آفاق لحـواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الأسئلة الجديدة لحواء .. أين نحن منها؟
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* نصر أبو زيد
فيما العالم الآن مشغول بقضايا تتجاوز كثيراً مسائل تعليم المرأة وخروجها للعمل ومساواتها للرجل ومسؤوليتها الاجتماعية ككائن بشري مستقل، ليس قادراً فقط على المشاركة في اتخاذ القرار، بل قادراً على القيادة والإنجاز، وفيما بدأت المرأة تتحرر من مسألة المطالبة بنديتها للرجل، وتحاول التعبير عن هويتها ((المستقلة)) عن هوية ((الرجل))، والمساوية لها في نفس الوقت، ما زلنا نحن مشغولين بمسألة مدى كفاءة المرأة وأهليتها للتمتع بحق ((الطلاق))، أو لاعتلاء منصة ((القضاء))، أو مدى أهليتها للمشاركة الفعلية المستقلة في الحياة السياسية. ورغم أن عمر الحركة النسائية العربية يناهز قرناً من الزمان أو يزيد، ورغم أن المرأة تشغل منصب ((الوزارة)) في بعض الأقطار العربية، بالإضافة إلى اعتلاء المرأة منصة القضاء بالفعل في تونس والأردن واليمن وسوريا ولبنان، فإن الأمر يبدو في الخطاب العام في مصر الآن كما لو كنا نعيش بداية عصر النهضة.
لقد كان أمراً مفاجئاً أن تصدر إحدى محاكم الأحوال الشخصية المصرية حكماً يُلزم أستاذة جامعية متخصصة في بحوث الذَرَّة أن ترضخ لرغبة الزوج في الإنجاب، ولو على حساب التضحية بعملها البحثي ودورها التعليمي في الجامعة. وفي مبررات الحكم استند القاضي إلى ما تصوره هو مهمة المرأة، ودورها الأساسي الذي اختصره الحكم في الزواج والأمومة: ((إن الحياة الأسرية للزوجة تأتي في الأهمية الأولى)). وكانت الزوجة قد هجرت زوجها بعد زواج دام خمس سنوات بعد خلافهما على مسألة الإنجاب، حيث أصرت الزوجة على عدم الإنجاب خوفاً على الجنين من تأثير الأشعة والمواد الكيماوية التي تتعامل معها في المعمل. لم يدر بخلد القاضي أن اختلاف الزوجين حول مسألة ((الإنجاب)) لا يمكن حلها بحكم قضائي يطالب الزوجة بالإذعان، كما لو كانت كائناً بيولوجياً بلا إرادة أو اختيار. كان يمكن للقاضي أن يخير الزوجة بين تحقيق رغبة الزوج أو الطلاق، ونفس الأمر كان يمكن أن يوجه للزوج، لأن عقد الزواج ليس عقد إذعان. ليس مما يشغل بال القاضي الدور الذي تؤديه الأستاذة الجامعية في مجالي البحث والتعليم. ولا يؤرق القاضي وضع التخلف الذي يعانيه العالم الإسلامي اليوم في مجال المعرفة العلمية والتعليم. ويبدو أنه لم يتابع النقاش حول أزمة البحث العلمي في مصر، وهو النقاش الذي أثير أولاً في سياق زيارة الدكتور ((أحمد زويل)) لمصر والاحتفالات التي أقيمت لتكريمه بمناسبة حصوله على إحدى الجائز العلمية في الولايات المتحدة حيث يعمل، ثم احتدم في سياق التفجيرات النووية التي قامت بها كل من باكستان والهند، وتوالت سلسلة من المناقشات التي لم تلبث أن هدأت، ليدخل المتناقشون في دوائر أخرى من المناقشات.
لكن ماذا عن صلاحية المرأة لتكون قاضياً؟ حصيلة النقاش من جانب المؤيدين والمعارضين انه من حق المرأة أن تمارس دور القاضي كالرجل سواء بسواء. البعض يقف موقفاً وسطاً بين المتحمسين والرافضين، فيرى أن أهلية المرأة للقضاء تقاس على أهليتها للشهادة، وعلى ذلك يجيزون أن تتولى المرأة شؤون القضاء، ولكن في غير الجنايات (الحدود والقصاص). لكن الاعتماد على أقوال السلف يتم تبريره من جانب الرافضين والمتحفظين بحجج تستحضر الفروق ((الطبيعية)) بين المرأة والرجل بوصفها فروقاً أزلية أبدية، من مثل ((عاطفية)) المرأة و ((ضعفها)) مقابل (عقلانية)) الرجل و ((قوته))، أو من قبيل أن عمل المرأة في السلك النيابي ـ الممهد وظيفياً لاعتلاء منصة القضاء ـ يتطلب أحياناً الانتقال إلى مكان الجريمة في الأماكن البعيدة النائية في أوقات متباينة من الليل والنهار، الأمر الذي يمثل مشقة لا تتحملها المرأة من جهة، ويتعارض مع واجباتها الأسرية والعائلية من جهة أخرى.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com