آفاق لحـواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

حواء بين الدين والأسطورة
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* نصر أبو زيد
القصة التي نريد الكشف عن جانب اللامعقول في تفسير هاهنا هي قصة خروج آدم وحواء من الجنة بعد أن أغواهما الشيطان فأكلا من ثمر الشجرة المحرمة، وبدت لهما سوءاتهما. تبدو قصة تفسيرية أو تعليلية، بمعنى أنها تقدم تعليلاً لبعض الظواهر الطبيعية في سياقها، ويبدو التعليل كما لو كان عرضياً. والقصة التعليلية تعرض في الغالب لتفسير الظواهر التي يعجز الإنسان في مرحلة تاريخية محددة عن تفسيرها تفسيراً علمياً. وقصة خروج آدم وحواء من الجنة تقدم تعليلاً لظاهرتين طبيعيتين: الأولى منهما ظاهرة ((الدورة الشهرية)) عند المرأة وما يصطحبها من آلام من جهة، والآلام المصاحبة لعمليات الحمل والولادة من جهة أخرى. ويتصل بهذه الظاهرة الأولى تبرير الوضعية المتدنية للمرأة في الواقع الإسلامي العربي، كما يبدو من وصفها بنقص ((العقل)) و ((الدين)). أما الظاهرة الثانية التي تتعرض القصة لتعليلها في سياقها بشكل يبدو عرضياً فهي ظاهرة ((الحية)) الزاحفة، لكن الأخطر في القصة تلك هو ذلك الربط الذي أوقعته بين ((حواء)) و ((الحية)) لا على مستوى الاشتقاق اللغوي فقط، بل على مستوى اشتراكهما معاً في مساعدة الشيطان لإغواء آدم الرجل حتى ارتكب معصيته وخرج ـ وخرجت معه البشرية كلها ـ من ((الجنة)). ولأنهما اشتركا في جريمة مستمرة الأثر وشاملة، فقد كان عقابهما معاً عقاباً من جنس العمل، عقاباً مستمراً وشاملاً.
تقول القصة: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة، ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة التي نهى الله آدم وزوجته عنها. فلما أراد إبليس أن يستذلهما دخل في جوف الحية، وكان للحية أربع قوائم كأنها بختية (ناقة عظيمة تتبختر في مشيتها وتتعاجب) من أحسن دابة خلقها الله. فلما دخلت الحية الجنة، خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حواء، فقال: أنظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها،وأحسن لونها، فأخذت حواء فأكلت منها، ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت: أنظر إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها، فأكل منها آدم، فبدت لهما سوءاتهما، فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب، قال: ألا تخرج؟ قال: أستحي منك يا رب، قال: ملعونة الأرض التي خلقت منها لعنة يتحول ثمرها شوكاً، ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرة أفضل من الطلح والسدر. ثم قال: يا حواء، أنتِ التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملاً إلا حملته كرهاً، فإذا أردتِ أن تضعي ما في بطنكِ أشرفتِ على الموت مراراً. وقال للحية: أنتِ التي دخل الملعون في جوفك، حتى غرر عبدي، ملعونة أنتِ لعنة تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكون لك رزق إلا التراث، أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك حيث لقيت أحداً منهم أخذت بعقبه (طاردته)، وحيث لقيك شدخ (حطم) رأسك.
ولنا بعد ذلك على القصة مجموعة من الملاحظات، نهدف من ورائها إلى إلغاء الدلالات والمعاني التي لا تزال تفعل فعلها في ثقافتنا الشعبية بشكل خاص. فبصرف النظر عن أن القرآن لا يحمل حواء ـ في منطوقه ـ مسؤولية خروج البشر من الجنة، يظل الضمير الإسلامي ينسب للمرأة وحدها ـ تأثراً بهذه القصة ـ مسؤولية تلك الجناية، هذا بالإضافة إلى الإيمان بأن العقاب الدائم الذي أوقعه الله بحواء عقاب لا سبيل للفكاك منه، خصوصاً ما يتعلق منه بالحكم عليه بنقص العقل والدين. سأل الله آدم. يا آدم أنى أتيت (أي ما سبب وقوعك في عصيان أمري). قال: من قبل حواء أي رب، فقال الله: فإن لها عليَّ أن أدميها (أجعلها تنزف دماً) في كل شهر مرة، كما أدميت الشجرة، وأن أجعلها سفيهة فقد كنت خلقتها حليمة (عاقلة)، وأن أجعلها تحمل كرهاً وتضع كرهاً، فقد كنت جعلتها تحمل يسراً وتضع يسراً. ويعلق أحد الرواة على القصة قائلاً: ولولا البلية التي أصابت حواء لكان نساء الدنيا لا يحضن، وكنَّ حليمات، وكنَّ يحملن يسراً)).
الملاحظة الأولى لنا على تلك القصة، أن الإله الذي تصوره هو إله التوراة، وليس ((الله)) المعروف في المعتقد الإسلامي، وهذا أمر طبيعي من زاوية التأثر التاريخي. لكن ليس من الطبيعي إطلاقاً أن يأخذ العقل المسلم القصة مأخذ التصديق الحرفي لمجرد أنها وردت في واحد من أهم كتب التفسير، ذلك أن ورودها عند الطبري، أو عند غيره، ليس هو المعيار، بل يجب أن يكون المعيار عدم التناقض مع قوانين العقل. القصة تبدو مؤامرة محبوكة للإيقاع بآدم، مؤامرة يشترك فيها كل من إبليس وحواء والحية، تدور من وراء ظهر الله ـ تنزه عن الغفلة ـ لدرجة أنه ينادي على آدم سائلاً إياه عن مكانه الذي اختبأ فيه استحياءً. هذا من جهة ومن جهة أخرى يبدو العقاب الذي وقّعه الله على أطراف المؤامرة عقاباً يتسم بالاستبدادية، لقسوته من جهة ولشموليته لأعقابهم ونسلهم كله من جهة أخرى، وكلا الأمرين يتناقض مع الطبيعة التي صاغها الإسلام لصفات الله من ناحية، ولعلاقته بالإنسان من ناحية أخرى.
الملاحظة الثانية أن آدم يبدو في القصة ضحية بريئة، خضعت لضغوط فوق طاقة الاحتمال البشرية الطبيعية، فإذا كان قد قاوم إغراء ((الخلود)) ـ لاحظ أن ثمر الشجرة كان الثمر الذي تستمد الملائكة خلودها بالأكل منه، وهذا تناقض آخر مع معطيات العقيدة عن طبيعة الملائكة. فإن امتناع زوجته عليه وجعلها الأكل من الشجرة شرطاً للمضاجعة يقوي من ضغط الإغراء ويسهل الوقوع في المعصية. هذه الصورة التي تقدمها القصة لآدم الضحية تتناقض مع العقاب الذي وقع عليه بإخراجه من الجنة. فقد كان يكفي إعادة إخراج إبليس منها بعد عقابه عقاباً مناسباً، وكذلك عقاب كل من حواء والحية عقاباً لا يشمل ذرياتهما. لكن صورة آدم البريء تلك في حقيقتها تعكس مجتمعاً يكون الرجل فيه هو مثال الخير والبراءة، في حين تمثل الأنثى الشر والخطيئة. فالقصة تشير إلى المجتمع أكثر مما تفسر النص الديني.
الملاحظة الثالثة تتعلق بعلاقات التساوي التي تحرص القصة على ذكرها بين الجرم والعقاب في كل حالة. فقد عوقبت حواء أن تدمى في كل شهر مرة عقاباً على جرمها بالأكل من الشجرة. وهو فعل يتضمن معنى ((الجرح))، وعلى ذلك يكون العقاب جرحاً بجرح. ولأنها استخدمت الشهوة سلاحاً لإغواء آدم فقد كان عقابها فقدان العقل (الحلم) أو نقصانه على وجه أدق، وسيطرة ((السفاهة)) على تفكيرها وسلوكها. وفي هذا الحرص على إبراز التساوي بين الجرم والعقاب يبدو بُعد تعليل الظواهر هو البعد المسيطر بوصفه الهدف الأساسي من القصة. وبالمثل يتساوى عقاب الحية مع جرمها فقد حُرمت قوائمها وحكم عليها بالزحف على الأرض والالتصاق بالتراب، وبأن تكون عداوتها لبني آدم عداوة أبدية، بحيث يكون ((القتل)) جوهر علاقتهما، والأرض التي خلق منها آدم ـ أي آدم في حالة التكون ـ لا يكون شجرها إلا شوكاً، وذلك كله يؤكد الطابع التفسيري التعليلي للقصة.
الملاحظة الرابعة تتعلق بتلك العلاقة التي تنشئها القصة بين ((حواء)) و ((الحية)). وهي علاقة تكاد تحدد علاقة العداء بين بني آدم والحية في أنها علاقة مع الذكور دون الإناث. وإذا كانت القصة لا تخوض في طبيعة تلك العلاقة تفصيلاً، فإنها تستدعي إلى الذهن بقايا المعتقدات الأسطورية القديمة من جهة، وتشير إلى بقايا هذه المعتقدات في التفكير الشعبي المعاصر من جهة أخرى. ولا تزال العلاقة الرمزية بين الحية وحواء تجد توظيفاً لها في مختلف مجالات التعبير الفني والأدبي، الأمر الذي يكشف عن توغلها في بنية ((اللا معقول)) بشكل عام.
وفي ختام ملاحظاتنا نقول إن حضور المعقول إلى جانب اللا معقول وسيطرته عليه هو الذي يجب أن يكون محل إعجابنا وتقديرنا لتراث الآباء. أما أن يؤدي الإعجاب غير المشروط والذي يصل إلى حد التقديس ـ إلى أن نجد تبريراً لكل ما هو غير معقول يجعلنا نقبله بوصفه معقولاً لمجرد أنه ورد إلينا في التراث ـ فهذا هو الجناية الحقيقية التي نرتكبها، لا ضدّ أنفسنا وواقعنا وحاضرنا فقط، بل ضد هذا التراث أساساً، وإذ نفعل ذلك نكون مثل الوريث الأحمق، أو الثري السفيه، كلاهما يبدد دون استثمار أو إضافة، فيبوء باللعنة ويقع في الخسران. ولكي نكون ورثة جديرين بتراثنا العريق والعظيم، فلابد لنا من أن نعمق ((المعقول)) ونحيل ((اللا معقول)) إلى دائرة دراسة ((الحفريات)).

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com