* محمد عدنان سالم
المعارف تتراكم، وتنمو بالاجتهاد، يضيف إليها كل جيل بمقدار ما يتمتع به من قدرة على قراءة الرصيد الذي قدمته إليه الأجيال السابقة، ووعي لمكونات هذا الرصيد، وتحليل لها في ضوء مؤشرات الزمان والمكان، وإعادة تركيبها والإضافة عليها بما يصلح للحاضر وينير طريق الأحفاد في المستقبل.
إن توقف جيل من الأجيال عن مثل هذه القراءة يؤدي به إلى الجمود، والتقليد، ويقعد به عن مرتبة الاجتهاد والفعالية، ويتخلف به عن ركب الحضارة والتقدم، فيتجاوزه (التاريخ)، ويرمي به في سلة (المهملات).
و (باب الاجتهاد) لا ينفتح أو ينغلق بأمر ولا بفتوى، إنما يتحرك هذا الباب انفتاحاً أو انغلاقاً بمقدار (القراءة) والاطلاع على موارد الأدلة ومصادرها، ومعرفة السياق التاريخي والواقع، فالقارئ الذي يتوغل بقراءته إلى أعماق التاريخ، ويجول ببصره في رحاب الواقع لا يستطيع أحد، مهما انغمس في ربقة الآبائية والتقليد أن يمنعه من الاجتهاد وتقديم رؤى جديدة تستوعب الرؤى السالفة وتأخذ بأحسنها، ثم تضيف إليها. وهكذا تسنى لأسلافنا أن يصححوا مفاهيم أسلافهم ويطوروها ويضيفوا إليها جيلاً بعد جيل. ولو أنهم توقفوا طويلاً عن العطاء، لبعدت بنا الشقة، وانسلخنا عن جذورنا، ولانقطعت حبال التواصل بيننا وبين تراثنا، وتعطلت الشرائع.
إن الذين لا يقرؤون التاريخ والآداب والشرائع، ولا يطلعون على أحداث العالم، ومستجدات الأفكار، ولا يقارنون بينها، لا يمكن أن يزكو على أيديهم علم، ولا ينهض بهم اجتهاد أو يتحقق إبداع. وسوف يتجاوزهم التاريخ، ملقياً بهم في حاوية المهملات.
ـ تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم:
لقد كانت العقبات التي تحول بين أجدادك وإشباع رغبتهم بالقراءة هائلة، لكنهم تخطوها كلها بعزيمتهم وطموحهم .. كانت الكتب نادرة، تنسخ بالأيدي، وتكلف الكثير من المال، وكانت مبعثرة متباعدة في أصقاع الأرض، فحجوا إليها يبحثون عنها في كل مكان، وبذلوا فيها أغلى الأثمان، وها هي الكتب مبذولة من حولك، معروضة على رفوف المكتبات، متنوعة الأفكار والموضوعات، تتلألأ كالبستان يضم أنواع الزهور، تناديك لتقتطفي منها ما يحلو لك، فأقبلي عليها ولا تتردي.
إن مشكلتنا الأساسية هي في القراءة، فتحت سن القلم يُصنع مستقبل الأمم، ومستقبل الأفراد كذلك.
دأبك على القراءة سوف يوسع دائرة خبراتك، ويفتح لك أبواب الثقافة عريضة، خارج إطار مقاعد الدرس والجامعات، ويساعدك في حلّ مشكلاتك، وفي اتزانك الشخصي وطمأنينتك النفسية وتعايشك مع الآخرين، ويهذب مقاييس الذوق لديك، ويحقق لك إلى جانب العلم والثقافة كثيراً من المتعة والتسلية.
بادري إلى أي كتاب يستهويك، واعقدي العزم على تخصيص وقتٍ معين لقراءته، ينسجم مع ظروف عملك. فلسوف تجدين في نفسك من المتعة ما يدفعك إلى الاستزادة، وما يجعلك تندمين على الوقت الذي ضيعته دون قراءة، وتشفقي على الآخرين الذين لا يمارسون هوايتك الممتعة الغنية. إن فطرتك تدعوك إلى القراءة، لا إلى الهروب منها، وإهمال القراءة مناقض للفطرة، ربما ينجم عن الانغماس في مشاغل الحياة، أو في هوايات أقل جدوى، أو في متع رخيصة، فإذا عدتي إلى فطرتك في القراءة، وجدتي فيها من المتعة والفائدة ما لا توفره لك هواية أو عادة.
القراءة متعة عظيمة، بسعر رخيص بالمقارنة مع تكاليف الهوايات الأخرى، والقراءة لا تقيدك بزمان، ولا مكان، فأنت تستطيعين أن تقرأي وقتما تشاءين وأينما تريدين والقراءة نوع من رياضة العقل، إذا مارستها نشط لها عقلك واعتادها.
وهذه الكتب طوع بنانك، تدعوها فتقبل عليك، وتتركها فلا تشكو الهجران.
|