آفاق لحـواء

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الحداثة..هل تجبر المرأة ان تعمل ضعف الرجل؟

احسان الامين
انتقلت الحداثة وتنتقل بسرعة إلى معظم بلاد العالم الثالث ، وللحداثة أوضاعها ومتطلّباتها الخاصة ، فحياة المدن الكبرى وأجواء العمل الصناعية تختلف عن الأجواء الريفية والحياة الزراعية .
ولا تقف آثار الحداثة على التكنولوجيا ووسائل النقل والاتصال ، وإنّما امتدّت بآثارها إلى أساليب الحياة وأنماط العيش وأشكال التعامل ، وحملت الموجة معها أيضاً تغييرات في الحياة الفردية والاجتماعية وحتى بناء الأسرة ودور المرأة وتربية الأطفال .
ولأنّ انتقال المجتمعات الغربية إلى حالة الحداثة كان تدريجياً ، أو أ نّه تمّ لعشرات من السنين مضت ، فإنّ الكثير من أزمات وإرهاصات هذا التحوّل والانتقال قد مرّ بها الغرب سابقاً ، ويعيش الآن ثلاثة أجيال من الناس برؤية متقاربة وواقع مشترك ، فإنّ الأسرة في الغرب قد لا تواجه ـ  من هذه الجهة ، لا من جهات أخرى  ـ تناقضاً كبيراً أو صراعاً داخلياً بين الآباء والأبناء ، أو بين البيت والمجتمع .
أمّا في دول العالم الثالث ، وشرقنا على الخصوص ، فإنّ موجات الحداثة وصلتها للتوّ ، وهي تحدث هزّات ، وأحياناً زلازل تعصف بالواقع الفردي والكيان الاجتماعي للأسرة والمجتمع ، وهي بارتجاجاتها قد تجعل طبقات المجتمع تصطك بعضها ببعض ، وربّما تتعاكس اتجاهاتها وتتضارب آراؤها بمقدار تمسّكها بمواقعها السابقة وتأثّرها بالحركات والتغيّرات الجديدة والمستحدثة .
ولذا فقد يعيش الأب معتصماً بالتراث متمسِّكاً بالعادات والتقاليد القديمة ، فيما يعايش الإبن صرعات الحداثة ويتلبّس بموضات العصر ، وهنا يبدأ الجدل الذي لا ينتهي إلاّ بقبول أحدهما للآخر ، ولكن الابن لا يستطيع الحياة بأنماط بالية ، ولا الأب يقدر على نزع جلده ، وإنّما ينتهي الجدل عندما يتّفقان على التعايش ويشتركان في رؤية موحّدة على أساس احترام «الآخر» وحقّه في الحياة بالطريقة التي يشاؤها وبالكيفية التي تلائم ذوقه واتجاهه .
أمّا على صعيد المرأة ، فإنّ للمرأة في عصر الحداثة دوراً هامّاً في الحياة العامّة ، تشترك فيها راضية أو مُكرهة ، في العمل الاقتصادي أو الاجتماعي ، العلمي أو العملي ، لأنّ الحياة متحرِّكة بسرعة في هذه المجتمعات ولا يمكنها أن تنتظر مَن يريد الرقود أو الاستراحة .
فالمجتمع في نموّ اقتصادي وربّما صراع اقتصادي ينسحق فيه الفقراء أو يتخلّفون عن ركب الحضارة إذا ما لم ينهضوا ويجدّوا ويعملوا من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية وتأمين مستقبل آمن ومكانة اجتماعية مرموقة لهم ولأبنائهم .
والمرأة تكتسب العلم وتكتشف طاقاتها وتتعرّف إلى إمكاناتها وتتطلّع إلى العمل والإبداع الذي يعطيها معنىً في الوجود ، تخدم به مسيرة الانسانية وتُساهم في دفع عجلة العلم والتقدّم .
وتتواضع المعايير الذاتية في تقييم المرأة لتبرز معايير موضوعية جديدة تعتمد على الموقع العلمي أو النتاج العملي أو الدور الاجتماعي للمرأة ومدى مساهمتها الفعّالة في بناء نفسها ومجتمعها .
وتشعر المرأة غير المتعلِّمة أو غير العاملة بتخلّف وقصور عن ركب المجتمع ، ممّا يدفعها باستمرار إلى زيادة علمها وتنمية ثقافتها وتطوير مواهبها .
وفي ظلِّ هذه الأجواء التي تصرف فيها المرأة ـ  إضافة إلى الرجل  ـ قسماً كبيراً من وقتها اليومي في طلب العلم أو العمل أو المشاركة في النشاطات الاجتماعية والسياسية، يرجع الزوج والزوجة إلى البيت وهما منهكان متعبان ، فمَن يقوم بمهام البيت ، ومَن ينهض بأعباء الأولاد ؟
وهنا تبرز أزمة حقيقية حين يعيش الزوجان حياة الحداثة ، ولكن يفكِّران أو يفكِّر أحدهما بعقلية المجتمعات السابقة .
فإنّ التفكير السابق يقضي بأن تتكلّف المرأة بشؤون المنزل ، وأن تقدِّم لزوجها وأولادها سـائر أنواع الطعـام ، وأن تسـتقبل الضـيوف وترحِّب بأقارب زوجها وأصدقائه الذين قد يقدمون إلى العاصمة لمتابعة شؤونهم ، ليحلّوا عدّة أيام ضيوفاً على عائلة يركض الأب فيها وراء لقمة العيش ، وتنهمك الأم في تحصيلها الدراسي أو عملها الوظيفي أو شؤونها الاجتماعية .
وإذا ما كانت الأفكار والتوقّعات كالماضي، فإنّ على المرأة أن تعمل ضعف الرجل، وأن تواصل الجهد ليل نهار لتسدّ فراغ غيابها عن البيت نهاراً بالعمل في ساعات فراغها والاقتطاع من أوقات راحتها ، وهذا ما يؤدِّي بسرعة إلى إنهاكها ، ويؤثِّر بالتالي على أعصابها وضعف قوّة تحمّلها ، وعلى عدم توفّر الوقت والمزاج اللاّزم للسعادة مع زوجها ، وهو ما يدفع الكثير من الرجال إلى السّهر خارج البيت ، مع شلّة من الأصدقاء ، أو في الملاهي والنوادي برفقة بعض النساء الغاويات .
وإذا لم يؤدِّ هذا الوضع إلى انهيار البيت من الداخل ، فإنّه على الأقل يؤدِّي إلى انهيار المرأة والتعجيل بهرمها ، وهو ما يُلاحظ على كثير من النساء العاملات .
كما إنّ لهذه الأوضاع تأثيرها المباشر على الأولاد ، الذين قلّما يجدون الأبوين مجتمعين ، أو يحظون بفرصة ممتعة مع الأم وهي مرتاحة البال والخاطر والقوى ، وقد تتعامل الأم مع أولادها بضيق دون سعة صدر ، فتنعكس على صحّة الأولاد النفسية وحتى على نموّهم الجسدي .
وقد تكون بعض هذه الأعراض مشتركة مع الوضع في الغرب ، إلاّ أنّ توفّر وسائل الراحة ، وأجهزة الطّبخ السريعة والأكلات الجاهزة ودور الحضانة والمدارس المجهّزة ووسائل النقل السريعة ... وغير ذلك ، يجعل أمور الحياة أيسَر والمتطلّبات متوفِّرة ، وأوقات الفراغ أكثر ممّا هو عليه في الدول النامية .
وأهم من ذلك ، أنّ محدودية النسل وقلّة عدد الأولاد وتعاون الأبوين وقلّة توقّعات كل منهما من الآخر ، يقلِّل بشكل كبير من الأعمال المطلوبة لإدارة الأسرة وتربية الأطفال ، آخذين بعين الاعتبار أ نّهم لا ينتظرون من أولادهم ما نريده من أولادنا من حيث التربية والسلوك .
أمّا في الشرق ، فإنّ عدم توفّر وسائل الراحة ، وطول الوقت المستهلك في الذهاب والإياب، وحجم الأعمال المطلوبة لإدارة الاُسر الكبيرة، والخدمات المتوقّعة تجاه الزوج والأقارب والضيوف ، وعدم دخول التكنـولوجيا بشكل واسع في الحياة التفصيلية اليومية عبر الأجهزة وشركات الخدمات ... وغيرها ، تكاد تجعل من حياة المرأة ، وهي تتعلّم وتعمل وترجع لتدير البيت ، كابوساً ثقيلاً تنوء تحت أعبائه التي لا تنتهي إلاّ لتبدأ من جديد ، لذا كان لا بدّ من إعادة النظر بشكل جدِّي في تكوين الأسرة ومنهج عملها والأفكار الحاكمة والمسيِّرة لها في مجتمعات الحداثة والمدن الكُبرى ، لنأخذ الحياة بيسر ونعيشها بسهولة وحيوية ... ومن العوامل التي تساهم في ذلك :
1 ـ تعاون الزوج مع الزوجة في إدارة شؤون البيت وتربية الأطفال .
2 ـ تقليل توقّعات الزوج من زوجته ضمن الحدود الشرعية والواقعية ، «فالمؤمن لا يُكلِّف ولا يُكلَّف» .
3 ـ تنظيم النسل وتحديد الأطفال ، فإنّ «قلّة العيال أحد اليسارين» .
4 ـ وضع برنامج منظّم وصحيح لأعمال البيت وشؤون الأسرة فـ  «التدبير نصف المعيشة» .
5 ـ عدم التكلّف في الطـعام والملبس ، والاعـتماد في أيام العمل على الوجـبات السريعة والجاهزة .
6 ـ الاستفادة من التكنولوجيا في تسهيل بعض الأعمال المنزلية كالطّبخ وغسل الملابس والصحون ... إلخ .
7 ـ تدريب الأولاد على القيام بشؤونهم والاعتماد على أنفسهم في الكثير من الأعمال .
8 ـ تحديد العلاقات ضمن الدائرة النافعة والواجبة للأسرة ، وعدم الاستهلاك في الدعوات والعلاقات الاجتماعية العامّة المستنفِدة للوقت والجهد والمال .
9 ـ انتخاب المرأة للعمل والوقت المناسب لظروفها العائلية .
10 ـ دعم الدولة والمجتمع وانبعاثهما لحلِّ مشاكل الأسر وتهيئة الأجواء المناسبة لتخفيف الأعباء عنهم ، كدور الحضانة ومجتمعات السكن المجهّزة بالخدمات الترفيهية القريبة وبمنتديات الأطفال ونوادي الشباب والجمعيات النسوية والأسواق ، وتوفير الحماية الأمنية اللاّزمة للعوائل والأطفال عند غياب الأبوين أو أحدهما ، وتحديث وسائل النقل ، والسّماح للنساء بالدراسة والعمل قريباً من السّكن ... وغير ذلك ممّا له الأثر الكبير في العيش بسلامة وأمان ورفاه وسعادة .
إنّ الكثير من المدن الشرقية الكبيرة ، ومنها بعض العواصم ، اتّسعت بشكل كبير ، وتعيش الحالة الصناعية والتجارية الحديثة ، ولكنّها تزاول الحياة بإمكانات بدائية ، حتى تكاد تكون كل منها أشبه بالقرية الكبيرة .
فلا الحـياة فيها كما في القرى الصغيرة الهادئة ، حيث العيـش فيها ممكن ومتيسِّر بأبسط الوسائل وأقلّ التكاليف ، ولا هي كما في المدن الصناعية والتجارية الكُبرى في الدول المتطـوِّرة ، حيث اتّسـعت فيها الخدمات وتطوّرت فيها الوسائل لتناسـب احتياجات الحـياة المعاصرة والتي توفِّر على الانسـان الكثـير من الجهد والوقت ، لتجعله يتحرّك بيسر ويحصل على متطلّباته بسهولة .
إنّ المشكلة تكون حينما نعيش نظامين متناقضين للحياة ، فنخسرهما معاً ، أمّا إذا ما  تمّ تطوير كل منهما ليتجانسا ويتناسـقا ويتلابسا متكاملين ، فيمكن لنا أن نحافظ على أخلاق المجـتمع وكماله في نفس الوقت الذي نعيش فيه حياة الحاضر بحداثته وجماله .

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com