مودي بيطار
نشطت الكاتبات البريطانيات منذ مطلع السنة، وأصدر بعضهن أكثر من كتاب كهلن دنمور التي صدرت لها رواية «بيت اليتامى» عن مطبعة فيغ تري في شباط (فبراير) الماضي ثم الجزء الثاني من رباعية للأطفال، «عقدة المد»، عن دار هاربر كولينز. نصف البليون الذي جمعته ج ك راولينغ من سلسلة هاري بوتر جعل أدب الأطفال محترماً لدى دور النشر خصوصاً إذا حفل بالسحر والمخلوقات غير البشرية. تسمي دنمور هذه المخلوقات «مير» أي «بحر» بالفرنسية وتجعلها تُبهر بالبشر وتشك بهم في الوقت نفسه. بطلا روايتها سافاير وشقيقها كونور طفلان يزداد اهتمامهما بالبحر وعالم الـ «مير» بعد غرق والدهما الذي لم يمت بل أسس أسرة جديدة معهم. تتناول دنمور بلغة رائقة وجذابة عذاب المراهقة ويقظة الأحاسيس الجسدية وهموم البيئة التي يزداد ثقلها على الوعي الغربي باطراد.
توسع دنمور في «بيت اليتامى» مساحة الأدب النسائي المتهم بالضيق باختيار فنلندا الواقعة تحت النير الروسي في أوائل القرن العشرين مكاناً للأحداث. ترسل إيفا الى بيت اليتامى بعد موت والدها الثوري الماركسي حيث تدرّب على خدمة المنازل. تشعر انها بدأت تستعيد نفسها عندما تعمل في بيت طبيب سويدي ليبرالي يعيش في الغابة ويصنع الأدوية من نباتها. يحب الطبيب الأرمل إيفا ابنة السادسة عشرة لكنه يعرف ان المراهقة المتمردة الهاجسة بالحرية لن تكون له فيساعدها على الهرب الى هلسنكي حيث يواجه صديق طفولتها لوري خطر التحول الى إرهابي. دنمور، التي كانت أولى الحائزات على جائزة أورانج المقتصرة على الأدب النسائي، تتناول في روايتها التاسعة العلاقة بين القومية والنظام الشمولي سواء كان فاشياً أو شيوعياً. تتساءل عن قدرة النساء على المشاركة في العنف وزهق الأرواح، ولا تراها ممكنة إلا بالتوصل الى طريقة تفكير تسمح لهن بذلك. عاشت دنمور سنتين في فنلندا حيث علّمت الانكليزية في أول عشريناتها، وفتنت بثلجها الطويل وصيفها القصير. روايتها الثالثة «فترة شتاء» نالت جائزة أورانج تناولت حب المحارم بين شابة وشقيقها أهملتهما والدتهما صغاراً. في «قلب ملتو» حكت قصة أم مدمنة على الكحول تخسر حضانة طفلها الوحيد. «الحصار» التي باعت مئة ألف نسخة عادت الى الحرب العالمية الثانية وكفاح شابة روسية ضد الجوع والصقيع للنجاة مع والدها المسن وشقيقها الطفل. دنمور، إحدى أبرز وأغزر كتّاب بريطانيا، تهجس بالحرب لخسارة والدتها شقيقين في الحرب العالمية الثانية، وتشكو اختلاف النظرة الى الكاتبات. أدب الرجال يلفت بالفكر المجرد والعقلانية لكن هذه تبدو غائبة من أدب النساء. «اعتبرت فرجينيا وولف حساسة، ولم يسجل لها زمنها غزارتها وصلابتها وثقافتها كما هو الحال اليوم».
جين هاريس
رواية جين هاريس الأولى «الملاحظات» تتناول أيضاً خادمة مراهقة في حقبة زمنية سابقة. بيسي إيرلندية تنتقل الى سكوتلندا، كالكاتبة، حيث تطلب منها سيدة القصر الكبير ان تدون أفكارها الحميمة في يوميات. «بماذا تفكرين؟» ترد الصبية. «كل حياتي لم يسألني أحد هذا السؤال». ابنة الخامسة عشرة عاشت أعماراً قبل أن تتجاوز الطفولة، ولها ماض حافل بالخبرة الجسدية. استعدت هاريس لكتابة روايتها بقراءة يوميات الخدم في القرن التاسع عشر لكنها ابتكرت بعض التعابير أيضاً. صدرت الرواية عن دار فابر وبيعت حقوق نشرها خارج بريطانيا عندما أنهت هاريس بضعة فصول منها لا الرواية كلها. تجمع واقع القرن التاسع عشر وتجعل الأشباح أحد حقائقه مع انها غير معجبة بها.
بدأت هاريس، 44 عاماً، الكتابة بالصدفة بعد أن تنقلت بين مهن عدة غير مجدية. كانت تعيش في البرتغال في غرفة بلا كتب أو تلفزيون. لم تملك المال لتتسلى فحوّلها اصدقاؤها القدامى الى كاتبة. كتبت قصتها الأولى عن صديق سابق أحب ارتداء ملابس النساء وأحست بمتعة تابعت معها الكتابة عن سائر الأصدقاء السابقين. نشرت قصصها في مجلات وانطولوجيا فعادت الى سكوتلندا كاتبة، وهي تحظى اليوم بشرف نادر. عندما صدرت روايتها في الربيع اختارتها سلسلة مكتبات ووترستونز الكبيرة كتاب الشهر وعرضتها في واجهاتها.
ليز جنسن
رواية ليز جنسن الأخيرة عن الخادمة والجنس والماضي أيضاً. «كتابي الصغير القذر عن الوقت المسروق» الصادرة عن دار بلومزبري تنتقل من كوبنهاغن في أواخر القرن التاسع عشر الى لندن اليوم. تتناول الكاتبة الدنماركية البريطانية عاهرة شابة تعاني الجوع والبرد وتعمل خادمة في مخبز. تجد آلة زمن في منزل صاحبته وتنتقل بواسطتها الى لندن في أوائل القرن العشرين لتجدها ملأى بالبدناء وتعجب خصوصاً من الملابس. عرفت جنسن بتنوع مادتها وجديتها في البحث قبل الشروع بالكتابة. في «طفل السفينة» قارنت بين نظرة ثلاثة قرون الى الحمل والأطفال، وسخرت في «آكل الورق» من حضارة الاستهلاك. في «جرائم حرب للبيت» تناولت الحرب العالمية الثانية، وعالجت في «حياة لوي دراكس التاسعة» طفلاً مضطرباً في حال غيبوبة. المخرج انطوني مانغيلا يحول الرواية النفسية الى فيلم، وقد تجد روايتها الأخيرة الكوميدية معجباً سينمائياً آخر. كل خمس سنوات تصدر هلن سمبسون مجموعة قصصية جديدة عن حياة النساء، وترفض مجدداً وصف أدب الكاتبات بـ «المنزلي». يمكن هذا ان يكون جدياً كغيره فـ «الناس يعيشون في غرف. إنها الحياة». صنعت اسمها بمجموعتها الثالثة «هاي، نعم، عش حياتك» التي كسرت الصمت حول تجربة الأمومة الجميلة المؤلمة في العام 2000. اختيرت في 1993 إحدى افضل الروائيات الواعدات بعد أن أصدرت مجموعة واحدة، لكنها لم تكتب رواية واحدة بعد. «كل ما أردت قوله قلته في القصص. أحب الصور المختصرة واختزال الأشياء».
هلن سمبسون
في مجموعتها الأخيرة «دستوري» الصادرة عن دار كيب تستمد سمبسون فنها من حياتها مجدداً وتقاطعه بالمشاغل الأخرى. تتطرق الى غلاظة الرجال في أكثر من قصة. في «إذا نجوت» يستغل توم عمله مراسلاً حربياً بالتظاهر انه متأثر من رؤية طفل جريح في بيلاروسيا لكي لا يضع كيس الفضلات خارجاً. يضجر من زواجه ويريد الخلاص بسرعة فيحاضر حول ضرورة إنهائه بسرعة وكرامة ومن دون تفاصيل. تتحرك القصة في اتجاه آخر عندما يصاب بالسرطان ويواجه النهاية في انعطافة جميلة غنية بالمفارقة والحياد في وقت واحد. في «باكراً ذات صباح» تفكر امرأة شابة بموجة الطلاق التي اكتسحت رفيقاتها بعد أن كبر الأطفال وغادروا البيت. لا يزال طفلها في التاسعة لكن رحلة النساء تبدو متعلقة بالحاجة إليهن والرغبة فيهن ثم نهاية ذلك. في «الباب» تجد امرأة نفسها عاجزة عن إظهار حزنها على عشيقها المتزوج بعد وفاته. وهي المرأة الأخرى التي سرقت حقاً شرعياً للزوجة، ولا يحق لها الحداد. تحس عقلها مثل مشعلة تتقافز الألسنة فيها كلما خطرت لها فكرة مقلقة، ولا تتعلم طريقة التعامل مع حزنها إلا عندما تسمع نصيحة حول معالجة خشب الباب الجديد.
|