* هدى زريق
أن وضع المرأة في البلدان العربية هو ما دون وضع الرجل، وأن أعمال المرأة المنزلية لها قيمة اقتصادية غير معترف بها، وأن أعمال المرأة الاقتصادية السوقية تشكو من سوء تقدير، ولا تزال ذات مستوى متدن. والسؤال الآن يتمحور حول أي نظام اجتماعي يجب أن تنشده السياسات الإنمائية في البلدان العربية، للنهوض بوضع المرأة، وتشجيع عملها الاقتصادي خارج المنزل، متفادية أن تخلق تضارباً أو توتراً في الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية.
يعرض دايفيس للتغييرات التي قامت تاريخياً في النظم الاجتماعية في الغرب إجمالاً، والولايات المتحدة بخاصة، في محاولة منه لتفسير الوضع القائم حالياً بشأن عمل المرأة المتزوجة. ويلخص الأنماط التي مرت بها هذه النظم بثلاثة: النمط الأول، كان قائما قبل الثورة الصناعية وسماه دايفيس بنظام ((الاقتصاد المنزلي))، حيث تركز عمل الرجل والمرأة في المنزل والأرض الزراعية التابعة له. لقد كانا يعملان سوية في الزراعة وفي الأعمال المنزلية، وكان الرجل ملتصقاً بأرضه وبيته وعائلته. ثم جاءت الثورة الصناعية واقتلعت الرجل من محيطه خلال ساعات العمل، وحولت عمله إلى المؤسسات الصناعية البعيدة نسبياً عن عالم المنزل. وبقيت المرأة المتزوجة في معظم الحالات في البيت تنجب وترعى الأطفال والأولاد، وتقوم بالأعمال المنزلية. وأصبح الرجل هو صاحب الدخل في العائلة. ولم يعد للزوجة أو الأولاد أي سلطة على موارد العائلة. وقد سمى دايفيس هذا النمط بنظام ((المعيل)). وبدا هذا النظام طبيعياً، إذ إنه شمل ميزتين مهمتين من النظام السابق: سلطة الرجل على المرأة والأولاد التي تحولت إلى تحكم في دخل العائلة، وتخصص المرأة بل تكريس نفسها للأولاد ولرعايتهم. ومع تطور النظام الصناعي حصلت تغييرات ديمغرافية واجتماعية أدت إلى تدهور نظام ((المعيل))، ونشوء نظام ((المساواتي)) بدلاً منه. ومن أهم هذه التغييرات، ا لانخفاض الذي حصل في مستوى الوفاة والخصوبة (فقد طال عمر المرأة وضاقت الفترة المركزة من حياتها على الإنجاب ورعاية الأولاد)، وانتشار الطلاق الذي جعل وضع المرأة المتزوجة غير العاملة معرضاً للخطر. وقد أدت هذه التغييرات إلى دفع المرأة المتزوجة إلى العمل. هذا من جهة، ومن جهة ثانية ازداد طلب دخولها القوة العاملة نتيجة زيادة في وظائف الخدمات والوظائف الكتابية التي تناسبت مع مهارات المرأة. ويرى دايفيس أن هذا النظام لابد من أن يتبدل في المستقبل القريب، وذلك لأنه يؤدي، على المستوي الفدري، إلى نشوء ضغط نفسي خصوصاً بالنسبة للمرأة المتزوجة العاملة، فهي تتحمل مسؤوليات عمل بدوام كامل خارج المنزل، إضافة إلى معظم المسؤوليات المنزلية والعائلية. وقد بينت دراسات ((حساب استعمال الوقت))، أن المرأة المتزوجة العاملة تصرف الوقت نفسه تقريباً في رعاية الأولاد كالمرأة المتزوجة غير العاملة، وأن هذا الوقت يؤخذ كله من أوقات فراغها. كما أن استمرار النظام ((المساواتي)) كما هو الآن في الغرب، غير واقعي، في رأي دايفيس، لأنه يؤدي، على المستوى المجتمعي، إلى استمرار انخفاض الخصوبة التي انحدرت إلى مستويات متدنية جداً في المجتمع الغربي، وإلى زيادة انتشار الطلاق، ولكن تبدل هذا النظام لن يعود به إلى الأنماط السابقة.
ماذا عن انتشار هذه الأنماط في مجتمعاتنا العربية؟ إننا نجد نمط نظام ((الاقتصاد المنزلي)) سائداً في معظم المجتمعات الزراعية، ونجد أن نمط نظام ((المعيل)) منتشر في المجتمعات الحضرية ويحافظ على تسلط الرجل وتحكمه في موارد الدخل، تاركاً المرأة في مرتبة اجتماعية ثانوية. وعلى الرغم من أن دخول المرأة سوق العمل بدأ يحصل نتيجة حاجة مادية في الأسر الفقيرة والمتدنية الدخل، فإن هذا لم يؤد إلى تطور النظام ((المساواتي)) في هذه البيئة بمعناه الحقيقي، إذ إن تحكم الرجل في موارد الدخل وسلطته على المرأة والأولاد بقيا على ما كانا عليه. أما في الطبقات الاجتماعية التي تمكنت فيها المرأة من أن تحصل على مستوى تعليمي مرتفع، فإننا نجد انتشار نظامي ((المعيل)) و ((المساواتي))، جنباً إلى جنب، وفي كلتا الحالتين أصبح الوضع أكثر إنصافاً للمرأة.
نعود إلى السؤال الأساسي الآن، وهو أي نظام اجتماعي ننشد للمجتمعات العربية، من حيث تحديده لدور المرأة والرجل في المجتمع؟ لا شك في أنه من الضروري أن تستفيد المجتمعات العربية من المرأة كمورد إنتاجي يشارك في عملية التنمية. فالمرأة تشكل نصف أعضاء المجتمع، ولها قدرات وإمكانات إنتاجية يقتضي الاستفادة منها بشكل فعال في المرحلة التطويرية التي تمر بها البلدان العربية. وقد رأينا أن البلدان العربية النفطية اضطرت، في مرحلة البناء الاقتصادي، إلى أن تستورد قسماً كبيراً من قوتها العاملة من الخارج، وبتكلفة كبيرة، بينما بقي استعمالها للقوة النسائية متدنياً جداً. وهناك أيضاً حاجة إلى استثمار القوة النسائية في البلدان العربية غير النفطية، التي تصدر رجالاً من قوتها العاملة، وتعوض بدخولهم، إلى حدود مختلفة، عن افتقارها للموارد غير البشرية. وتظهر هذه الحاجة أيضاً على المستوى الفردي، إذ إن الأسر المتدنية الدخل، التي تشكل أكثرية في المجتمعات العربية، تستفيد من المردود الذي يجنيه عمل المرأة. ونذكر بالخصوص منها الأسر التي ترئسها امرأة. وإضافة إلى ذلك، فإن للمرأة الحق في العمل لما يؤمنه ذلك لها من استقلالية مادية ومن تنمية للذات.
ومع أهمية تيسير دخول المرأة سوق العمل بشكل أوسع، من المنطلقين المجتمعي والفردي، فإنه من الضروري لأي نظام نتوخاه أن يحافظ على الإيجابي من معالم تراثنا العربي، الذي يرفع شأن مؤسسة الأسرة وعطاء المرأة لها (الأمانة العامة لجامعة الدول العربية)، وأن يتجنب المخاطر التي حصلت في المجتمعات الغربية نتيجة ولوج المرأة المتزوجة سوق العمل. إذاً يجب أن نتوصل إلى نظام يحقق التوازن المنصف بين دوري المرأة في المجتمع، ويؤمن تكيف الرجل مع هذا الوضع، دون خلق التوتر والتعارض الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع. ومع تطوير نظام كهذا، يجب أن نترك للمرأة العربية الحرية في اختيار أدوارها في المراحل المختلفة من حياتها، لنضمن توسعاً تدريجياً في مشاركتها في سوق العمل يتماشى مع تطور فرص العمل لها، وتكيف المجتمع مع عملها.
لقد قامت سورنسون، بتصنيف توظيف النساء المتزوجات في أربعة أنماط: الأول هو النمط التقليدي، حيث نجد المرأة التي تعمل قبل الزواج تتوقف عن العمل، إما عند الزواج أو لدى وضعها طفلها الأول، ولا تعود إلى استئناف العمل إطلاقاً. الثاني هو النمط المتقطع، الذي تتوقف فيه المرأة عن العمل عند الزواج أو لدى وضعها طفلها الأولى، ثم تعود إلى العمل بعد فترة من إنجاب ولدها الأخير. الثالث هو النمط المزدوج، ومنه المزدوج التام، حيث تستمر المرأة في العمر طوال حياة الإنجاب، أو المزدوج غير التام حيث تعود المرأة للعمل قبل وضعها طفلها الأخير. وأخيراً النمط غير المستقر، الذي يُظهر دور المرأة التي تنتقل في سوق العمل وخارجه في فترات مختلفة.
إن النمط المزدوج التام لا يتماشى إجمالاً مع القيم العربية التي تشجع بقاء المرأة في المنزل خلال فترة الإنجاب والعناية بالأطفال، وقد يولد عبئاً ثقيلاً على المرأة في مراحل الإنجاب وتربية الأطفال. وقد تختار المرأة ذات الاختصاص هذا النمط، وبذلك فإن مثل هذه المرأة تستحق دعم المجتمع ومؤازرة العائلة. وقد يكون النمط المفضل بصورة عامة هو النمط المتقطع أو النمط المزدوج غير التام.
|