آفاق لحـواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

لماذا أبعدت المرأة العربية عن العمل في ميدان النفط؟
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

كارول نخله
هل من الممكن أن يكون الذهب الأسود صديقاً للمرأة، كما هو حال الذهب الأبيض والماس والأحجار الكريمة؟
يتصدّر موضوع دور المرأة معظم الصحف المحلية والعالميّة ويشكّل محوراً أساسياً في مختلف المؤتمرات السياسية والاجتماعيّة. وفي المدة الأخيرة، تمّ التركيز على أهمية مشاركة المرأة العربية في كل المجالات الحيويّة كخطوة اساسية نحو تحقيق الديموقراطيّة في البلدان العربيّة. وهذا التغيير، اذا حصل، سيعكس تطوراً مهماً وتقدماً بارزاً في المجتمع العربي الذي لطالما عرف بأنه مجتمع ذكوري، حيث لم يُنظر الى المرأة في شكل جدي مثل الرجل ولم تحظ بالتأييد والدعم الكافيين للانخراط في مجالات العمل المختلفة. في الواقع، إن دور المرأة ووجودها في مجال العمل ضعيف وامتيازاتها قليلة بالنسبة الى الرجل في العالم العربي. لكن، اذا طبق ما يقال ويجادل به فستشهد البلدان العربية توسعاً لدور المرأة في المجتمع ومشاركة نسائية اكبر في الكثير من المجالات.
أحد الأسئلة المطروحة في هذا السياق وتركز عليه هذه السطور هو الآتي: هل سيكون مجال الطاقة، لا سيما النفط والغاز ركيزتا اقتصاد معظم البلدان العربية، مفتوح لهذه المشاركة؟ هل ستكون للمرأة العربية فرصة متساوية مع تلك التي يحصل عليها الرجل لأن تكون عضواً فعالا ًوصاحبة قرار في قطاع النفط؟
للإجابة يجب، اولاً، مراجعة متطلبات قطاع الطاقة لرؤية ما اذا كانت فرص العمل فيه تتوافر للمرأة.
ان قطاع النفط لا يرتكز فقط على التنقيب واستخراج النفط ثم نقله. فالعملية اكثر تعقيداً، اذ ان هنالك مراحل عدة وكل مرحلة تتطلب دراسات وكفايات مختلفة. وعلى سبيل المثال، قبل البدء بأي عملية فعلية، تبدأ الدولة بتحديد النظام الأنسب الذي ستتم في سياقه العمليات النفطية: هل سيكون الدور الأساسي للقطاع العام حيث تشارك الشركات الخاصة بهذه العمليات تحت «اشراف» الشركة الوطنية، مثلما يطبق حالياً في معظم البلدان العربية المنتجة للنفط؟ ام سيكون القطاع خاصاً حيث تعطى الشركات الخاصة الحرية الكاملة من دون خضوعها لأية علاقة بالشركة الوطنية مثلما يطبق في بريطانيا مثلاً؟ وهذا ليس بالقرار السهل وهو في الحقيقة يثير الكثير من الجدل. ولعل ابرز تجسيد لهذا الجدل هو الواقع الحالي لقطاع النفط في العراق والتساؤلات حول مستقبله.
ويرافق هذا القرار قرار آخر مواز بالأهمية، وهو تحديد النظام الضريبي الأمثل لتوقيع اتفاقية استثمار نفطية بحيث يحقق عوائد أعلى وبيئة مناسبة لشركات النفط الأجنبية، فالنظام الضريبي الذي يحكم الاستثمار في حقول النفط لا يؤثّر في أرباح الشركات فقط، وإنما يؤثّر في توقيت الإنتاج والتطوير. ومن هنا، فإن حكومات الدول المنتجة للنفط تواجه تحدّيات صعبة عندما تصمّم نظاماً ضريبياً يضمن حصّة عادلة للدولة من العائدات النفطية بينما يعطي حوافز كافية لتشجيع الاستثمار.
مثل هذه القرارات يتطلب دراسات عميقة ودقيقة وهو يسبق اي عملية تنقيب. ومن خلال هاتين المرحلتين فقط يمكن الاستنتاج بوضوح ان المجالات مفتوحة لأي فرد ذي قدرات تحليلية عميقة ورؤى بعيدة المدى سواء كان رجلاً ام امراة. ان قطاع النفط يقدم المدى الأوسع للفرص في أيّ مجال تقريباً: من الإقتصاد والسياسة والقانون إلى الهندسة والكثير من فروع العلم والتقنية والرياضيات. يكفي زيارة موقع شركة نفط على الإنترنت لرؤية هذا التنوع.
علاوة على ذلك، ومع تقدم التكنولوجيا التي بسطت العمليات كافة، بات حتى اكثر
المجالات التقنية كالهندسة يرتكز على استعمال الكومبيوتر اكثر من القيام بأعمال جسدية. اي باتت الطاقة الفكرية والقدرة التحليلية اهم من الطاقة الجسدية. ومن هذا المنطلق اصبح قطاع النفط موازياً للكثير من المجالات الأخرى ولا شيء يحد من دخول المرأة اليه. لذلك، بعد مراجعة متطلبات هذا القطاع وتحليلها، يتم الاستنتاج بأن للمرأة كل القدرات والكفايات اللازمة لدخول هذا القطاع.
ويبقى السؤال: هل ستفتح الأبواب لها؟ هل ستقبل المرأة كعضو فعال وصاحبة قرار في مجال لطالما عرف بكونه حصراً على الرجال من دون اعتبار لبلد او حضارة ما. هنا تكمن الصعوبة في الإجابة والتحدي الذي يواجهنا، وهو تجسيد تأكيدنا وإيماننا بضرورة مشاركة المرأة كخطوة اساسية نحو تطبيق الديموقراطية. إذا لم تمنح المرأة الفرصة للمشاركة في اتّخاذ القرارات، لن يكون هناك اي نضج ثقافي أو تطور إجتماعي.
خلال السنين الأخيرة بدأ حضور المرأة في مجال الطاقة ينمو، لا سيما في الشركات النفطية العالمية، لكنه ما زال محدوداً. اذ ما زال عدد الرجال يفوق بكثير عدد النساء، لا سيما على المستوى التقني وكذلك المستوى التنفيذي. على سبيل المثال تبلغ نسبة النساء على المستوى التنفيذي في شركات النفط فقط 6.4 في المئة. لكن هذه النسبة على رغم كونها متدنية جداً، فهي تظهر تحسناً حقيقياً مقارنة بما كانت عليه مشاركة النساء قبل عقد. فاليوم اكتسبت المرأة قدرة اكبر في السيطرة على حياتها واختيار مستقبلها المهني، وإن كانت في مجال تعتبر السيطرة فيه تقليديا للرجل. وعلى رغم تواضع هذه الظاهرة في مجال النفط، بدأت بعض النساء التحرك لتغيير هذا الواقع. في جنوب أفريقيا مثلاً، اتخذت النساء إجراءات منسّقة لتغيير الحال في بلادهن وشكّلن منظمة جديدة لتسهيل مشاركة المرأة في الأعمال التجارية في قطاعي النفط والغاز.
من الواجب إعطاء المرأة الفرص المناسبة وتوفير التدريب والدعم اللازمين لتشجيع مشاركتها في قطاع النفط. ان هذا القطاع، على رغم كونه قطاعاً استراتيجياً، لا يستثني المرأاة التي لطالما عرفت بقدرتها على القيام بالمهمات المختلفة والتعاون. لكن الأهم، يجب تجنب مقارنة المرأة بالرجل وتركيز تقويمنا لها على نتائجها وقدراتها وكذلك احترام كل مؤهلاتها. في الوقت ذاته على المرأة ان تثق بقدراتها وتبرع في تحقيق اهدافها من دون تقليد الرجل أو التركيز على تجاوزه. ومن الأهم ان تتقبل المرأة التحديات وتتحرر من الشعور بأنها ضحية للمجتمع، وان تتجنب البحث عن عناصر التمييز الجنسي، وإن وجدت، لأن مثل هذا الأمر يعوق تقدمها ويضعف حزمها.
متى اثبتت المرأة نفسها واتخذت المبادرة في تطوير مهاراتها ودخول مجالات متنوعة ستخفض الحواجز بل تنجلي حينما يشهد المجتمع حزم المرأة وجرأتها في لعب دور اساسي في ازدهار محيطها. وهكذا، ومرة ثانية، فإن كان الشعار الغالب ان الماس والذهب اعز أصدقاء المرأة، فحان الوقت لكي تبرهن المرأة ان الذهب الأسود، المصدر الاستراتيجي للطاقة، يمكن ان يكون صديقها ايضاً.
اما هؤلاء الذين يعارضون مشاركة المرأة ويستغربون اهتمامها، لا سيما في قطاع النفط فعليهم اعادة النظر ملياً وبطريقة موضوعية في وجهة نظرهم، بدءا من الإجابة عن السؤال البسيط الآتي: من خصّص عالم النفط للرجال؟
باحثة واستشارية في مجال النفط والطاقة.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com