آفاق لحـواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الرؤية الدينية..تفتح الباب أمام المرأة أم تغلقه؟
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

د.أميمة أبو بكر
هل تفتح الرؤية الدينية الباب أم تغلقه أمام المرأة؟ هل بوسع المنظومة الدينية والتزاماتها أن تحقق العدل والكرامة للنساء في المجتمع أم كما يزعم بعض أن عدم الإنصاف والتمييز ضد النساء متأصلان في طبيعة الأديان السماوية وقواعدها بالنسبة الى العلاقات بين النساء والرجال؟ هل يخلق الدين وعياً تحررياً من كافة أشكال العبودية والشرك والظلم مهما تخفت فيطبق على العلاقات الاجتماعية بين النساء والرجال؟ أم يقف عند حد معين لايتخطاه الى وضع المرأة داخل الأسرة والمجتمع؟ هذه الأسئلة طالما دارت في ذهني كثيراً خاصة كلما عثرت على كتاب او بحث يعلن أنه يشرح مكانة المرأة في الحياة كما تقدمها النصوص الشرعية الدينية,وعادة ماتنازعني حالتان شعوريتان :شعور التعلق الإيماني والوجداني بديني الذي أحبه وأحب الالتزام به – الإسلام – وشعور بعدم الرضا والضيق بما تطالعني به سطور بعض هذه الكتب عن طبيعة المرأة وطبيعة ميزان العلاقة بين الرجال والنساء كما قدمها الدين.حتى أدركت انه علي التفريق بين شيئين :الفكر /الخطاب المحافظ فيما يخص المرأة بالذات من ناحية – وهو خطاب أزعم أنه له تجلياته في كل من الخطاب الإسلامي والمسيحي الحديث – والخطاب الديني التحرري الذي يمكن أن نتبناه نساء مسلمات أو مسيحيات ملتزمات بالإيمان الديني وفروضه وقيمه.
هذا الموضوع له وجهان: جانب نظري يتعلق بالبحث في مكانة المرأة في منظومة عقدية معينة,كأن نتحدث عن حقوق المرأة في نصوص ومصادر الإسلام أو المسيحية مثلاً,وفي أصول الثقافة الإسلامية أو المسيحية,وجانب يتعلق بدراسة المرأة ليس (كموضوع) ولكن كفاعلة وكممارسة للدين تطبق مبادئه وعباداته في حياتها الشخصية والاجتماعية العامة.
تكثر الدراسات خاصة العربية منها في الجانب الأول فهي تقدم عروضاً مباشرة للمصادر والنصوص التي لها علاقة بالموضوع,أما في المجال الثاني فقد ظهرت مؤخراً ايضاً العديد من الدراسات في تخصصات الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية والدراسات الثقافية التي تركز على مجتمعات بعينها في الشرق الأوسط العربي أو العالم الإسلامي,وأنشطة النساء الدينية والاجتماعية فيها وعلى كيفية تحليل عنصر "التمكين الديني" في حياتهن.
في مجال دراسات المرأة (في الغرب) ظهرت كتب ومقالات عديدة تدرس مشاركة النساء في الظاهرة الإسلامية والاجتماعية المعاصرة أو علاقتهن بما اصطلح على تسميته في الغرب (بالأصولية الإسلامية).وتتراوح مواقف هذه الدراسات من اعتبار مشاركة النساء في هذه الحركات الإسلامية داخل إطار تحليلي معين وهو نموذج (المقاومة) (أي النظر الى هؤلاء النساء باعتبارهن ضحايا لقهر الموروثات الثقافية والاجتماعية والدينية),أو تفسير سلبيتهن وقبولهن لهذه المنظومة على أنها تواطؤ غير واع: استبطان / استيعاب إيديولوجية معادية لهن في شكل (واعي زائف).إلا أنه في كتاب ظهر حديثاً بالإنجليزية,تحاول الكاتبتان المشتركتان في تجميع مقالاته أن تقدما نموذجاً أو إطاراً بديلاً ندرس من خلاله هذه الظاهرة التي أطلقتا عليها (الأسلمة),وهي تشتهر ببساطة الى تسليط الضوء على,وتحليل,مكانة الألتزام والشعور الديني في حياة النساء المسلمات حالياً كدافع لأنشطة متنوعة في المجتمع والمجال العام.ومن رأيهما أن عملية (الأسلمة النسائية) هذه ليس غرضها الأساسي إقامة الدولة الإسلامية بالمعنى السياسي,ولكن غرضها إصلاحي: أي إصلاح أساليب وأنماط حياة الناس من خلال ممارسة الشعائر وتطبيق المبادىء الدينية,والحث على ممارسة الأفراد للدين في جوانب الحياة اليومية ومن ثم (تضييق الفجوة بين الخطاب الديني (الرسمي أو النخبوي المتخصص) والواقع العملي المعاش).أي إنها أسلمة على مستوى القاعدة.وهما تعتقدان أن دراسة ظاهرة اشتراك النساء في الصحوة الإسلامية لاتأخذ في الحسبان عادة أو تستعبد عامل تقوية (هوية نسائية مسلمة) ودورهن وسيطات أو منفذات لعملية أسلمة الحياة اليومية الواقعية.وهما تفرقان بين مستويين: مستوى الإسلام الشعبي والمستوى الفكري البحثي لنساء مسلمات يشتركن في محاروات ومناقشات دينية حول دور المرأة وحقوقها.
وتظهر مقالات الكتاب (النزعة المتزايدة لدى النساء في التفاعل مع الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية التي تنقلهن خارج الحيز الخاص للمنزل,سواء الى حيز مكاني محدد مثل المسجد,وانشطته,أو حيز فكري مثل الدراسات الدينية).
في النهاية تأمل الكاتبات في زرع مفاهيم جديدة في التعامل مع هذه الظاهرة مثل التمكين,وعنصر الاختيار,والمبادرة الفردية,والهوية,وهي أطر تحليلية جديدة تتحدى الأطر المعروفة للنسوية الغربية على أنها الحل أو الرؤية الوحيدة في مجال دراسات المرأة والجندر.
وهذه النقطة الأخيرة بخصوص هيمنة الأطر الفكرية الغربية الخاصة بها في تحليل دور الدين في المجتمع والتيارات العلمانية,هي أيضاً الموضوع الذي يطرقه في أحيان كثيرة الباحث الأمريكي والمتخصص في الدراسات الإسلامية (جون اسبوزيتو) الذي يقدم نقداً للمشروع العلماني الغربي متهماً إياه بأحادية النظرة او بإخضاع دراسته لمجتمعات الشرق الأوسط لمنظور/مجهر خاص به ومستمد في الأساس من التطورات التاريخية والثقافية الخاصة بتراثه,ومن ثم فرض هذا النموذج التطوري وتطبيقه على المجتمعات العربية,ويطلق على هذه النزعة (الاصولية العلمانية) أو التطرف العلماني الذي يرفض أن يرى الظاهرة دوافع اجتماعية جديدة,وظهور قطاع عريض من هذه الشعوب بديلاً عن الأنظمة الرسمية أو النخبة بدلاً من علمانيتها).
كما يتهم العناصر العلمانية في بعض البلدان بالاستبدادية والشمولية والعمل ضد الديمقراطية في حرمان العناصر الإسلامية من التعبير عن نفسها ويقول: إن الصراع ليس بين التراث والحداثة أو الأصالة والمعاصرة أو الماضي والحاضر,ولكن بين قطاعين في هذه المجتمعات يعبران عن رؤيتين متنافستين أو نموذجين مختلفين لكيفية التطور والتحديث.
كما يشكك (بير برجر) بالكتاب نفسه في الفرضيات أو النظريات التاريخية ف يالمدرسة الغربية حول النموذج التطوري للمجتمعات في خط مستقيم يستلزم ربط التحديث بالعلمنة,هي النظرية السائدة في الفكر الغربي منذ عصر التنوير,حيث الاعتقاد أن التحديث يؤدي الى أفول الدين بالضرورة,في حين ينبه (برجر) الى الحركة المضادة القوية (ضد العلمنة).
فبإختصار,في مجال دراسات المرأة بالذات يظل عندنا جانبان: جانب يتشكك في الدور الإيجابي للدين في حياة النساء,أو في قدرة هؤلاء النساء على المراجعة الشاملة للأفكار التقليدية السلبية التي تقدم جزءاً من المنظومة الدينية,أو في جدوى هذه المحاولة أصلاً,مادام لايوجد تغيير جذري,وجانب يرى ان فكرة التمكين لاتكون بالضرورة من خلال المواجهة المباشرة او التحدي الواعي للسيطرة الذكورية والتصادم معها,ولكن هو تمكين في مجالات بعيدة عن هذا الصدام.
ماأود ان أضيفه هنا لكل هذه الأبعاد من النقاش,هو كيفية التوصل الى هذا الوعي الإسلامي النسائي التحرري عن طريق تعريف نقيضه كما يظهر على مستوى الخطاب المقدم في العصر الحديث بصفة خاصة.
Balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com