آفاق لحـواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

وحدة الواقع بين المرأة الشرقية والمرأة الغربية

* تغاريد بيضون
عندما حاول مفكرونا في القرن التاسع عشر إقامة مقارنة بين المرأة الغربية والمرأة العربية لم يكونوا في الحقيقة مشدوهين إلا ببعض الفئات الاجتماعية المتمركزة في المدن، والتي تحمل بعضاً من الثقافة والحضارة، دون أن تشمل تلك الثقافة والحضارة جميع الفئات الشعبية الأوروبية على الأخص وأن طبيعة الرحلات والبعثات حتمت على الأعضاء المشتركين فيها اتصالاً بأفضل المستويات بل بالنخبة الاجتماعية، فالهدف قام على الأخذ عن الغرب أفضل مظاهره، وهذا ما لم يتوفر إلا في أرقى الأوساط، ولا يعني ذلك، إطلاقاً انتفاء الظروف القاسية وعدم سيطرتها على أغلبية الزمر هناك.
أما أوضاعنا في الشرق وقد توالت علينا صنوف استعمارية مختلفة، فما زالت ترغمنا على أن نكون ضحية لزمر اجتماعية واقتصادية وسياسية أيضاً تبعاً للمنطقة التي يتواجد فيها أحدنا أفي الريف أم المدينة أم العمل أم المدرسة أم المكتب، وهذا ناتج عن الغبن الذي يتمتع به شرقنا وطموح الغرب المستميت في إقتناص هذا الغنى والسطو عليه: ((ثراء الدولة العربية لا يعود بالفائدة على أبنائها وإنما على أبناء الدول الاستعمارية الكبرى وإلى القلة القليلة الحاكمة داخل البلد العربي)).
الشيء الذي أغرقنا في مظاهر استغلالية متنوعة تضمن مصلحة الأجنبي عن طريق تجميع أموالنا العربية وخبراتنا في حضن الهيئات صاحبة النفوذ، فشوهت معاني الحرية وزادت حدة الفقر والجهل، وسعى أرباب العمل إلى الربح الأكبر في الوقت الأقل، وتسرب إلى داخل الوطن العربي، ما لا يمت إلى الحقيقة الأصيلة والثقافة الفكرية والروحية بصلة، وإنما يمثل السطح والمظاهر السخيفة الزائفة القائمة على ما يصل إلينا من صور مشوهة عن المنظور الغربي وما يخدم القشور البراقة، فغابت عن الأسواق مثلاً المجلات الثقافية والكتب العلمية التقنية على حساب ظهور مكثف وفاحش للإعلانات الجنسية المستغلة للمرأة والدعايات المتطرفة للمشروبات الروحية اللاأخلاقية، ولابد أن نلاحظ أنه كلما ازداد ارتباط أي قطر من الأقطار العربية بالرأسمالية الغربية كلما وجدناه يغرق ويزداد غرقاً في الموارد التجارية التي يسهل فيها ربح الأجنبي ويزداد ليتوصل إلى مستويات عالية وخيالية.
إن نظرية الربح السريع وتسلط الأنظمة الرأسمالية واحتكار رؤوس الأموال من قبل فرد واحد من أبناء الأمة كلها عوامل تؤخر عملية التحرير الحقيقية سواء أقصدنا بالتحرير تحرير الأوطان أم تحرير النفوس، وبين كليهما علاقة جدلية حتمية، ولابد أن تقل هذه العوامل في أي بلد ((بانتقاله من النظام الإقطاعي والرأسمالي إلى السير في طريق الاشتراكية ومحاولة وتحقيق العدالة الاجتماعية)).
ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن الدين الإسلامي كان أول وثيقة ركزت أسس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتوزيع المغانم والفرص بين الناس بشكل متساوٍ.
واستناداً عليه يمكن القول بأن تثقيف المرأة وتعليمها ومشاركتها في المجالات المهيأة لها لا يمكن أن يحقق ذاتية المرأة، ما دامت تستخدم من قبل الأجهزة الاستعمارية كسلعة تزيد من الأرباح والمواد الدعائية والإعلانية تماماً كما أنه لا يمكن إقامة العدالة الزوجية بين الزوجين، ما لم يشعر كل طفل فتاة كان أم ولداً أنه يعامل في منزل والديه على قدم المساواة، وما لم تتوجه المناهج التربوية وجهة ثقافية استراتيجية تخدم إقامة مجتمع صناعي متطور، يسمح للمرأة بالعمل إلى جانب الرجل في مختلف المجالات الفاعلة، ومسترشد بتعاليم الإسلام الحقيقية وسنته الصالحة.
إن ما لم يؤكد عليه روادنا في محاولاتهم الإصلاحية تلك هو عدم صلاحية المطالبة بعمل المرأة ومشاركتها قضايا الإنتاج، في حال بقيت النظم الاقتصادية القائمة تتحكم بالأحوال المعيشية الرابطة بين البشر ((فإزالة الاضطهاد سواء أكانت اقتصادية أم جنسية أم أخلاقية أم نفسية وخروج المرأة إلى العمل وحصولها على أجر مساوٍ لأجر الرجل لا يقود إلى حريتها الحقيقية مع بقاء النظام الأبوي الذي يخضع المرأة للرجل في ظل قوانين الزواج والطلاق. فنحن بحاجة إلى نظرة جديدة نعالج فيها قضايا الأحوال الشخصية لكي نؤدي الدور المطلوب ليس فقط على صعيد تحرير المرأة، إنما على صعيد تحرير الرجل من زيف التربية وتحرير الأولاد وأجيال المستقبل من أدوار لا علاقة لهم بتأثيراتها. ماذا يفي المرأة تقاضيها أجراً كأجر زوجها مع اضطرارها إلى تسليمه إياه في موعد أقصاه آخر كل شهر؟ وكيف تتقدم الأوطان إذا ربطنا أو حكمنا على نصفه بالشلل والسلبية؟ مبتعدين تماماً عما نصت عليه الشريعة ودعا إليه الإسلام؟ قد يلوح بسبب ذلك تساؤل في الأذهان ول عدم قيام حركات نسائية تحررية منذ بداية سيطرة العنصر الذكوري؟ في العالم العربي أو الإسلامي؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من الانطلاق من الأسباب الذاتية.
تقول الدكتورة سهير القلماوي: ((كان موقف المرأة وموقف رواد الإصلاح موقفاً فاتراً في منتصف القرن الماضي، وكانت المرأة لا تشكو في القانون أي ظلم ولكنها في العادات والعرف كانت مظلومة والحقيقة التي لابد من الاعتراف بها هي إن الديانة الإسلامية قدمت الكثير من العدالة الاجتماعية للمرأة قياساً بما كان يحدث قبل هذه الدعوة فلم يكن الشعور بالظلم أو الحاجة إلى تغيير الأوضاع مبلورة في أذهان الفئات النسائية ذلك إن وضع المرأة الشرقية أو المسلمة بوجه أدق لم يكن مما يبعث على سخط المرأة أو شعور بالظلم يحفزها أو يحفز المصلحين إلى تغيير أحوالها تغييراً عنيفاً لقد كان للإسلام الذي فرض باسمه كثير من الظلم على المرأة زوراً أكبر الفضل في عصمة المرأة المسلمة من الحركات العنيفة والثورات الشديدة لترفع عنها ظلم القرون.
وعندما نقيس بمنظورنا الحالي والحاضر مدى ما استغله الرجال في الآية القائلة (وللرجال عليهن درجة) وما حاولوا تأكيده من تكريس غير مشروع ولا صلة له بالدين لطابع التفوق الذكوري الأمر الذي غيب عن الأذهان المطالبة الفعلية بتعليم وإحقاق حقوق المرأة الشرعية والدينية في فترة ليست بعيدة على الإطلاق عن وأد البنات وتحقيرهن وإذلالهن، وبفضل ذلك اتضحت في أذهان المصلحين ببساطة وسهولة القدرة على التمييز بين الأصول الدينية التي فرضها الإسلام والأصول المقتبسة المزيفة الناجمة عن عوامل تهدف إلى الاحتكار والسيطرة، فالمصلحون كما رأينا حصروا مهمتهم بالفصل بين هذين المجالين، وقد يكون من غير الجائز أو من الصحيح جداً التزامنا تجاههم بهذا اللقب، فهم إصلاحيون وليسوا ثوريين، وربما هذا أقصى ما كانت تتطلبه أو تتحمله الظروف آنذاك.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com