسي للمرأة ، ففي عام 1961 م ، صدر في الهند قانون ألغى بموجبه (الدوطة) ، ونصّ على عقوبة تصل إلى ستة أشهر سجن لمن يطلبها أو يقبلها ، والدوطة : هي هِبَة مالية يدفعها والد العروس للشاب الذي يتزوّج ابنته .. إذ في الهند وخلافاً لجميع بلدان العالم ، فإنّ أهل العروس هم الذين يدفعون مهراً للزوج بدلاً من أن يأخذوا منه ، وهو ما يُسبِّب آلاماً كبيرة ومشاكل لا تنتهي للمرأة الهندية ، ومنها الاستغلال الجنسي لها .
ففي عام 1964 ـ 1965 ، أشارت الجـرائد إلى أنّ مئات البنات انتحرنَ لأنّ آباءهنّ لا يستطيعون دفع (دوطة) لهنّ .. وكثيراً ما تتزوّج الفتاة الفقيرة رجلاً مسنّاً يكتفي بدوطة ضئيلة أو لا يطلبها قط .
و «يستطيع الشـاب الوسيم الذي تلقّى قدراً من التعليم أن يسمح لنفسه بالمطالبة بدوطة كبيرة ، وكثيراً ما يقترض الآباء مالاً يزوِّجون به بناتهم ، ثمّ يسدِّدون دَينهم على مدى خمس أو عشر سنوات ...» () .
ويؤدِّي هذا التقليد الجائر إلى أن تكون المرأة سلعة بلا ثمن ، تُعرَض على هذا وذاك مجّاناً مع المكافأة ، لأ نّه سـيخلِّص العائلة من إثم يلحق بها ، فهم يعتقدون أ نّه ( كلّما طمثت الفتاة ، ارتكب والدها أو ولاة أمرها فعلة شنعاء تتلخّص في قتل جنين) .
ولا غرابة أن تشـير بعض الاحصائيات إلى أنّ سـتمائة وعشر نسـاء قُتِلْنَ بعد زواجهنّ بفترة قصيرة للحصول على مهر جديد من زوجة ثانية .
ولا غرابة أن تتعرّض المرأة التي تُساق بهذه الصورة إلى بيت زوجها ، أن تسجد له وتتوسّل إليه ، وأن يستغلّها الرجل أبشع استغلال .
ولا زالت العادة مستمرّة في الهند حتى في بعض الأوساط المثقّفة التي حلّت النفعية محل المبدئية عندهم ، وطالما أنّ الزواج بهذه الصورة مصدر ربح ومنفعة .()
4 ـ الحرمان من فرص الحياة :
ـ الأعباء الحياتية :
أثبت الوجدان والواقع العالمي المعاصر ، بروز عدد كبير من الشخصيات النسائية العالمية اللّواتي حقّقنَ منجزات عظيمة في مجالات مختلفة من العلم والأدب والسياسة والاجتماع، وساهمن بفعالية في نهضة شعوبهنّ ورقي الشعوب الأخرى والحركة العالمية عموماً نحو الصّلح والسّلام .
واستطاعت مدام ماري كوري (1867 ـ 1934 م) أن تحصل على جائزتي نوبل : الاُولى للفيزياء (1903 م) ، والاُخرى للكيمياء (1911 م) ، ومثلها كثير من النساء الاُخريات اللّواتي كان لهنّ دور علميّ أو اجتماعيّ أو سياسيّ بارز .
إلاّ أنّ من المؤسـف له أنّ كثيراً من دول العالم الثالـث لا زالت تُعاني من تفشِّي الأميّة ، حيث أنّ نسبة النساء من الأميّات في هذه البلاد هي ـ عادة ـ ضعف نسبة الذكور ، وذلك لعدم إعـطاء الاهتمام الكافي لتعليم البنات واللاّتي يُحرمنَ غالباً لانشغالهنّ بأعمال الزراعة والشؤون البيتية التي يُعفى منها الأولاد الذكور ليذهبوا إلى المدارس .
ويُفضّل الرجال عادة في تولِّي فرص العمل والمناصب الإدارية ، وبسبب الأميّة وعدم التعليم ونقص الثقافة ، فإنّ النساء غالباً ما إذا اشـتغلنَ فإنّهنّ يقمنَ بالأعمال الدُّنيا والصّعبة وبأجور زهيدة .
وهذا الوضع المتردِّي من قلّة التعليم وسوء أوضاع العمل يسدّ أمام المرأة أبواب الرّقي ، ويحرمها من كثير من فرص الحياة ، كما لا يعطيها أ يّة فرصة لاستثمار طاقاتها الذاتيـة من ذكاء وفن وقدرات متنـوِّعة وهبها الله تعالى لها ، في نفس الوقت الذي يجعلها بسبب جهلها وظروف عملها عرضة للأمراض والأعراض الحياتية الصعبة والمشاكل البيئية والاجتماعية .
وإذا كانت في الحياة هنا وهناك فرص للسعادة والتمتّع بنعم الله تعالى والرّقي في سلّم العلم والعمل ، فهي من مختصّات الرجـال ، والذين بدورهم يسـتغلّونها لزيادة نفوذهم في المجتمع وبسط قوّتهم على مساحة أكبر من النساء ليعشنَ في ظلِّهم كخدم ورعيّة .
ولذا كان من النادر في كثير من مجتمعات العالم الثالث أن نجد نساءً ذات قدرة مالية أو في مناصب إدارية عالية ، فضلاً عن قلّة نسبة العالمات أو الأديبات فيهنّ .
وطبيعيّ أنّ لكل قاعدة اسـتثناء ، ولا يشمل هذا بعض الدول المتقدِّمة نسبياً ، ولكن مع ذلك فإنّ نسبة النساء في حقول التعليم ومجالات الإبداع المختلفة لا زالت نسبة متواضعة لا تتناسب مع عددهنّ وطاقاتهنّ .
تقوم خلفيّة الانسان الشرقي في نظرته للمرأة ومعياره لشخصيّتها ، على أساس مقدار الخدمة التي تؤدِّيها في المنزل ، وتفنّنها في تقديم الخدمات المتنوِّعة ، من أنواع الغذاء ، وأساليب فرش البيت ، وطرق خدمة الرجل ، ابتداءً من استقباله وتهيئة وسائل راحته ... وحتّى غرفة نومه .
ومن ثمّ ، كما يصف أحد الكتّاب ، فإنّ تصوّر الشرقي للمرأة النموذجية أ نّها خدّامة ممتازة () .
وإذا ما أراد أن يذكر أحدهم زوجته بخير ، ونادراً ما يذكرها بذلك ، فإنّه يقول أ نّها : تعمل من الصبح إلى اللّيل ... أوّل شخص يستيقظ من النوم ، وآخر شخص يذهب إلى النوم .
وتمتد هذه النظرات لتخلق توقّعات ومتطلّبات كبيرة وثقيلة من المرأة ، وتتحمّل المرأة أشدّ اللّوم وأقصى التقريع ، وربّما أقسى العقوبات إذا ما تخلّفت أو أخفقت ، وحتى إذا أخطأت واشتبهت في تأدية «واجباتها» المزعومة .
ولعلّ الكثير من حالات الطّلاق تعود إلى أنّ الرجل لم يجد ما كان يتصوّره ويأمله في المرأة ، أو لأنّ المرأة لم تعد تتحمّل جحيم العيش مع الرجل الذي يأكل ولا يشبع ، ويُخدَم ولا يخدِم ، ويتنعّم ولا يشكر .
وللرجل أن يرتاح ويسافر ويتنعّم بنعم الحياة المختلفة بكدِّ يمينه ، أمّا المرأة فهي خُلِقَت لخدمة الرجل «وراحتها من راحته» .
وخلافاً للغـرب ـ حيث أنّ النساء يسعدنَ أكثر من الرجال ـ ، فإنّ النساء في الشرق يقضينَ أيامهنّ في كدٍّ وتعب ومرض وشقاء ، ليكون الموت لهنّ سعادةً وانعتاقاً من المشاكل والآلام .
ولذا تقضي حـياتها في بيت الزوجـية بصمت وذل ، وتُحـرَم بذلك من كثـير من حقوقها الانسانية والاجتماعية .
أمّا الرجل الذي نمت جثّته على حساب جثّة زوجته ، فإنّه سرعان ما ينسى أيامه مع زوجته «الفقيدة» ، ليُجدِّد الفراش مع ضحيّة أخرى ألجأها إليه حرمانها وشقاؤها وحاجتها ويأسها من الحياة وتحت وابل من الضغط النفسي والاجتماعي .
5 ـ الضغوط والعقد النفسية :
تواجه البنت أوّل ولادتها وجوهاً عبوسة مكفهرّة ، ذلك أنّ الأهل كانوا ينتظرون الولد المبارك ، وها قد أتت البنت المشؤومة وهي تحمل معها العار والشنار .
«فولادة الذّكر تثير مشاعر البهجة وتنتشر بسرعة وتُستقبَل بالزغاريد ، أمّا الأنثى فتسمع كلمات الأسف والأمل والتمنِّي بمجيء الذكر بعدئذ ...» () .
ويُكنّى الرجل باسم ابنه ، ولو كُنِّيَ باسم بنته البِكر فإذا ما ولد له ذكر ، تُغيّر كنيته فوراً باسم الولد الذكر .
وتواجه البنت عقدة الحقارة في كل نظرة ينظر لها الأب ، فهي مقرونة بالأسى والتأسّف .. وفي أحسن الأحوال بالشفقة لهذه المسكينة التي لا يعلم أحد ماذا يخبئ لها الدهر .
وفي الوقت الذي يتلقّى الأهل الولد بالأحضان ، يُقبِّلونه ويلاعبونه ، فإنّ البنت هي التي يجب أن تتودّد وتظهر إنكسارها لأبيها حتى يحنّ لها قلبه ويشفق عليها بنظرة أو ابتسامة أو قبلة خجولة .
ويُربّى الولد وينشأ على أساس أ نّه وليّ العهد ، وأ نّه الذي يتولّى أمور البيت في غياب أبيه ومن بعده ، في نفس الوقت الذي تُربّى فيه البنت على أن تكون في كنف أخيها ، تطيعه وتظهر له الاحترام .
وتنشأ البنت ضعيفة مقهورة مطأطأة الرأس محرومة من كثير من متع الحياة كاللّعب في الأزقّة وممارسة الرياضة والفروسية ، والحضور في المجالس والأندية الاجتماعية ... وحتى حضور الصلاة ، بل حتى زيارة القبور ، في الوقت الذي يُربّى الولد على رفع الرأس وتنمية الشهامة والشجاعة فيه وعلى الظهور بمظهر اجتماعي لائق .
وفي الوقت الذي يحقّ للولد أن يتفرّس في وجوه النساء ليختار زوجة له ، وأن يجهر برغبته في الزواج وأن يقبل أو يرفض مَن يشاء ، وأن يحبّ ويُغازل ، بل حتى أن يسهو ويخطأ لأ نّه في سنّ الشباب .
في نفس الوقت يتحتّم على المرأة أن تحبس أنفاسها وأن تقتل رغبتها وأن تتجرّد من ميولها ، وأن لا تبدي رأياً يخالف أهلها ، فالصّلاح ما اختاره والداها ، فسكوتها من رضاها ، وأمّا النطق فهو دليل طيشها وهواها ، فالكلمة لأبيها ، وهي لا تزيد على كلمته حرفاً .
وتُساق العروس إلى بيت زوجها مشحونة بكلماتِ وداع أبدية ، فهي من لباس العرس الأبيض إلى لباس الكفن الأبيض ، ومن «المهد إلى اللّحد» ، وعليها أن تعيش مع زوجها مهما كان وعلى أي حال ، وأن لا تفكِّر بالعودة إلى بيتها .
وكثيراً ما عاشت نساء مع رجال مجرمين ومدمنين على المخدّرات ، وعتاة وظالمين ، وتحمّلن أنواع الأذى دون أن يفكِّرن بترك هؤلاء ، وسبّبن بذلك دمار حياتهنّ وحياة أبنائهنّ ، لأنّ العرف والأهل يجبراهنّ على العيش مع أزواجهنّ مهما كانوا .
وقد تضطرّ المرأة لمسخ شخصيتها وتقمّص شخصية الرجل حتى تستطيع التعايش معه والاستمرار في حياتها .
وفي بيت الزوجية ، يُلاحق شبح زواج الرجل من امرأة أخرى أو معاشرته لها خـيالها ليل نهار ، كلّما تأخّر الرجل خارج المنزل أو كلّما سها عنها ، لأنّ الرجال أحرار في أن يتزوّجوا ما شاؤوا ، وغلطتهم تُغتفَر ، في الوقت الذي لا يغسل عار المرأة إلاّ دمها .
ويسـتعمل الرجال عادة سلاح الزواج بأخرى لتهديد المـرأة و «تأديبها» ، كلّما «شذّت» عن الطريق فقصّرت في «واجباتها» أو طالبت بحقوقها و «تجاوزت حدّها» !! وهو ما يجعل المرأة تعيش دوماً في قلق مستمرٍّ وهوس دائم .
ولأنّ الرجال لا ينعمون بالديمقراطية في مجتمعاتهم ويتعرّضون للاستبداد المستمر من حكّامهم وحكوماتهم ، وهم يعانون من كبت الحريات ومصادرة الحقوق ، فإنّهم يعوِّضون أنفسهم في ممارسة حكومتهم في دولتهم المصغّرة «العائلة» ، فيطلقون لأنفسهم العنان للصراخ بأعلى أصواتهم وإصدار الأوامر دون قيد أو شرط وممارسة الاستبداد المطلق على رؤوس نسائهم وأولادهم .
وبالتالي نجد ظاهرة «الحصر» سائدة في معظم الاُسر ، والكآبة متفشية في كثير من النساء .
ولا تقف القضـية عند الممارسـات اليومية ، فالجنس من حق الرجال ، والمرأة تستسلم للرجل دون أن يكون لها حق الاستمتاع والمطالبة بالإشباع ، لأنّ في ذلك مساساً برجولة «الرجل» ومسّاً بكرامته .
والمرأة توصي زوجها بالزواج من أخرى عند وفاتها ، ولكن ينكر على المرأة أن تفكِّر في زوج آخر بعد وفاة زوجها ، وربّما ـ كما في الهند ـ عليها أن ترحل معه ، فترمي بنفسها فوق جثّته وسط النار المشـتعلة ، لتخدمه في الآخرة كما خدمته في الدنيا ... !!
وهكذا تواجه المرأة : الحقارة والكآبة واليأس منذ ولادتها حتى وفاتها ، بمختلف الأشكال الصريحة والمخفيّة وراء ستر من الأعراف والتقاليد الموروثة و «المقدّسة» أحياناً .
6 ـ مشكلات الحداثة :
انتقلت الحداثة وتنتقل بسرعة إلى معظم بلاد العالم الثالث ، وللحداثة أوضاعها ومتطلّباتها الخاصة ، فحياة المدن الكبرى وأجواء العمل الصناعية تختلف عن الأجواء الريفية والحياة الزراعية .
ولا تقف آثار الحداثة على التكنولوجيا ووسائل النقل والاتصال ، وإنّما امتدّت بآثارها إلى أساليب الحياة وأنماط العيش وأشكال التعامل ، وحملت الموجة معها أيضاً تغييرات في الحياة الفردية والاجتماعية وحتى بناء الأسرة ودور المرأة وتربية الأطفال .
ولأنّ انتقال المجتمعات الغربية إلى حالة الحداثة كان تدريجياً ، أو أ نّه تمّ لعشرات من السنين مضت ، فإنّ الكثير من أزمات وإرهاصات هذا التحوّل والانتقال قد مرّ بها الغرب سابقاً ، ويعيش الآن ثلاثة أجيال من الناس برؤية متقاربة وواقع مشترك ، فإنّ الأسرة في الغرب قد لا تواجه ـ من هذه الجهة ، لا من جهات أخرى ـ تناقضاً كبيراً أو صراعاً داخلياً بين الآباء والأبناء ، أو بين البيت والمجتمع .
أمّا في دول العالم الثالث ، وشرقنا على الخصوص ، فإنّ موجات الحداثة وصلتها للتوّ ، وهي تحدث هزّات ، وأحياناً زلازل تعصف بالواقع الفردي والكيان الاجتماعي للأسرة والمجتمع ، وهي بارتجاجاتها قد تجعل طبقات المجتمع تصطك بعضها ببعض ، وربّما تتعاكس اتجاهاتها وتتضارب آراؤها بمقدار تمسّكها بمواقعها السابقة وتأثّرها بالحركات والتغيّرات الجديدة والمستحدثة .
ولذا فقد يعيش الأب معتصماً بالتراث متمسِّكاً بالعادات والتقاليد القديمة ، فيما يعايش الإبن صرعات الحداثة ويتلبّس بموضات العصر ، وهنا يبدأ الجدل الذي لا ينتهي إلاّ بقبول أحدهما للآخر ، ولكن الابن لا يستطيع الحياة بأنماط بالية ، ولا الأب يقدر على نزع جلده ، وإنّما ينتهي الجدل عندما يتّفقان على التعايش ويشتركان في رؤية موحّدة على أساس احترام «الآخر» وحقّه في الحياة بالطريقة التي يشاؤها وبالكيفية التي تلائم ذوقه واتجاهه .
أمّا على صعيد المرأة ، فإنّ للمرأة في عصر الحداثة دوراً هامّاً في الحياة العامّة ، تشترك فيها راضية أو مُكرهة ، في العمل الاقتصادي أو الاجتماعي ، العلمي أو العملي ، لأنّ الحياة متحرِّكة بسرعة في هذه المجتمعات ولا يمكنها أن تنتظر مَن يريد الرقود أو الاستراحة .
فالمجتمع في نموّ اقتصادي وربّما صراع اقتصادي ينسحق فيه الفقراء أو يتخلّفون عن ركب الحضارة إذا ما لم ينهضوا ويجدّوا ويعملوا من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية وتأمين مستقبل آمن ومكانة اجتماعية مرموقة لهم ولأبنائهم .
والمرأة تكتسب العلم وتكتشف طاقاتها وتتعرّف إلى إمكاناتها وتتطلّع إلى العمل والإبداع الذي يعطيها معنىً في الوجود ، تخدم به مسيرة الانسانية وتُساهم في دفع عجلة العلم والتقدّم .
وتتواضع المعايير الذاتية في تقييم المرأة لتبرز معايير موضوعية جديدة تعتمد على الموقع العلمي أو النتاج العملي أو الدور الاجتماعي للمرأة ومدى مساهمتها الفعّالة في بناء نفسها ومجتمعها .
وتشعر المرأة غير المتعلِّمة أو غير العاملة بتخلّف وقصور عن ركب المجتمع ، ممّا يدفعها باستمرار إلى زيادة علمها وتنمية ثقافتها وتطوير مواهبها .
وفي ظلِّ هذه الأجواء التي تصرف فيها المرأة ـ إضافة إلى الرجل ـ قسماً كبيراً من وقتها اليومي في طلب العلم أو العمل أو المشاركة في النشاطات الاجتماعية والسياسية، يرجع الزوج والزوجة إلى البيت وهما منهكان متعبان ، فمَن يقوم بمهام البيت ، ومَن ينهض بأعباء الأولاد ؟
وهنا تبرز أزمة حقيقية حين يعيش الزوجان حياة الحداثة ، ولكن يفكِّران أو يفكِّر أحدهما بعقلية المجتمعات السابقة .
فإنّ التفكير السابق يقضي بأن تتكلّف المرأة بشؤون المنزل ، وأن تقدِّم لزوجها وأولادها سـائر أنواع الطعـام ، وأن تسـتقبل الضـيوف وترحِّب بأقارب زوجها وأصدقائه الذين قد يقدمون إلى العاصمة لمتابعة شؤونهم ، ليحلّوا عدّة أيام ضيوفاً على عائلة يركض الأب فيها وراء لقمة العيش ، وتنهمك الأم في تحصيلها الدراسي أو عملها الوظيفي أو شؤونها الاجتماعية .
وإذا ما كانت الأفكار والتوقّعات كالماضي، فإنّ على المرأة أن تعمل ضعف الرجل، وأن تواصل الجهد ليل نهار لتسدّ فراغ غيابها عن البيت نهاراً بالعمل في ساعات فراغها والاقتطاع من أوقات راحتها ، وهذا ما يؤدِّي بسرعة إلى إنهاكها ، ويؤثِّر بالتالي على أعصابها وضعف قوّة تحمّلها ، وعلى عدم توفّر الوقت والمزاج اللاّزم للسعادة مع زوجها ، وهو ما يدفع الكثير من الرجال إلى السّهر خارج البيت ، مع شلّة من الأصدقاء ، أو في الملاهي والنوادي برفقة بعض النساء الغاويات .
وإذا لم يؤدِّ هذا الوضع إلى انهيار البيت من الداخل ، فإنّه على الأقل يؤدِّي إلى انهيار المرأة والتعجيل بهرمها ، وهو ما يُلاحظ على كثير من النساء العاملات .
كما إنّ لهذه الأوضاع تأثيرها المباشر على الأولاد ، الذين قلّما يجدون الأبوين مجتمعين ، أو يحظون بفرصة ممتعة مع الأم وهي مرتاحة البال والخاطر والقوى ، وقد تتعامل الأم مع أولادها بضيق دون سعة صدر ، فتنعكس على صحّة الأولاد النفسية وحتى على نموّهم الجسدي .
وقد تكون بعض هذه الأعراض مشتركة مع الوضع في الغرب ، إلاّ أنّ توفّر وسائل الراحة ، وأجهزة الطّبخ السريعة والأكلات الجاهزة ودور الحضانة والمدارس المجهّزة ووسائل النقل السريعة ... وغير ذلك ، يجعل أمور الحياة أيسَر والمتطلّبات متوفِّرة ، وأوقات الفراغ أكثر ممّا هو عليه في الدول النامية .
وأهم من ذلك ، أنّ محدودية النسل وقلّة عدد الأولاد وتعاون الأبوين وقلّة توقّعات كل منهما من الآخر ، يقلِّل بشكل كبير من الأعمال المطلوبة لإدارة الأسرة وتربية الأطفال ، آخذين بعين الاعتبار أ نّهم لا ينتظرون من أولادهم ما نريده من أولادنا من حيث التربية والسلوك .
أمّا في الشرق ، فإنّ عدم توفّر وسائل الراحة ، وطول الوقت المستهلك في الذهاب والإياب، وحجم الأعمال المطلوبة لإدارة الاُسر الكبيرة، والخدمات المتوقّعة تجاه الزوج والأقارب والضيوف ، وعدم دخول التكنـولوجيا بشكل واسع في الحياة التفصيلية اليومية عبر الأجهزة وشركات الخدمات ... وغيرها ، تكاد تجعل من حياة المرأة ، وهي تتعلّم وتعمل وترجع لتدير البيت ، كابوساً ثقيلاً تنوء تحت أعبائه التي لا تنتهي إلاّ لتبدأ من جديد ، لذا كان لا بدّ من إعادة النظر بشكل جدِّي في تكوين الأسرة ومنهج عملها والأفكار الحاكمة والمسيِّرة لها في مجتمعات الحداثة والمدن الكُبرى ، لنأخذ الحياة بيسر ونعيشها بسهولة وحيوية ... ومن العوامل التي تساهم في ذلك :
1 ـ تعاون الزوج مع الزوجة في إدارة شؤون البيت وتربية الأطفال .
2 ـ تقليل توقّعات الزوج من زوجته ضمن الحدود الشرعية والواقعية ، «فالمؤمن لا يُكلِّف ولا يُكلَّف» .
3 ـ تنظيم النسل وتحديد الأطفال ، فإنّ «قلّة العيال أحد اليسارين» .
4 ـ وضع برنامج منظّم وصحيح لأعمال البيت وشؤون الأسرة فـ «التدبير نصف المعيشة» .
5 ـ عدم التكلّف في الطـعام والملبس ، والاعـتماد في أيام العمل على الوجـبات السريعة والجاهزة .
6 ـ الاستفادة من التكنولوجيا في تسهيل بعض الأعمال المنزلية كالطّبخ وغسل الملابس والصحون ... إلخ .
7 ـ تدريب الأولاد على القيام بشؤونهم والاعتماد على أنفسهم في الكثير من الأعمال .
8 ـ تحديد العلاقات ضمن الدائرة النافعة والواجبة للأسرة ، وعدم الاستهلاك في الدعوات والعلاقات الاجتماعية العامّة المستنفِدة للوقت والجهد والمال .
9 ـ انتخاب المرأة للعمل والوقت المناسب لظروفها العائلية .
10 ـ دعم الدولة والمجتمع وانبعاثهما لحلِّ مشاكل الأسر وتهيئة الأجواء المناسبة لتخفيف الأعباء عنهم ، كدور الحضانة ومجتمعات السكن المجهّزة بالخدمات الترفيهية القريبة وبمنتديات الأطفال ونوادي الشباب والجمعيات النسوية والأسواق ، وتوفير الحماية الأمنية اللاّزمة للعوائل والأطفال عند غياب الأبوين أو أحدهما ، وتحديث وسائل النقل ، والسّماح للنساء بالدراسة والعمل قريباً من السّكن ... وغير ذلك ممّا له الأثر الكبير في العيش بسلامة وأمان ورفاه وسعادة .
إنّ الكثير من المدن الشرقية الكبيرة ، ومنها بعض العواصم ، اتّسعت بشكل كبير ، وتعيش الحالة الصناعية والتجارية الحديثة ، ولكنّها تزاول الحياة بإمكانات بدائية ، حتى تكاد تكون كل منها أشبه بالقرية الكبيرة .
فلا الحـياة فيها كما في القرى الصغيرة الهادئة ، حيث العيـش فيها ممكن ومتيسِّر بأبسط الوسائل وأقلّ التكاليف ، ولا هي كما في المدن الصناعية والتجارية الكُبرى في الدول المتطـوِّرة ، حيث اتّسـعت فيها الخدمات وتطوّرت فيها الوسائل لتناسـب احتياجات الحـياة المعاصرة والتي توفِّر على الانسـان الكثـير من الجهد والوقت ، لتجعله يتحرّك بيسر ويحصل على متطلّباته بسهولة .
إنّ المشكلة تكون حينما نعيش نظامين متناقضين للحياة ، فنخسرهما معاً ، أمّا إذا ما تمّ تطوير كل منهما ليتجانسا ويتناسـقا ويتلابسا متكاملين ، فيمكن لنا أن نحافظ على أخلاق المجـتمع وكماله في نفس الوقت الذي نعيش فيه حياة الحاضر بحداثته وجماله .
بلاغ كوم
|