|
* كلير ويكس
يشكو كثير من الناس ممن يتعرضون للانهيار العصبي لا من فقدان الثقة بالنفس فحسب، بل هم يشكون كذلك من أنهم يحسون ليسوا جزء من العالم من حولهم. وليس من غير المعتاد أن تسمع أحدهم يقول: (لا أتمكن من التواصل مع الآخرين. يبدو لي وكأنهم في عالم وأنا في عالم آخر. ومهما حاولت وبذلت من جهد، يبدو لي أن من المتعذر علي أن أتلمس طريقي إلى عالمهم تارة أخرى. هل أنا مصاب بمس من الجنون)!
حينما نركز بيأس على مشكلاتنا الخاصة بنا، فلا يعود من اليسير علينا أن نبدي اهتماماً معيناً. بما يقتنيه جار لنا من سيارة جديدة بل ان الحالة لتكون أشد صعوبة على شخص تعرض إلى انهيار عصبي أو يعاني منه. ان حالة تضييق الاهتمام الناتجة عن الانهيار هي التي تفضي إلى الإحساس بالانسحاب عن بقية العالم. وانه ليس من السهل على الفرد التواصل مع الناس إذا كان عقله وهو يحادثهم، يرتد بين لحظة وأخرى إلى داخل ذاته فينكفئ على نفسه. وكذلك الحال بالنسبة إلى الشخص الذي يعاني من انهيار عصبي، فإن عالم الاستبطان عنده المفعم بالمعاناة الحادة فلا يكون من الميسور عليه، وفي هذا الوضع النفسي بانشراح وابتهاج. ان المعاناة والمكابدة الاستبطانية هذه تسحبه من دنيا الحياة الاعتيادية وانه لن يشعر انه جزء من دنياه هذه مرة أخرى حتى يعود اهتمامه فيها وإليها ولا يعود متركزاً حول ذاته وداخل ذاته.
ان تخيل فقدان الصلة بالناس الآخرين يمكن أن يكون قوياً جداً بحيث يحمل بعض الأشخاص على الشكوى من أنهم لمي عودوا يشعرون بالمحبة لأولئك الذين اعتادوا على أن يحبوهم. بل انهم يفقدون الحب حتى لأطفالهم. يحسون وكأن فيهم فراغاً قد ضاعت فيه أحاسيسهم وانفعالاتهم. وعندما يكون هنا شخص يحس مثل هذا الإحساس فإنه يكون قد عقد إحساسه بواسطة الانسحاب والانكفاء على نفسه فأرهق طاقته إلى حد لا يعود قادراً على تحسس الانفعالات الطبيعية. فهو يحس بانفعالات مخيفة بصورة حادة جداً ولفترة جداً طويلة.
انه لمن الخطأ لمثل هذا الشخص أن يبحث عن الإحساس الاعتيادي وأن يحاول ابتساره قبل أوانه، ذ يتعين عليه أن يتروى لحين عودته وانه من غير شك عائد إليه. ذلك أن انفعالاته تبدو وكأنها تجمدت فعليه التريث حتى يذوب عنها انجمادها. ثمة امرأة معينة كانت شكت من أنها أحست بأنها افتقدت لمدة عدة أشهر التواصل مع زوجها وطفليها. وبعد معالجة لها استمرت حوالي ستة أسابيع بعيداً عن عائلتها، وكان زوجها وطفلاها على وشك زيارتها، فبدأت تقلق حول ما إذا كانت ستشعر بالحنان إليهم عند لقائها بهم. فأوضحت لها أنها بقلقها حول الأمر بهذا القدر إنما تكون قد عقدت المسألة وضخمتها. غذ كانت قد اعتقدت بأنها قد فقدت التواصل الفعلي بالأسرة مدة طويلة، وان عادة فقد الاتصال هذه قد ترسخت، وإنها كانت تخشى ألا تكون فترة الستة أسابيع كافية لتغيير حالتها، وإنها وبخاصة أنها كانت ترقب الموقف بقلق. وأقول في مثل هذا الموقف بالنسبة إلى تلك المرأة وقلت لها:
ينبغي عليها أن تكون مستعدة لأن تنتظر
وقتاً أكثر قليلاً، ويجب عليها ألا تطلب من
نفسها تقدماً لحالتها كل يوم خلال أيام زيارتهم لهم.
والحق أنها بتوفقها مع شيء من الانتظار أكثر والتريث فترة أطول، أنها بعملها هذا تكون قد حررت نفسها وخلصتها من كثير من التوتر والقلق وإنها ستدهش هي نفسها عندما تجد ذاتها وقد استعادت قوتها والتأم شمل الأسرة مرة أخرى تظلمهم السعادة بظلها.
ـ الغرابة المتخيلة في سلوك الآخرين:
نظراً إلى أن الشخص الذي يعاني من الانهيار العصبي ينسحب فينكفئ على ذاته، فهو قد يشعر كثيراً أنه خارج نطاق الأسرة إلى حد أن خياله يصور له المواقف الانفعالية السليمة بشكل مشوش فيضخم ما لا حاجة إلى تضخيمه. فالمرأة التي وصفنا حالتها قبل قليل، إلى جانب ظنها بأنها غير قادرة على التواصل مع عائلتها، فإنها كانت تتخيل أن طفليها لم يعودا يحبانها وإنهما تكون حالتهما أفضل بغيابها عنهما. ولو أني فسخت لها المجال الكثير وأتحت لها مزيداً من الوقت لأسقطت ذاتها في ضروب شتى من المواقف المستغربة.
لقد بينت لها أن ما تلقيه على سلوك الطفلين من ظلال لا يعكس إلا ما في نفسها. وان سلوكهما إنما كان يعكس سلوكها هي. إذ كانا يشعران بأنهما غريبان عنها نظراً إلى أنها كانت تتصرف بغرابة وذلك عن طريق ظهورها بمظهر محاسبتها وجعلهما يشعران انهما محاسبان على كل شيء يقولانه أو يعملانه. فموقفهما الغريب ذاك كان مسؤولاً عن سلوكهما الذي لم يعد يرضيها أو كما تتوهم ذلك لو أنها حملت نفسها على أن تكون تلك الأم الودودة الرؤوم، فتهيئ لهما وجباتهما من الطعام، وأن يكون حديثها إلى أصدقائها كما كان مألوفاً من قبل وأن يكون حديثاً اعتيادياً، ولو أنها امتنعت عن الدخول في تحليل مواقفهما منها وكيف بدءا يشعران نحوها وكيف يتصرفان إزاءها، لو أنها فعلت شيئاً من هذا، لاستقر وضعها نحو مع عرفانهما بالجميل لها ولتحولت حالتهما إلى حالة طفلين سويين اعتياديين كما كان عهدها بهما. ان هذا ما كانا تواقين إليه أكثر من أي شيء سواه.
ـ مغالاة في التواصل:
على النقيض من افتقاد التواصل، هناك بعض الأمهات المريضات مرضاً عصبياً يشكين من فرط حدبهن على أسرهن. فقد تقول إلى إحداهن مثلاً: (ليس من الانصاف في شيء أن يجعلوا الأم المريضة تشعر أو تحس بأن سعادة كل فرد في الأسرة وهناءته وقف عليها. ما الداعي إلى أن تنصب جهود الأم بجملتها في مجرى جعل كل واحد منهم سعيداً هانئاً؟ لماذا لا يغيرون الموقف فيجعلوني أنا أشعر بالسعادة وأحس بها؟ بالعجب، فحالما أمرض ينفرط عقدهم ويتبدد شملهم)!
الجواب جد بسيط. عندما تكون الأم في صحة جيدة فإنها الحزام الذي يشد أفراد الأسرة إلى بعضهم ويجعلها عائلة موثقة العرى. وحينما تمرض فإن هذا الحزام أو الرباط الوثيق يتراخى، فتحس الأسرة أنها قد تفككت أوصالها وتباعدت أطارفها فتبدأ كما كانت من قبل تتطلع إليها لتصحح المسار من جديد وتعيد ترتيب شؤون الأسرة كما اعتادت ترتيبها من قبل. ذلك لأن أياً من أفراد الأسرة منفردين أو مجتمعين، لا يخطر لهم على بال أن يحلوا محل الأم أو أن يأخذوا مكانها وهم لذلك لا يجهدون أنفسهم لتوثيق الرباط فيما بينهم. انهم فقط يمضون وقتهم في التنهدات والتحسرات بأشفاق منتظرين تلك اليد التي كانت تهدهد المهد في يوم ما ان تعود ثانية فتسرع بهدهدته من جديد.
ـ إياك والشك بأن الناس يتهامسون ضدك:
من السهل جداً أن يصبح الشخص المكابد للانهيار العصبي، وذلك بحكم انسحابه من العالم الخارجي وانكفاؤه على نفسه، حساساً وأن يكون متشككاً. ولعله يظن أحياناً أن أصدقاءه يتهامسون عليه، وإن كانوا حقاً يتكلمون أحياناً بشأنه. لكنهم يتحدثون من أجله وليس ضده. وذلك لما يلاحظنه عليه من مظهر متوتر أشعت غير مهندم ولا مرتب، وما يلحظونه منه من شرود فكري، وانهم قلقون عليه، ولذلك فعندما يعود ثانية إلى الغرفة التي كان قد غادرها لتوه، فمن المرجح والمحتمل أن ينقطع ما كان هناك من حديث جار فيتوقف على الفور.
أقول لك وأنصح: لا ترتبك، ولا تتساءل مع نفسك عن مثل هذه الأمور، ولا تضطرب بشأن ما تظنه غريباً أو مستغرباً في سلوك الآخرين تجاهك. تقبله بقضه وقضيضه. استهن به وحدث نفسك بالقول: (لا ينبغي أن أكون سخيفاً. وان كل شيء سيستقيم في حينه. ان الوقت كفيل بحله). وأؤكد لك انه سيحله لك.
عليك أن تتطلع وتنظر إلى أمام، انظر إلى سلام الشفاء واجعل الوقت يحملك إلى هناك.
لذلك:
تذكر، وأنت تسير في الطريق تتطلع في قرار
نفسك هل ستكون في يوم ما في هذا العالم
نفسه كسائر الناس، تذكر أنك
ستعود سيرتك الأولى وستكون
مثلهم حالما تجانب الاهتمام بما في عالك
النفسي الخاص بك من خوف.
لا تحاول أن تقسر الإحساس الطبيعي
بالعودة إليك قبل الأوان. دع الوقت يستحضره
لك ويستجلبه إليك.
إذا بدا لك ان الآخرين يتصرفون نحوك
بغرابة، فمارس الاستخفاف بمسلكهم
المستهجن ذاك.
|