* تغاريد بيضون
بعد التطورات الصناعية التي أصابت العالم وغيرت طبيعة العلاقات أصبح الموقف الحاسم للعامل الاقتصادي بسبب من تغيير مراكز القوى وتحويل الزمر الاجتماعية والمتسلطة من طبقة إلى طبقة أخرى، انضوت الفئات الكادحة والمظلومة تحت راية واحدة مؤلفة من قطاع النساء في جميع أنحاء العالم والعمال والفلاحين والمزارعين وربما صغار الموظفين وغدت قضية المرأة قضية مرتبطة بالأبعاد الإنتاجية والاقتصادية، إذ تعاظم ظلمها واستعبادها مع سيطرة رؤوس الأموال واشتدا الجشع وانتشار نظريات الرب بفضل تعدد الوسائل والاستفادة من العناصر الاجتماعية أو المادية المتباينة ونظراً لأنها طرف غير منتج وغير قادر اقتصادياً حرمت بنظر بعض الفقهاء من حق الطلاق، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في أمور الخلع وغيره مما يجيز لها في هذا المجال ما أجيز للرجل، بل رأينا أن موضوعاً كهذا الموضوع محط تجاهل من الأغلبية الذكورية، المتمسكة بزمام التوضيح النظري والقيادة الفكرية في أي مجتمع من المجتمعات، وإن يخالف ذلك أمور الدين، فإن ما فيه من دلالة كافية للإشارة إلى مواطن استغلال الحقيقية القائمة على تلذذ الرجال بماكسبهم وسعيهم الدائب لتحقيق أكبر انتصار ممكن على الجنس الآخر.
ألم تسمح الشريعة الإسلامية مثلاً بتعدد الزوجات، في حال أثبت الرجل فيه قدرة على تحمل الأعباء المادية المترتبة على ذلك.
وهل كان تعدد الزوجات من خواص الدين الإسلامي؟
لقد دلت القرائن المتعددة إن أمر تعدد الزوجات ارتبط عند أمم كثيرة، بعامل هام، هو القدرة المادية والقدرة المادية وحدها لا غير، لكن الدين الإسلامي الذي افترض شروطاً عدة لهذا التعدد، نظم تلك الظاهرة ولمت كن معه إلا للضرورة القصوى التي قد ينفذها الإنسان مع كرهه لها.
لكن المميزات الأساسية للثقافة الغربية القائمة على العنصرية واستغلال الضعيف ما زالت تتجه نحو تعميق الفوارق بين المرأة والرجل لحماية مصلحة فئة مستسلمة لأمر السلطة والزعامة ((فالثقافة الغربية المسيحية والأديان الذكورية الأخرى ليست أقل قهراً للمرأة بل أكثر قهراً من الإسلام)) والأصح القول أن الإسلام هو الدين الأول والشريعة الأسمى التي حققت عدالة عجزت عن تحقيقها أية شريعة أخرى.
والجدير ذكره في هذا المجال هو أن الرجل الذي يتفوق مرتبة على المرأة ودائماً ليس في أكثر الأحيان سيد نفسه، وإن كانت المرأة دائماً تليه مرتبة وفي جميع الحالات فإذا كان في القمة، نراها بعده مباشرة، وإن كان في الحضيض، نراها في مرتبة بعد الحضيض مباشرة، وهذا يقودنا إلى الاعتراف بأن الرجال بدورهم متفاوتون في درجاتهم ومراتبهم الإنسانية وفقاً للمقاييس المتحكمة بمجتمعاتهم وظروفهم الحياتية وانتمائهم إلى طائفة أو دين وإلى طبقة وإلى حزب محلي، أو اتجاه سياسي تقليدي وربما إلى حزب وطني ذي هموم قومية شاملة وهذا يقضي بأهمية كل ظاهرة على حدة وأثرها الفعال في تحديد مكانة الفرد بالنسبة لأقرانه أولاً وبالنسبة لتحديد مسلكه تجاه هؤلاء الأقران ثانياً.
فلابد للرجل الذي يخضع للإقطاعي ورب العمل خارج البيت، من أن يتمثل السلوك نفسه في التعامل مع الزوجة والأبناء داخل البيت، فإن الظلم إذ يتركز في النفس يصبح عادة متأصلة، على الأخص عندما يبدأ العنصر المتسلط بتذوق الإنجازات الشخصية الذاتية والأنانية التي توصل إليها.
كل ذلك يقودنا إلى الاعتراف بأن الظلم هو ظاهرة جماعية وليست فردية.
ولأن بيوتنا ليست سوى صورة حقيقية لمختلف المجالات الاجتماعية، والاقتصادية المسيطرة على الهيكلية العامة للدولة وللنظام، ولأن التجزيئية صفة بارزة ورسمة أساسية من سمات الأنظمة السياسية والاجتماعية التي تتعامل من خلالها بدا مجتمعنا عاجزاً عن ((تطبيق قوانينه العامة غلا باللجوء إلى تقسيم الإنسان الواحد إلى أجزاء مختلفة)).
فقد قسمنا الجنس البشري إلى فئة للاستهلاك وأخرى للإنتاج، ((الرجل للإنتاج والمرأة للاستهلاك)) له السيادة والرئاسة والتحكم بمطلق الأمور، وعليها الطاعة والإذعان تماماً كما نرى في المجتمع فئات تتحكم بالموازين الاقتصادية وأسعار السلع، وحقوق العمال والفلاحين وفئة أخرى تقبل وتذعن ((ألا تعكس هذه الحقيقة النتيجة الطبيعية لمجتمع قائم على الربح، ربح الأقلية التي تملك واستغلال الأكثرية التي لا تملك)).
والملاحظ أن الرجل المتمتع دائماً بدخل والمساهم دائماً في الإنتاج، هو في موقع أقوى مما تتمتع به المرأة التي فرض عليها الانحسار عن كل مساهمة فعلية وعملية. هذا ما حدد صلاحياتها وقيدها.
1 ـ هذا ما حدا بطرح قضية العمل على أنها واحدة من القضايا المساعدة على إقامة ميزان اقتصادي متمتع بفعالية على طريق تصحيح العلاقات الإنسانية تخفيف أبعاد الظلم اللاحقة بالفئات التي تقدم ذكرها.
وناقش الدارسون موقع المرأة من زاوية ما تلتزم به من أعمال يمكن أن تكون استهلاكية إذا تمت من قبل المرأة وداخل منزلها الخاص، وإنتاجية فيما لو تغيرت العناصر أو خرجت المرأة لتقوم بالأعمال نفسها خارج إطار العائلة.
فرأوا أن هذه الحال قد تكسب المرأة بعض المردود المادي من جراء عمل كان يستغرق منها ساعات النهار.
هذا الكسب الذي يحظى به الرجل داخل منزله، مؤمناً استقراراً مادياً وراحة جسدية يجعل منه صاحب مصلحة.
2 ـ تكون الأدوار العامة والطابع المسيطر في كل فترة من الفترات الزمنية أساساً فعالاً في تحديد سير الأمور، فكما امتدت عدوى التصنيع لتشمل أجزاء الكرة الأرضية قاطبة، امتدت الموجات الاستعمارية والأنظمة الرأسمالية عندما قويت شكيمتها في بعض الأقطار لتسيطر على أماكن أكثر اتساعاً وأكثر شمولاً.
3 ـ إن التحويل الذي أصاب القطاع النسائي جاعلاً منه طبقة لا تنفصم ولا تنفصل عن مجمل الطبقات صاحبة المصلحة في التغيير، دفع بالكثيرات لأن يشكلن نواة أو طليعة تنظيمية تطرح توازناً معيناً بين مجمل القضايا الاجتماعية الفقهية والإنسانية.
4 ـ إضافة إلى توسيع الدراسات التربوية والإنمائية التي ربطت ربطاً واضحاً بين المستويات الاقتصادية والأبعاد الفكرية والحضارية التي تمثلها أمة من الأمم.
5 ـ إن للتحركات والنشاطات الغربية الأثر الفعال في تشجيع حركة التحرر النسائي العربي.
6 ـ تصادف أو ربما نتج عن الفترة الصعبة التي يمر بها الوطن العربي على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والحضارية، ظهور تجمعات أو أشكال تجمعات نسائية جعلت من مهامها المساهمة في بعض الأعمال الوطنية وإن اتسمت بطابع إنساني كتمريض أو اجتماع أو محو أمية، وقد تحمل هذه الظاهرة تجسيداً أو تعبيراً عن المسؤولية القومية التي تشعر بها عديدات ممن التزمن بمحاولة المشاركة في وضع التصميم السياسي الذي يسعين للعيش في ظلاله، ويخلص المجتمع بكامله مما يحاط به من أغلال، ومما لا شك فيه أن إقامة التوازن ورؤية العلاقة الجدلية القائمة بوضوح بين البعد القومي والتحرك النسائي من ضمن استنهاض واستنفار مجمل الطاقات يحمل أكبر الأثر وأعظم الفائدة في كسر الطوق الذي فرضته أجيال الاستعمار البالية.
إذا تمكنا ربما من وضع بعض الملاحظات على الأسباب التي حتمت ظهور حركة إصلاح نسائي في هذه الفترة، ألا يتوجب علينا الوقوف على الأسباب التي جعلت من هذه النشاطات حركات على هذا المستوى من دون أن تتجاوزه إلى الأفضل؟؟
|