آفاق لحـواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

استبداد المرأة والنظام السياسي
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* تغاريد بيضون
وردت عند مونتسكيو العبارة التالية:
(كل أسرة خاصة يجب أن يسيطر عليها رسم الأسرة الكبرى التي تشمل عليها جميعاً وإذا وجد للشعب في مجموعه مبدأ فإنه يكون للأجزاء التي يتألف منها مبدأ أيضاً( منسجم تمام الانسجام، مع السمات العامة المكونة لنظام السياسي، وإذ تسعى الأسرة دون وعي منها للالتزام بما يتلاءم مع الأبعاد القانونية الرسمية، لابد أن تحيط بالأفراد الاستعدادات التلقائية الناجمة عن خط الدولة ونهجها العام، كأن تغذى عقد الخوف في الدولة الاستبدادية لتحل الصراحة وحب الفضيلة في البلاد ذات الأنظمة الديمقراطية والمتحررة.
والخوف في الحكومات المستبدة ينشأ من تلقاء نفسه بين الوعيد والعقاب والشرق في الملكيات يعزز بالعواطف.
ذلك لأن روح الاعتدال لابد أن تسود روح الأفراد عندما تسود روح المشترع فالخير السياسي كالخير الخلقي.
ولابد للقوانين الحديثة من أن تتبع القوانين السياسية وذلك لأنها وضعت في سبيل المجتمع دائماً.
والمرأة لابد أن تكون ظاهرة من الظواهر الاجتماعية القادرة على أن تعكس ما يسيطر على مجتمعاتها من عدل وحرية ومساواة.
((والحركة النسائية في كل تنوعها، تدعم وتشمل جميع أشكال التحرير، فالنساء العاملات المكافحات اللواتي يقدن صراع الطبقات يتجاوزنه ومجموعات النساء الكورسيكيات والنساء الجزائريات ونساء أميركا اللاتينية، كل في بلدهن يحملن على الشعور بحدود حركات التحرير، إذا لم تأخذ في الحساب، في مجال اكتساب الهوية الثقافية، مطالبة النساء بهويتهن ونداء الاستغاثة الصادر عن النساء المغتصبات أو عن عصبة حقوق الانسان.
فالقضية النسائية قضية سياسية، خاضعة لكل خصوصيات النظام القائم في منطقة من المناطق بقدر ما هي قضية اجتماعية وايديولوجية وتربوية.
لقد قضت ظروف كثيرة باحتلال المرأة مرتبة متدنية وصدف ألا يوكل إليها بأية رئاسية مهما بلغت محدوديتها وبساطتها باستثناء بعض الشواذات التي لا يمكن الاعتماد على نسبتها الضئيلة في تقرير واقع عام إضافة إلى الجهود الفردية التي طبعت نضالات هذا العدد المحدود من النساء اللواتي كسرن الطوق المعهود.
اتصل الرق المدني في مختلف العصور التي ازدهر فيها بالرق السياسي وأثبتت الأبحاث عمق الصلة القائمة بين عبودية الأفراد والديكتاتورية السياسية المعتمدة على الأنظمة الاستبدادية ((إن إعلان الاستقلال الأميركي بعد أن أكد بطريقة احتفالية مساواة جميع الكائنات الانسانية أمام الله، لم يلغ الرق، وهو مخالفة فاضحة للمبادئ وقد أطلق عليه بحياء اسم المؤسسة الخاصة، كذلك فإن الجمعية التأسيسية بعدما أعلنت أن جميع الرجال يولدون أحراراً ومتساوين في الحقوق صدقت ملكية مستعمري جزر ((الانتي)) للعبيد السود ولم تعترف للنساء بحق الملكية لأملاكهن ولا بحق التصويت ولا بحق ارتقاء الوظائف القيادية في أي مجال)).
وإذا انطلقنا من مبدأ يقر بأنه ((ليس لدى الشعوب البسيطة غير رق حقيقي لقيام نسائها وأولادها بالأعمال المنزلية ـ كما يقول مونتسكيو ـ .
لابد من أن نتساءل عن إمكانية سحب هذا المنظور على بعض الشعوب غير البسيطة وفي فترات متطورة من التصنيع والاقتصاد لاعتبار استخدام النساء في المنازل وجهاً وامتداداً لأحد أشكال الرق؟
((وفي منزلها يسحقها العبء ويصر الرجل على أن تبقى في ذلك الوضع ليظل ضامناً عدم تجاوزها على وظائفه وعلى ألقابه)).
ذاك هو واع المرأة في شطري الكرة الأرضية الغربي منها والشرقي. لقد قضت الأعراف الاجتماعية في جميع أنحاء العالم بالتزام المرأة منزلها وارتهان نفسها لخدمة الزوج ومتطلبات الأولاد وعلى هذا تم تركيز وجهة النظر الاجتماعية الذكورية ومنذ القديس بولس الذي ثبت التقليد الحاخامي الأكثر عداء للمرأة والذي قال: الرجل لم يخلق لأجل المرأة ولكن المرأة خلقت لأجل الرجل، إلى القديس توما الاكويني الذي جزم بأن المرأة بطبيعتها خاضعة للرجل لأن الرجل يتمتع بشكل أكثر وفرة ببصيرة العقل. وهكذا من جهة أخرى وكما تلاحظ ((فرانس كير)) كان مجرد صدى للقديس اغطينوس الذي كتب قبل عشرة قرون أنه من ضمن النظام الطبيعي عند بني الإنسان أن تكون النساء خاضعات للرجال والأولاد لأهلهم لأن من مقتضيات العدل أن يخضع العقل الأضعف للعقل الأقوى.
واستناداً إلى ذلك أحيطت المرأة بجميع الاستلابات الجسدية والنفسية فهل استطاعت منطلقات مونتسكيو الاشارة إلى ما يمكن أن يكون حالة عامة تجمع بين الشرق والغرب الأمر الذي نرى انعكاساته على المجالات الخلقية والسياسية.
ولا يقف الاستبداد في دول الشرق عند الحد المتعلق بالنساء ولكنه يشملهن كظاهرة من الجو العام الذي يجب أن نلتزم به.
((ويجب أن تكون السلطة مستبدة في آسية دائماً وذلك لأن العبودية إذا لم تكن متناهية فيها فإن أول ما يقع حدوث قسمة لا يمكن لطبيعة البلدان تحملها .. وتسود آسية روح عبودية لم تتركها قط فيتعذر أن تجد في جمع تواريخ هذا البلد علامة واحدة دالة على نفس حرة ولا تجد فيها غير بطولة العبودية.
وإذ تختلف دول أوروبا وأميركا عن تلك المميزات يصبح من حق أفرادها ونسائها فقط التمتع بالحرية.
لقد دحضت مواقف روادنا في القرن التاسع عشر باعتمادها على الحقائق التاريخية والتراثية دور الطبيعة الجغرافية في إخضاع النساء عندنا للذل والمهانة، كما أكدت عدم التعارض بين الإسلام كجوهر والمد الحضاري المتطور والحقيقة التي لابد من إبرازها على صعيد الخصائص في اجتذاب أنظار المستعمرين العاملين على إبقاء الخمول والقهر قاعدة سارية المفعول، والكلام عن أثر طبيعي جغرافي، محاولة أخرى تدخل في إطار الاستلاب الحضاري والفكري.
((لقد اعترف الإسلام للمرأة بوضعية حقوقية مانحاً إياها حقوقاً وواجبات، سمح لها بأن تحتفظ باسم أبيها بعد الزواج، ونالت شخصية قانونية ـ المهر أصبح ملكاً للزوجة وحدها، بحيث أصبح الزواج عقداً بين الزوج والمرأة بدلاً من أن يكون عقداً بين الزوج والوصي على الخطيبة تكون فيه المرأة موضوع البيع)).
لقد كتب الكثير عن العلاقات الاجتماعية في المشرق العربي وشوهت النماذج المقدمة في ألف ليلة وليلة مثلاً صورة المرأة الشرقية المتزنة، فمشكلة التاريخ أنه كتب من وجهة نظر الحكام لا المحكومين فجاء معبراً عن مصالح الطبقات الحاكمة ضد الأغلبية من الكادحين)). فأهملت الأسباب الحقيقية التي فرضت على المرأة الالتزام بمرتبة متدنية لأن القهر الواقع على المرأة من جانبين: جانب الدولة وجانب الزوج والأسرة الأبوية. من هنا يبدو من المستحيل الربط بين الواقع المتخلف والديانة الإسلامية كنتيجة ومقدمات فقد ابتلي المسلمون في أيام ضعفهم بسطوة الطامعين فيهم وعداوة القادرين عليهم فلا تعرف دولة من الدول الطاغية المتغلبة لم تفتح بلداً من بلدان المسلمين أو تدخله بالحيلة والمكيدة)).
إضافة إلى أنه لا يوجد أي معطى علمي طبيعي عن قصورها أو دونيتها، فإخضاعها كان عملية قهر تاريخية وحضارية، إنها أرخص وأقبح وجوه تقدم الإنسان وحضارته وثقافته)).
فلابد إذن من قاعدة فكرية تعمل على تحرير المرأة ومن ضمن القاعدة نفسها العاملة على تطوير المجتمع وتحديثه، خاصة وإن هناك تشابهاً كما اتضح بين أوضاع النساء في جميع أنحاء العالم من حيث هي نتاج قطاع أبوي ذكوري لا علاقة له بالتأثيرات الإقليمية.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com