آفاق لحـواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

هاربات من عقارب الزمن
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* سلام الشرابي
وردة ذابلة على عتبات الزمن، رمتها رغبة جامحة في تخطي الزمن، فكسرت عودها الأخضر، وأهدتها لليأس والحزن والوحدة بلا مقابل.
وقفت أمام منزلها أنظر إلى الأشجار الخضراء المحيطة به، كل شيء يدل على الحياة والأمل، سمعت صوت خطىً تتقدم مني، فُتح الباب وأطل منه وجه امرأة رسمت خطوط الزمان عليه تاريخ مولدها، استقبلتني بترحاب وأدخلتني غرفة (الحريم)، انتظرت طويلاً حتى لاح لي الوجه ذاته، وقد خط عليه ما أرادت قوله، فطلبت منها أن تسمح لي بالدخول إلى غرفتها لملاقاتها، إذ لم تشأ هي الخروج منها لملاقاتي، فلم تمانع، بدأت أمشي، كان الممر طويلاً، أو هكذا بدا لي، وفي نهايته تركتني المرأة العجوز عند باب الغرفة، فقرعته .. ودخلت.
كانت الغرفة كبيرة وتحتوي على أشياء كثيرة، وكأنها تحاول اختزال العالم كله داخلها، وعند النافذة المطلة على الحديقة كانت تجلس على كرسيها، مددت يدي لأسلم عليها، فردت بصوت خافت وحزين معتذرة عن عدم وقوفها لتحيتي، جلست إلى جانبها، كانت تعرف ما أريده منها فبدأت بالحديث:
لم أكن أعلم أن الحال سيؤول بي يوماً إلى ما أنا عليه الآن، كنت أعمل كمدرسة للغة الإنكليزية للمرحلة المتوسطة، كان يشار إليّ بالبنان؛ لثقافتي وحسن معاملتي وأسلوبي في إيصال ما أدرسه للطالبات، أحظى باحترام كل من حولي، وبشعبية جيدة بين الطالبات، أعشق القراءة والبحث والاطلاع على كل ما هو جديد ومفيد، صنعت لنفسي مكتبة شملت على ثقافات متنوعة فطرقت أبوابها بشغف، ومع ازدياد الاتجاه نحو المعلوماتية ومدى أهميتها في حياتنا، بدأت بالإبحار في علوم الحاسب، كنت أستثمر وقتي كله بكل ما يفيدني ويزيد ثقافتي، كنت حريصة على الدقة في كل ما أختاره، وطبقت ذلك على حياتي الشخصية، فتأنيت في اختيار من سيشاركني حياتي، وكنت قد رسمت لنفسي آمالاً وأحلاماً كثيرة، كتب آخر سطورها ما حدث لي ذلك اليوم.
مع حلول الإجازة الصيفية، أراد أخي زيارة أقاربنا في المدينة، فرغبت في صحبته إليهم، ركبنا السيارة ومضينا، كانت البداية ممتعة، بدأ يخبرني عن المقالب التي ودع بها أصدقائه، وأخبرته عن الطرائف التي حصلت معي في قاعات الاختبار، ودخلنا طريقاً خطراً ومملاً في الوقت ذاته، وهو طريق القصيم - المدينة.
كان طريقاً واحداً للذهاب والإياب، تحفز انتباهنا لفترة طويلة إلى أن اعتدنا خطورته، فعدنا لمتابعة الكلام، وبدا الوقت طويلاً جداً. زاد أخي من سرعته، إلا أنني رجوته أن لا يفعل، وأن يعود لسرعته الأولى، فلم يأبه لكلامي، وصار يردد: "كوني شجاعة".. لم أعتقد يوماً أن هذه الأمور تتطلب شجاعة للتغلب عليها، بل تحتاج إلى حكمة وروية! مضى في سرعته حتى اعتدنا هذه السرعة وقطعنا نصف المسافة، وصوت جرس إنذار السيارة ما زال يرافق طريقنا، ونحن على تلك الحال.. لاحت لنا سيارة قادمة من الطرف الآخر، وقد انحرفت باتجاهنا، يبدو أن سائقها قد غفا، قال أخي ذلك وهو يضغط برجله على المكابح، لم يكن هناك من سبيل للفرار منها أو التوقف مباشرة، فسرعتنا كانت كبيرة، وبصرخات مني ومن أخي وصوت العجلات على الطريق، ارتطمنا بالسيارة...
فقدت أخي إلى الأبد، أما أنا فأجلس على هذا الكرسي المتحرك منذ ذلك اليوم، لا أمل لي بمغادرته يوماً.
ضربت الكرسي بيدها وأشاحت بوجهها عني.
- آسفة.
- لا يهم.
- لقد عرفت بأنك كنت مخطوبة.
- تركني، ودون أن يواجهني، اختفى من حياتي فجأة، فقدته كما فقدت كل شيء جميل في حياتي.
- لم يكن يستحقك..
- لم يكن يريد الارتباط بامرأة تمشي على العجلات.
- وهل الكرسي المتحرك هو نهاية العالم؟
- إنه بداية عالم جديد، وعجلات تقودك إلى طريق غير تلك الطريق التي تحملك إليها قدماك.
- وماذا عن عملك؟
- تركته، لم أكن قادرة على المتابعة، لم يكن باستطاعتي مواجهة الناس، تركت كل شيء واعتزلت العالم بأسره، واحتجزت نفسي داخل هذه الغرفة.
- وماذا تفعلين هنا؟
- لا شيء..
- تقرئين ..؟
- لا.
- تحاورين الحاسب؟
- لا .. لا أفعل شيئا، أجلس أمام النافذة وأتأمل.
- والعالم في الخارج؟
- لا أريده.
- لماذا..؟
- لأنه لا يقبلني.
أحببت أن أقوم بدور إنساني أكثر منه صحفي، فقصصت لها أخبار الكثير من النساء اللواتي كنّ عاجزات في شيء ومبدعات في أشياء كثيرة في حياتهن، تكلمت معها عن العجز الحقيقي للإنسان، وأنه ليس في أحد أعضائه.. بل في قدرته على التفكير والعلم، وأن هذه الدنيا امتحان للإنسان قبل كل شيء.
وفي النهاية.. ودعتها وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة لم أرها طيلة مكوثي عندها.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com