آفاق لحـواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

كيف للمرأة أن تتكلم وهي غير موجودة في الكلام؟
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

عبد الله محمد الغذامي
هذا سؤال طرحته مي زيادة , وهو سؤال يصدر عن وعي صارخ حول علاقة المرأة باللغة , وهو سؤال غير قابل للإجابة , أو لعل الإجابة عليه تنطوي على خطورة أفدح من السؤال وأفدح من الوعي الكامن خلف السؤال وأن كانت مي قد طرحت سؤالها فإنها لم تمض دون أن تحاول الإجابة عليه , لقد بذلت جهدا خاصة للإجابة على هذا السؤال وكان ثمن الإجابة فادحا , إذ دفعت مي حياتها وعقلها كإجابة على سؤال قاتل .
كانت مي زيادة علامة على مرحلة ثقافية متميزة في علاقة الأنثى باللغة , فهي إمرأة ترمز إلى جيل نسوي ظهر مع مطلع القرن العشرين متمثلا بأعداد من النساء العربيات اللواتي أخذن بمحاولة الدخول إلى اللغة , وحاولن أن يتكلمن بلغة لم يكن موجودات فيها .
المرأة التي كانت خارج اللغة سعت إلى الدخول إليها والتلبس بها والإنغراس في داخل الوجود اللغوي , ليس بواسطة الحكي كما كانت الحال فيما مضى , وإنما عبر الكتابة وبواسطة القلم .
لم تعد المرأة كائنا شفاهيا لا تملك سوى الخطاب الشفوي البسيط الذي ظلت المرأة محبوسة فيه على مدى قرون من التاريخ والثقافة , ولم تعد كائنا ليليا لا تحكي إلا في الليل ولا تتمثل لها اللغة إلا تحت جنح الظلام , وإذا ما حل الصباح سكتت عن الكلام المباح .
تدخل المرأة الآن إلى لغة النهار .
وكان النهار الانثوي هو القلم والمجلة , وهذا تحول نوعي ثقافي يكسر احتكار الرجل للقلم ولوسائل الكتابة والنشر , ولقد صدرت أول مجلة نسائية في شهر نوفمبر 1892 م في الأسكندرية , وتوالى بعدها صدور مجلات نسائية حتى زاد العدد عن العشرين مجلة متخصصة في المرأة وللمرأة وباسم المرأة في فترة الربع الأول من القرن العشرين .
وتصدر إسم المرأة صفحات المجلات محررات وكاتبات وظهر بذلك نهار جديد للمرأة لا تسكت فيه عن الكلام , ولكنها تشهر فيه صوتها وتمتد فيه يدها إلى الة كانت محرمة عليها , هي آلة القلم ذلك القلم المذكر الذي تعود على أصابع الرجل وترفع عن أصابع الأنثى , إلى أن حدث هذا المشهد الأحتفالي الطريف المتمثل في ثورة الصوت النسائي مع جيل الريادة الصحفية والكتابية في هذه الفترة المحددة .
تخرج المرأة من زمن الحكي إلى زمن الكتابة تجئ لتكتب ..
مجرد شهرزاد التي تحكي لإمتاع رجلها المتوحش .
وليست مجرد تودد الجارية التي تتودد إلى سيدها وتدافع عن إستعباده لها واستمتاعه بها .
ليست جسدا يتوسل باللغة لإمتاع سيده وتطريبه , وليست مجرد شاعرة ترثي الرجال وتبكي عليهم وكأنما اللغة والشعر خلقا للرجل فحسب , وإذا تمكنت المرأة منهما فلكي توظفهما في البكاء على الرجل وتمجيد ذكراه – كما هو موروث الخنساء , أبرز شاعرة في مرحلة زمن الحكي .
تجئ المرأة الآن لتخطف القلم من بين يدي الرجل ولتدخل إلى اللغة بوصفها كاتبة ومؤلفة , وبوصفها صوتا مستقلا وبوصفها ذاتا تنشئ وتبدع ولم تعد مجرد موضوع لغوي أو رمز شعري أو أداة سردية .
إنها تجئ بوصفها سيدة وليست جارية وسلاحها القلم وليس لسانها .
تكتشف المرأة الكتابة وتغامر في الدخول إليها الكاتبة وتغامر في الدخول إليها , ولكن ...أي إكتشاف وأي دخول ....!
هذا جيل نسوي دخل دخولا جماعيا إلى اللغة بوصفها كتابة هن جيل الريادة وهن جيل التضحية .
لم يك الدخول سهلا ولم يك البقاء داخل اللغة يسيرا .
ولذا فإن هذا الجيل النسوي تحول إلى حكاية حضارية فيها من الألم أكثر مما فيها من المتعة , وفيها من الخسارة أكثر مما فيها من المكاسب , وهناك ترادف قدري ما بين الألم والقلم , والقلم ثعبان تمكن الرجل من تطويعه وسحب سمومه على مر القرون ولكن المرأة تمد يدها إلى آلة لا خبرة لها فيها , وتجهل أنها سامة وأن القلم ألم , ولذا فقد دفع جيل الرائدات ثمن هذه المغامرة الجديدة , وكإنهن قد وقعن في رمال متحركة وسط صحراء مهلكة , وكل يزيد من الحركة في وسط هذه الرمال يزيد على تركمها على المرأة حتى أنها لتخنقها أخيرا وتقضي عليها .
المرأة كائن حكواتي تعرف لغة الحكي وتحتمي بها وترعف أسرارها ومسالكها , لكنها لك تك كاتبة , والقلم مذكر رجل فلما التقطته المرأة فكإنما قد إلتقطت حية تسعى , هذه الآلة ثعبان والكتابة خطر وجنون .
أن تتكلم المرأة في كلام لم تكن موجودة فيه فهذا معنها أنها تقحم نفسها في عالم ليس هو عالمها وأنها تنتقل بهذا من كون كان يحيط بها ويصونها إلى كون يكشفها ويتحداها , في حين إنها تتحداه .
والمرأة في صورتها الذهنية الراسخة كائن اندماجي وليست كائنا مستقلا , إنها وسط الآخرين وفيهم ومنهم وبهم , هي بنت فلان وزوج فلان وأم فلان , حتى حينما ظهرت كاتبة وشاعرة كانت تظهر بهذه الصفة , فهي (أم عبد الصاحب الملائكة) , وهي أم نزار ومضى زمن لكي تظهر البنت والحفيدة التي تجرأت على حمل مسؤولية اسمها المستقل لتكون (نازك الملائكة) وليست بنت فلان أو أم فلان .
هي جزء من أسرة وهي داخل هذه الجماعة وفي عمقها , ولذا كانت لغتها الوحيدة هي الحكي وأداتها اللغوية هي اللسان , والحكي اندماج ودخول في الجماعة وانضواء إلى الداخل المحكم , ومن هذا الإحكام كان الحكي يجري في الليل ومع الزوج أو الولد والبنت محاطا بالأسرة و الأهل والبيت .
أما وقد شاءت المرأة أن تمد يدها إلى القلم وتكتب فإنها بهذا تخرج من زمن الحكي وتتحول إلى كائن مندمج إلى ذات مستقلة تتكلم بضمير الأنا وبالخطاب النهاري المكشوف ,تتحول من كائن مضاف إلى غيره , إلى كائن مضاف إليه , فهذا صالون مي وكتاب مي ومقالة مي , هذه هي مي الزيادة الكاتبة وليست إبنة الياس أو أبنة فلان , ويقابل ذلك قراء مي والمعجبون بمي من الناس الأغراب والأباعد من غير ذوي الرحم , وهم يقرؤون وليسوا مجرد سامعين مستمتعين , تسعى دوائر الأستقبال وتنفتح علاقات القول والمخاطبة وتخرج الذات من حميمية الأسرة إلى فضاء مطلق ليس فيه قريب أو ولي أمر .
صار الأمر بلا ولي وبلا حد , وصارت المرأة هي المركز وهي المضاف إليه .
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com