*إيان ماكوان
في منتصف الستينات، عندما كنت سادس طالب يدرس الأدب الإنجليزي، كان من بين المقررات المهمة التي تناولناها بالبحث تلك الأثناء كتاب، المؤرخ والناقد الأدبي، إيان وات «نشأة الرواية». كان هذا الكتاب المتميز بالذكاء والشفافية العالية بمثابة الدليل الذي كشف لنا حقيقة مفادها أن الغالبية العظمى من قراء الرواية، في مرحلة مبكرة من ولادتها، كانت من الإناث.
لم تكن تلك النسوة، اللواتي تشكلن شريحة اجتماعية جديدة مؤلفة من سيدات المجتمع المرفهات، قادرات على المراهنة على إمكانية تطور هذا النوع الأدبي الجديد فحسب، ولكنهن كن إلى حد ما، قادرات على التأثير في محتواه.
كان أول نجاح أحرزته رواية القرن الثامن عشر قد تحقق على يد الروائي الإنجليزي، رتشاردسون 1689 ـ 1761، في روايته «كلاريسا». وهو ما قد تعود أسبابه إلى ذلك الغوص العميق في التفاصيل الدقيقة لما تنطوي عليه النفس الإنسانية من مشاعر وتقلبات.
وحسب ما يصرح به الأكاديمي والناقد والروائي، ديفيد لودغ، وهو من المصادر المتخصصة في هذا المجال، فإن من الواضح أن رواية رتشاردسون هي التجسيد المبكر والمتكامل للمشاعر الإنسانية الشخصية.
كنت مستغرقاً في التفكير في إيان وات قبل اليوم الذي توجهت فيه بصحبة ابني غريغ إلى الحديقة المجاورة لمنزلي بهدف توزيع جملة من الأعمال الروائية، كانت دار فنتاج قد أرسلت لي المجموعة الكاملة من سلسلتها إصدارات روائية كلاسيكية كانت قد أوشكت على إصدارها.
كانت كل واحدة من تلك الروايات موجودة بإصدارات أخرى ضمن الكتب التي كانت تضمها أرفف مكتبتي الشخصية، وبذا لم تجد الكتب الجديدة التي قررت التبرع بها مكاناً بينها.
كنا قد أضفنا إليها عدداً قليلاً من رواياتي القديمة ذات الأغلفة الورقية المنشورة في أميركا، وبعض النسخ الأخرى المطابقة للنسخ الأصلية. اخترقنا الحشود الغفيرة من مرتادي الحديقة الذين كانوا يتناولون طعامهم ساعة الغداء وهم يفترشون العشب. وفي أقل من خمس دقائق كانت 30 رواية قد نفدت.
كانت كل واحدة من أولئك النسوة الشابات ـ فعلياً كل من كانت تبدو لنا امرأة شابة من النسوة اللاتي قدر لنا أن نصادفهن ـ في قلب لندن ـ متلهفة وممتنة لنا لأننا وهبناها رواية. بعضهن كن تقلبن الكتب الكثيرة قبل اختيار ما يروقهن ثم تهمسن «هلا قرأت لنا هذا، هلا قرأت ذاك، أو هذا...». وأخريات كن تطلبن مني أن أعطيهن روايتين، أو حتى ثلاث.
غير أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للرجال. كانوا يقطبون حواجبهم في إشارة إلى الشك. وحتى عندما كنا نؤكد لهم أننا لسنا بحاجة إلى أموالهم، لم يكن ذلك ليبدو مقنعاً بالنسبة لهم. «كلا، كلا. لا أحتاج إلى هذه الكتب. أشكرك يا رفيقي، ولكنني لا أحتاج إليها فعلاً». وفي النهاية لم يتورط في اقتنائها إلا واحد من أولئك الذكور كان يبدو لنا ذو طبيعة حساسة.
وكما كان حال الناس مع رواية القرن الثامن عشر فهو لم يزل كذلك الآن مع رواية القرن الحادي والعشرين. يقول المتخصصون في علم النفس الإدراكي في آرائهم الباحثة في الطبيعة الأساسية للأمور أن النساء، مقارنة بالرجال، يعتمدن في أداء وظائفهن على درجة عالية من الانسجام فيما يتعلق بالفهم العاطفي للأمور.
أما الرواية ـ من وجهة النظر القائلة بأنها أكثر الأنواع الأدبية أنوثة ـ فهي تأتي متجاوبة مع مهارتهن البيولوجية المتعلقة بتقدير الأمور.
وعلى الرغم من إصرار العلوم الاجتماعية على أن ذلك يتوقف على شروط معينة. إلا أن المبررات ربما كانت أقل أهمية بالمقارنة بالحقائق نفسها. قراءات الكتب، تدني حركة الشراء، كلها أمور تشير إلى الشيء ذاته : عندما تتوقف النساء عن القراءة، ستموت الرواية.
|