آفاق لحـواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

النشاط الاجتماعي للمرأة,ضرورة أم أنحراف!!
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

محمد القبانجي
إذا أردنا تقصي الحقيقة في المسوغات الشرعية والعرفية والعقلية لعمل المرأة خارج البيت ونشاطها الاجتماعي الذي ينطلق من موقع الضرورات النفسية والاجتماعية لامن موقع الأهواء والغريزة,لرأينا أن عمل المرأة هذا لايتحدد ببعض المعطيات والفوائد الثانوية والهامشية فحسب,بل هو ضرورة من ضروريات الحياة لمادية والمعنوية,الدنيوية والأخروية للمرأة وذلك:
1- في بداية تشكيل الأسرة جرى العرف والتقاليد الاجتماعية في الأوساط المتدينة ان يتقدم الزوج أو أسرة الزوج لطلب يد الفتاة التي يرون انها مؤهلة لتكون زوجة لولدهم من أسرة الفتاة ومن دون ان تكون لأحدهما معرفة بالآخر اطلاقاً,فالولد لايعرف عن هذه الفتاة شيئاً من أخلاقها وسلوكها وطبائعها وحتى شكلها وجمالها,ولا الفتاة تعرف عن زوج المستقبل شيئاً,والشيء المسموح به في هذه المجتمعات المغلقة والذي يبيحه الفقهاء أن للرجل رؤية الفتاة التي يريد الزواج منها من دون حجاب,ولكن القضية المهمة هنا هي أن مجرد الرؤية لاتحقق معرفة تفصيلية بنفسية الطرف الآخر وأخلاقه ونوع ثقافته بما يطمئن اليها في ديمومة الحياة المشتركة وسلامة العلاقة الزوجية..
ثم ماذا لو أبدي هذا الرجل موقفاً سلبياً من الفتاة بعد جلسة التعارف بينهما ورفض الزواج منها؟ألا يشكل ذلك صدمة نفسية للفتاة بحيث تعيش الخجل والاحباط النفسي لمدة طويلة وخاصة أمام البنات من أرحامها وصديقاتها اللواتي عرفن بموضوع الخطبة؟
ولو أنه قرر الموافقة رغماً عنه ومن أجل حفظ شخصية الفتاة وتحت ضغط من أسرته,فهل نتوقع أن تعيش هذه الاسرة اجواء الود والعشق وحرارة الحب المتبادل؟
ولماذا نسمح للصدفة والحظ والعوامل المجهولة لتقرر مصيرنا في مثل هذا الأمر الخطير والمهم ولاندرس الأمر ونستعد له قبل مدة طويلة ليتعرف كل من الزوجين على الآخر بصورة جيدة من خلال علاقات اجتماعية سليمة كمحيط الجامعة أو الإدارة أو المؤسسات الاجتماعية التي تتكفل مسؤولية المعارفة بين الخطيبين ليكون اختيارهما قائماً على أساس الوعي والانتخاب المدروس في مثل هذه القضية المصيرية وليتحمل كل منهما مسؤولية الاختيار لشريكه في الحياة لاأن يكون جاهلاً بكل شيء من خصوصيات وأخلاق وأفكار شريكه في الحياة قبل ساعة,وإذا به يربط نفسه الى آخر العمر معه ويبني بيته الزوجي على الرمل؟!
أليس من الغريب أن نعقد قران زوجين ونحتمل أن لايكونا متلائمين في الفكر والمزاج وبالتالي يعيشان التعاسة والشقاء مدى الحياة او ينتهي أمرهما الى الطلاق والفراق؟!
كل هذه المخاطر في أول الحياة الزوجية المشتركة يمكن تفاديها بالتعارف المسبق بين الزوجين,وهذا لايتم في حال بقاء الفتيات في البيوت وانقطاعهن عن مختلف أشكال النشاط الاجتماعي خارج البيت.
سيقال حتماً ان خروج البنت والمرأة من البيت والاشتراك مع الرجال في مساهمات ونشاطات اجتماعية لايخلو من انحراف أخلاقي وابتذال ديني لايؤمن معه على دين الناس وشرفهم,ولكن هل تأملنا في مساويء المجتمع المغلق وسلبيات الحياة المنفصلة وحالات التوتر النفسي التي تعيشها الفتيات وهن محبوسات في بيوت آبائهن ينتظرن مايقسمه الدهر لهن من أزواج وخاصة إذا تجاوزت السن المتعارف للزواج وكيف يتحول بيت الأب الى سجن مخيف ومدمر للأعصاب بالنسبة الى هذه الفتاة؟وكثيراً مايوافق الوالدان على كل من يتقدم لطلب يد ابنتهما لا من موقع أهليته ولياقته ليكون زوجاً لهذه البنت المسكينة,بل من موقع الخوف من عدم قدوم شخص آخر غير لائق,وقد يتفق ان يرفض الأب مثل هذا الشخص مرة أة مرتين ثم لايتقدم شخص آخر إليهما وتبقى هذه البنت لتعيش الحرمان والنقص والعذاب الى آخر العمر..
2- على مستوى تربية الأطفال,فمعلوم أن دور الأم في تربية الأبناء تربية صالحة يفوق دور الأب بمراتب حتى قال بعضهم:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
وهذا المعنى لايتحقق إلا إذا كانت الأم تتحلى بسلامة نفسية وأخلاق حسنة وثقافة جيدة,ولكن هل تعيش الأم في أجواء الثقافة الدينية المتخلفة هذه الخصال والسمات الإيجابية؟
إن أول مشكلة تواجه المرأة المعاصرة في مجتمعات المدينة هو الفراغ الكبير الذي تعيشه في حياتها كل يوم,وكيف كان فالمرأة بالأمس لاتكاد تجد لنفسها ساعة واحدة من الوقت للراحة والاستراحة,ولكن المرأة المعاصرة وبعد أن أصبحت جميع الأجهزة تعمل بالكهرباء وبشكل تلقائي وكذلك خرجت بعض الأعمال البيتية من عهدتها كطحن الحبوب واعداد الخبز وحياكة السجاد وخياطة الملابس وحتى طبخ الطعام فإن التطور الثقافي والاجتماعي قد خفف عنها الكثير من ذلك,فاصبحت لاتتولى تنظيف الدجاج وتقطيعه ولاتنظيف الخضراو صناعة الجبن واللبن بل كل ذلك يشتريه الزوج من السوق...
فماذا تصنع المرأة مع كل هذا الفراغ...؟
ألا تكون المرأة الريفية افضل حالاً من أختها المدنية لأن الأولى تعيش النشاط والحركة والخروج من المنزل للعمل في البستان أو إطعام الحيوانات من الأبقار أو الأغنام أو الدجاج ورعايتها,بينما تجلس الثانية جامدة في البيت تقضي وقتها في رؤية مسلسلات التلفزيون أو التحدث بالهاتف مع أرحامها..؟
3- المشكلة الأخرى أن احتباسها في البيت وعدم وجود مصدر مالي مستقل لها يجعلها تفقد شخصيتها وتعيش التبعية والذلة للزوج وتشعر بأن حياتها ومستقبلها رهين بيد الزوج,فبإمكانه تطليقها لالسبب أو الزوا من أخرى أو التقتير عليها في النفقة الى درجة أنها تجد نفسها مضطرة الى استعطافه والاستجداء منه,ومعلوم أن كل واحد من هذه الامور يشكل ضربة شديدة لروحيتها وسلامتها النفسية,وقد تضطر في كثير من الحالات الى أساليب الخداع للزوج والكذب عليه لتحقق لنفسها وضعاً مالياً أفضل,ففي مثل هذه الحالة هل يمكن الاطمئنان بأن تربيتها للأطفال ستكون تربية جيدة؟
علماء النفس وخاصة "آردلر" يؤكدون على أن عقدة الحقارة في الإنسان تدفع الإنسان الى سلوك سبيل التعويض والجبران,وإحدى صور التعويض أن تقوم المرأة التي تعيش التحقير من الزوج بتفريغ هذه الشحنات السالبة على الأطفال وينعكس تحقير الزوج وإذلاله للمرأة على أساليب التعامل مع الأطفال,فينشأ الأطفال حقراء وأذلاء,أو تظهر عملية الجبران على شكل تدليل مفرط للأطفال وكأن الأم تحاول تعويض ما فقدته من الرجل من حنان وحب باللجوء الى الطفل وتدليله والعناية به أكثر من اللازم,فينشأ الطفل ضعيف الشخصية لايقدر على الاستقلال والاعتماد على النفس.
4- نحن لاينبغي ان نحصر الاهتمام بالفرد أو الاسرة على حساب مصلحة المجتمع,فالدين الإسلامي كما أراد للفرد ان يرتفع في مدارج الكمال المعنوي والأخلاقي,وكما أراد للاسرة الدوام والسعادة وحرارة العلاقة الزوجية,كذلك أراد للمجتمع الإسلامي التطور والعدالة والصعود من الواقع المتخلف الى آفاق العلم والحضارة والمدنية,ومعلوم أن تجميد نصف المجتمع من المشاركة في البناء الحضاري للمجتمع ومنع المرأة من المساهمة في النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع يفضي الى تكريس الواقع المتخلف وتحميل الرجل فقط مسؤولية المساهمة في بناء المجتمع الإسلامي والقيام بشؤونه ولاشك أن الضرورة الحضارية تقضي بإسهام المرأة في هذه المسؤولية الدينية والإنسانية ولاسيما بالنسبة الى الأعمال والوظائف التي تنسجم مع تكوين المرأة الفسيولوجي والنفسي أكثر من الرجل كالتمريض والتعليم وخاصة للمدارس الابتدائية للبنين والبنات وهكذا العمل في مصانع الأجهزة الدقيقة كالراديو والتلفزيون والحاسوب ومعامل النسيج وخياطة الملابس وتعليب الفواكه وأمثال ذلك من أعمال ونشاطات اقتصادية واجتماعية تعود على المجتمع والأسرة بالخير العميم وتسد الخلل المربك الناشيء من تولي الرجال كل هذ المسؤوليات والمهام.
مضافاً الى أن النشاط الاجتماعي للمرأة يعود على الأسرة بمقدار من المال الضروري لسد النقص والعوز في ميزاينة الاسرة,ومثل هذه المشاركة الاقتصادية في نفقات الاسرة هي السائدة في جميع الأقوام البشرية وخاصة في الأرياف والقبائل العربية ولحد الآن حيث تقوم المرأة بحمل بعض العبء المالي عن الرجل من خلال إعداد الجبن واللبن والزبد ورعاية المواشي والأبقار وحياكة السجاد والمشاركة في موسم الحصاد وأمثال ذلك,فلماذا نحرم المرأة في المدينة من المشاركة الاقتصادية للرجل مع أن ظروف المعيشة في المدينة من حيث الغلاء وشدة الحاجة الى الحياة المرفهة تدعو لمشاركة المرأة أكثر؟
ولماذا نثقل كاهل الرجل بالمسؤولية الاقتصادية ونحتفظ بدخل محدود للاسرة ولانهتم بفتح باب آخر ومصدر ثان للرزق بإمكانه ان يعود على الأطفال والمرأة بالرفاهية والحياة الكريمة؟
ويؤيد الشيخ "محمد مهدي شمس الدين" عمل المرأة في المجتمع,ويذكر الحكمة من هذا التشريع الإسلامي في النقاط التالية:
1- لاستثمار طاقاتها ووقتها في إغناء المجتمع بالعمل المنتج بدل تبديد الطاقة وإهدار الوقت في التراخي والكسل.
2- لتلبية حاجة المجتمع الى بعض الخدمات في مجالات لايتوفر لها العدد الكافي من الرجال,أو أنها أليق بالنساء أقدر عليها "التعليم,التمريض,الطب النسائي,الجراحة النسائية".
3- لتعويض نقص الرجال في مجال العمل في الحروب وحين يقتضي الوضع بحشدهم في الجبهات.
4- لتمكين المرأة من المساهمة في نفقات أسرتها – إذا احتاجت – أو التوسيع عليها من دون أن يكون في ذلك إلزام لها.
5- لتمكين المرأة من المساهمة في أعمال الخير ومؤسسات العمل الطوعي لخدمة المجتمع في مجالات الصحة والتعليم والثقافة والتوعية الاجتماعية.
Balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com