آفاق لحـواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

القلق والمسؤولية .. هل أصبحا جزءاً من حياتنا؟
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* د. عون قاسم
من أبرز سمات المجتمع الحديث في عالمنا المعاصر، ازدياد حدة القلق بين الأفراد والجماعات. والقلق ليس شراً كله، فقد يكون في بعض جوانبه علامة من علامات الحيوية، ورمزاً للتطلع إلى عالم أفضل. وهذا الذي نشهده في مجتمعنا في هذا المجال يستحق التأمل، لأنه بقدر استثمارنا لظاهرة القلق وتوجيهها نحو البناء والتطوير يكون تقدمنا وارتقاؤنا. فإن الحياة في المجتمعات التقليدية المتوارثة التي يأخذها الخلف عن السلف في رتابة وعفوية لا تبعث في النفس قلقاً ولا تثير في عقول الناس اضطراباً، إذ كل شيء فيها وليد العادة المكرورة والعرف الموروث. ومن هنا يتحسر كثير من أهلنا على الفردوس الذي فقدوه منذ سنوات حين كانت الحياة وادعة هادئة.
وسر هذه الوداعة وراحة البال أن ضرورات الحياة كانت محدودة بحكم طبيعة المجتمع الرعوي الزراعي الذي كنّا نعيش فيه وأنه مجتمع موروث لا فضل لنا فيه ولا أجر غير أجر المناولة. إذ أننا نعيش حياتنا ونغادر هذه الدنيا فلا نترك في مجتمعنا أثراً بل نتركه كما تركه آباؤنا من قبلان. وهذه دائماً سمة المجتمعات الجامدة يعيش الناس فيها كما عاش أسلافهم ويذهبون كما ذهبوا دون أن يحدثوا في دورة الحياة هزة أو يبعثوا رعشة، ولذلك لا تتغير مظاهر الحياة وبالتالي لا تتغير عقول الناس وبالتالي لا تتغير أخلاقهم إلا في أضيق نطاق. ومن هنا كانت السعادة التي يحس بها الناس: سعادة الاسترخاء والخدر العقلي والاكتفاء بما تجود به الطبيعة دون كبير عناء.
وبما أن الحضارة هي ما يضيفه الانسان بجهده إلى الطبيعة، فإنها مقترنة دائماً بالمعاناة والمشقة، لأن الإنسان ينفلت فيها من أسر الطبيعة وضروراتها المحدودة، ويسعى إلى قهرها وتطويعها لبناء بيئته وبالتالي لبناء شخصيته. وما دام الإنسان قد بدأ يطور ويغير من بيئته الموروثة، فإن زمن الوداعة وراحة البال قد ولى إلى غير رجعة، لأنه يكون بذلك قد نزع نفسه من حنان الطبيعة ووصايتها على حياته واستقل بوجوده، وبذلك أصبح مسئولاً مسئولية مباشرة عن مصيره، فهو الذي يخلق ظروف بيئته الجديدة، وعليه تقع مسئولية تشكيل حياته بما يتلاءم وهذه الظروف الجديدة. وهذا هو سر القلق في كل المجتمعات المتحضرة. فهو الثمن الذي يدفعه الإنسان ثمناً لاستقلاله، وعربوناً لنيل حريته ومسئوليته عن بناء مستقبله. فالمسئولية هي أخص خصائص المجتمع المتحضر، إذ بمجرد انفلات المجتمع من قبضة الطبيعة تتغير العلاقات الاجتماعية. ومعنى ذلك إننا إذ نخطط لتطوير حياتنا الخارجية، يلزمنا أن نخطط لحياتنا الداخلية، ولا نكتفي بما يكتفي به البسطاء من أن تغيير الحياة المادية كفيل بتغيير حياة الناس الباطنية، دون أن نضمن أن هذا التغير سيكون إلى الأحسن.
خذ مثلاً هذا الذي نشاهده في حياتنا من مفارقات. فقد كان تماسك المجتمع التقليدي وعرفه العام، الذي يرسم للناس سلوكهم، ويضعهم في مواضعهم، هو الذي يوحد بين الناس، ويمثل قوة الدفاع في حياتهم. وبذهاب هذا المجتمع، وزوال هذه الرقابة الجماعية، انفرط عقد النظام، ولم يصبح من الممكن أن يكون هناك عرف واحد عام يلتزم به الناس لاختلافهم من جانب، ولصعوبة الاتفاق عليه في زمان تأكدت فيه فردية الناس. ولكن حياة الناس لا تستقيم لو اتبع كل فرد ذوقه الخاص، وفعل ما يحلو له، وإلا عمت الفوضى، وانتفت حياة المجتمع، والقانون وحده ليس كافياً لفرض هذه الرقابة الجماعية، إذ هو إلزام، وقهر خارجي، في حين كانت رقابة المجتمع في الماضي القريب شبيهة بالإلزام الداخلي الخفي، ومن هنا أصبحت الأمور غير واضحة تمام الوضوح، إذ أن الدولة بأجهزتها الحديثة ودواوينها، قد أصبحت تقوم في المجتمع بما كانت تقوم به الروح الجماعية في البيئات البدائية.
المواطنون، الذين تخلصوا من ارتباطهم الجماعي، وتأكدت فرديتهم، لا يشعرون حيال مجتمعهم الجديد بنفس شعورهم نحو مجتمعهم التقليدي، ومن هنا تتعمق روح الأنانية، وتبرز سلبيات الفردية، وتقل مراعاة الناس لمشاعر الآخرين، وتبدو فظاظة بعض الناس في تأكيدهم لذوقهم الخاص على حساب الآخرين، وقد أكدت الحياة السياسية منذ الاستقلال هذه النزعات الفردية، بحيث أصبح ديدن الناس الاهتمام بمصالحهم الشخصية، وتأكيد حقوقهم دون الاهتمام بأداء الواجب، الذي هو مقابل الحق. وتأكيد هذه الأنانية الفردية، والاهتمام بالحقوق دون الواجبات، يفسد الحياة الحضرية، التي لا يحكمها قانون سوى قانون المصلحة المشتركة، والتي هي سبيل المصلحة العامة، والتي تتطلب تنازلات في السلوك والآداب العامة أكثر مما تتطلبه الحياة التقليدية البسيطة، التي يعرف الناس فيها بعضهم بعضاً. فإن المدينة، التي يختلط فيها الحابل بالنابل، تحتاج منا إلى تضحيات كبيرة وصبر، ولذلك تظهر من كثير منا هذه النزوات الأنانية، حين نتسابق إلى المركبات العامة يدوس بعضنا بعضاً، أو نتبادل الشتائم فيما لا يستحق الشتم أن تعود الناس على التسامح والاعتذار.
ولو ترك للناس الحبل على الغارب لازداد الأمر سوءاً، لأن طبيعة التقدم الحضري تعقد حياة الناس للمعاناة التي يجدونها في كسب قوتهم وسكنهم وحياتهم عامة، مما يبعث على الاضطراب والقلق، وذلك يحتاج إلى تبصير الناس بطرق الخلاص عن طريق التربية والتعليم والتوجيه والتثقيف، دون أن يترك الأمر لاجتهاد الأشخاص، لأن ذلك مسئولية الدولة. ونستطيع أن نتصور مدى الكارثة التي ستحل بمجتمعنا لو تمعنا في هذا الذي يجري في منازلنا. فإن أطفالنا الذين يولدون في منازلنا ينشأون وهم غرباء عن حياة آبائهم لأن آباءهم ينتمون إلى المجتمع التقليدي، وبالتالي فإنهم لا ينتظرون منهم الهداية والتوجيه، خاصة والمشاكل التي يواجهونها مختلفة، وتحتاج إلى فهم وتدبر مما لا يستطيع الوفاء به معظم الآباء، ولذلك يفقد الآباء سيطرتهم على الأبناء، وبما أن الأب وليد المجتمع التقليدي والعرف الموروث، يعاني قضية في هذا المجتمع المجنون أكثر من ابنه المتعلم، فلا يستطيع تقديم النصح أو الإرشاد له. ولذلك يترك الأمر للأفراد الذين يتلقون هذه المعارف في المدارس، وهي معارف عقلية لا تعد الشاب في كثير من جوانبها للمواطنة بقدر ما تعده للمهنة. فتنشأ الأجيال منا غريبة عن العرف الذي منح مجتمعنا تماسكه، وعجزنا عن تطويره في حياتنا الجديدة، بحيث يصبح روح المواطنة. وتحقيق ذلك لنخلق الجيل الصالح الملتزم بوطنه وقيمه الإنسانية هو مهمتنا جميعاً.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com