|
احسان الامين
ونظرة إلى الأرقام التي وصلت إليها الاُمم المتحدة تبيِّن لنا الدور الكبير للمرأة في التنمية العالمية كواقع قائم ، ولكن نفس هذه الأرقام تبيِّن أيضاً أنّ العالم لا زال يظلم المرأة ولا يساويها في الحقـوق الاقتصادية وأجر العمل والاستمتاع بجهدها المبذول بنفس القدر مع الرجل ، بل هي تأخذ رغم تضحياتها الجسام نسبة ضئيلة لا تناسب ما تقدّمه ، إذ :
ـ تشكل النساء ثلث القوى العاملة رسمياً في العالم ولكنّهنّ يعملن بأعمال ذات أجر أقل ، وفي حالة تشابه العمل مع الرجال فهنّ يأخذن 70 % من أجر الرجال ، وهنّ عرضة للبطالة وانهاء العمل أكثر من الرجال .
ـ تولّد النساء نصف الانتاج العالمي للغذاء ، ولكنّهنّ نادراً ما يملكن الأراضي ويستفدن من القروض ويغفل دورهنّ في البرامج الزراعية .
ـ تقوم النساء بالدور الأكبر في الرعاية الصحّية للاُسرة ، وتقديم الخدمات الصحّية في المجتمع .
ـ رغم المشاريع الحكومية للنهوض بدور المرأة ورغم الدور الكبير للنساء ، ولكنّهنّ وبسبب التعلّم الأقل وقلّة الثقة بالنفس وكذلك الأعباء الثقيلة والأعمال الكثيرة المنوطة بهنّ ، فإنّ حضورهنّ في مراكز القرار ضعيف ومشاركتهنّ في ادارة اُمور البلاد لا يناسب دورهنّ بأيّ حال .
وهناك احصائية اُجريت عام 1980م تشير إلى أ نّه بالرغم من أنّ 67 % من ساعات العمل في العالم تتعلّق بالمرأة إلاّ أنّ 10 % فقط من الواردات تعود إليها ، ولا زالت نسبة الاُمّيات في النساء ضعف عدد الرجال ، وبالتالي فإنّ 1 % فقط من ممتلكات العالم في يد النساء() .
ولذا فنحن أمام عالم قائم تؤدي فيه النساء ـ رضينا أم أبينا ـ القسط الأكبر من الأعمال ويتحملن فيه من الجهد ضعف الجهد الذي يتحمله الرجال ولكن في الوقت نفسه لا يحظين إلاّ بأدنى الحقوق والامتيازات ولا يتقاضين إلاّ أدنى الاُجور ، ممّا تطلب تعديل برامج التنمية في العالم ووضع الخطط الاجتماعية والاقتصادية لرفع هذا الحيف ودفع هذا الظلم عن المرأة .
ولم يعد تعميم فكرة بقاء المرأة في البيت بالشيء المقبول والممكن لأسباب عديدة مرّت ، فإن مشاركة المرأة في العمل لا تعني دوماً خروجها من البيت إذ إنّ نسبة كبيرة من النسـاء يؤدّين العمـل الزراعي إلى جنب بيوتهـنّ ، وكثيراً منهنّ يعملن في الصناعات اليدوية والسجاد في بيوتهنّ وهو قطاع هام وحيوي من العمل ، إلى جانب الدور العظيم الذي تنهض به المرأة في البيت .
وقد يصل هذا الدور في الاُسرة الكبيرة إلى حجم يفوق دور المرأة في العمل ، من حيث الأهمّية وكذلك المنظور الاقتصادي ، وعندها تكون ادارة البيت مقدّمة على غيرها كما يكون عمل المرأة ضاراً بها وبمؤسّستها الاُولى وهي الاُسرة .
وقد تكون الظروف الميسرة ـ وحتّى العادية ـ لكثيرين تهيِّئ فرصة للمرأة للتفرّغ لادارة شؤون الاُسرة ، ولكن هذا لا يمنع المرأة من القيام بدور اجتماعي وسياسي في المجتمع وأن تشارك في النشاطات العامّة التي تدفع المجتمع نحو الأمام في عملية النهوض الاجتماعي والتقدّم الحضاري للبلد ، سواءً في المجالات التعليمية والثقافية أو مجالات تأهيل النساء وتوعيتهنّ ومكافحة الأمية ، أو حتّى في مجالات العمل البسيطة والهامة التي يمكن أن تؤديها المرأة في بيتها أو لساعات محدودة من خلال التعاونيات والهيئات الاجتماعية ومراكز العمل الصغيرة .
ولكنّ الأمر العاجل والضاغط في العالم هو ازالة صور التمييز في مجالات العمل ضدّ المرأة واعطاؤها حقّها المناسب ـ اُسوة بالرجال ـ إذا ما قامت بخدمات مشابهة ، وتوفير الظروف الاجتماعية والاقتصادية المناسبة لكي تستمتع بحقوقها التي تستحقّها بشكل عادل ومنصف .
والمسألة الاُخرى هي مراعاة وضع المرأة وظروفها الخاصّة بها تكوينياً واجتماعياً في حقول العمل .
فلا شك أنّ المرأة تختلف بيولوجياً عن الرجل وبالتالي يجب تجنيبها الأعمال الشاقة التي تضر بصحتها وتعرض سلامتها للخطر ، كما إنّ للمرأة وضعاً خاصاً إذ تمرّ بها العادة الشهرية ، وقد تكون في بعض الأيام غير قادرة على العمل ، لذا وجب مراعاة ظروفها الصحّية .
فقد ثبت أنّ الأعمال المتعبة أو ذات الضغط النفسي الكبير تقلل من ثقة المرأة بنفسها وتؤثِّر عليها بشكل سلبي() .
ونتيجة إلى أنّ المرأة ـ ولأكثر من سبب ـ لا زالت مستهدفة ومعرضة لخطر المزاحمة والأذى من قبل بعض الرجال كان من الواجب توفير الأمن والأجواء السليمة للنساء ليؤدين أعمالهنّ بعيداً عن أيّ أذىً وبطمأنينة كاملة ، وربّما يتطلّب ذلك ابتعاد النساء عن بعض الأعمال والأجواء المنعزلة وتوفير صالات عمل جماعية وغير ذلك .
كما إنّ البرامج يجب أن تراعي دور المرأة العظيم في ادارة البيت ، لا بخصوص الأعمال بل من الجانب الانساني والعاطفي وأهمّية ذلك في تأمين الاستقرار النفسي والاجتماعي للزوج والأولاد ، وبالتالي فانّ من الممكن توفير أجواء للعمل لا تضر بالبيت أو تقلل الأضرار إلى الحدّ الأدنى ، ومن ذلك :
1 ـ تهيئة مجالات عمل قريبة من السكن واعطاء فرصة للنساء للمرور على بيوتهنّ بشكل مناسب .
2 ـ وضع برامج عمل تقوم على الانتاج بدلاً من الوقت كمعيار للعمل بحيث يمكن للمرأة أن تعمل وقت ما وجدت فراغاً ، وأن تقسِّم ساعات العمل بما يناسبها وبما لا يتعارض مع مسؤولياتها البيتية .
3 ـ زيادة قطاع الصناعات والأعمال التي يمكن أداؤها داخل البيت أو في ورش عمل صغيرة ملحقة بالسكن ، ويمكن أن يشارك فيها جميع أبناء الاُسرة .
ومن المسائل الهامّة جداً رعاية دور الاُمومة عند المرأة ، والذي لا يمكن تعويضه ولا المساس به ، فإن وجود العالم واسـتمرار الحياة يتوقف على الحمل والانجاب عند المرأة ، وبالتالي فإنّه لا بدّ من توفير الظروف الصحّية المناسبة لها معنوياً ومادياً لكي تحمل النساء ويضعن أولادهنّ في سلامة من أنفسهنّ وأبنائهنّ .
ويتطلّب ذلك توفير اجازات العمل فترة الحمل ثمّ فترة الرضاعة والرجوع إلى الأطباء والمتخصصين لتحديد المدّة التي تحتاجها المرأة ، وضمان مستقبل عملها وتأمين احتياجاتها أثناء استراحات الحمل والرضاعة .
وقد يتطلّب أيضاً وضع خطط لتقليل ساعات العمل أو اعطاء استراحات بينية أو العمل بنصف دوام لاستمرار المرأة بدور الاُمومة وتربية الأبناء ليشبّوا أقوياء وصالحين نافعين للمجتمع ، ويجب أن يكون هذا الهدف في رأس برامج المجتمع ولا يفرّط به بأيّ حال ، لأنّ التفريط به يؤدي إلى دمار المجتمع وتفككه وفقدانه الطمأنينة والسعادة ، التي لا تعوضها زيادة الانتاج .
ومن الطبيعي أنّ فترة الحمل والرضاعة وكذلك الاُمومة التي تتطلّب صرف أوقات كبيرة محدودة لمرحلة معيّنة من العمر ، لا العمر كلّه ، ولا يمر جميع النساء بها ، كما إنّ العمل قد يكون في نفس الفترة التي يدرس فيها الأولاد في المدارس .
ويتطلّب أيضاً توفير فرص عمل وظروف مناسبة لاشتغال النساء غير المتزوجات ومنهنّ الأرامل والمطلّقات لحمايتهنّ اقتصادياً واجتماعياً ، وبالتالي عدم تعرضهنّ للأذى أو الابتزاز بسبب عوزهنّ الاقتصادي ، وكذلك ملء الفراغ والاستفادة من طاقاتهنّ لخدمة المجتمع .
ومن المسائل المهمّة التي يلحقها التعديل هو موضوع عمل المراة في البيت حيث يتطلّب مساعدة ومشاركة الرجال مع النساء في الاُمور البيتية وشؤون الأولاد ، ورغم أنّ المرأة هي صاحبة الاختصاص والبارعة في هذا الميدان ، إلاّ أنّ ذلك لا يعني عدم امكانيـة قيام الرجل ببعض الأعـباء وتوزيع الأوقات والأعمال بشكل يجعل الاُسرة متكاملة تنهض بمسؤولياتها على أحسن وجه .
جدير ذكره هنا أنّ الإسلام ورغم تشجيعه المرأة على القيام بأعمال البيت وعظيم ثواب هذه الأعمال إلاّ انّه لم يوجب أبداً على المرأة القيام بهذه الأعمال ، وأعطاها بعض الفقهاء الحق في أن تأخذ عليها أجراً أو تطلب من زوجها أن يستأجر من يقوم بتلك الأعمال . ()
وهذا الأمر لا يدعو لتفكك الاُسرة أو تذمر المرأة من تلك الأعمال وقد وعدها الإسلام الخير الكثير على ذلك حتّى رفع مرتبة أدائها إلى مستوى الجهاد ... ولكنّه في نفس الوقت مدعاة للرجال أن يعظموا المرأة ويجلّوها ويقدّروا زحماتها وتضحياتها الكبيرة وأنّ يساعدوها في شؤون بيتها ولا يثقلوا عليها بطلباتهم الكثيرة وتوقعاتهم المبالغة .
وقد رُوي أنّ الإمام علـيّاً (عليه السلام) كان كثـيراً ما يسـاعد فاطمة الزّهراء (عليها السلام) في شؤون بيتها وتربية أبنائها ، رغم انّه كان قد تعهد بمسؤوليات الاُسرة خارج البيت ، ورغم الأعباء العظام التي كان ينهض بها في دنيا الاسلام وقضايا المجتمع .
وإذا ما تمّ التعاون بين الرجل والمرأة في إدارة شؤون المنزل فإنّ الأعباء ستخف وأداء الأعمال سيسهل على الاثنين معاً ... إضافة إلى تحقيق نوع من العدالة ، والبيت هو الميدان الأوّل الذي يمتحن فيه الانسان في دينه ودنياه ، والمجال المقدم لكي يمثِّل الانسان فيه القيم الدينية والأخلاقية التي يتبناها ، وفي مقدّمة هذه جميعاً العدالة وتجنب الظلم والإجحاف .
وقد حمّل الاسلام الانسان المسؤوليّة عن نفسه وعن مجتمعه المحيط به ... الأقرب فالأقرب ، إذ يقول الرسول الكريم : «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» .
والاُسرة هي المجتمع الأصغر والحكومة المباشرة التي تمارس فيها القوانين وتبرز فيها الأفكار والمعايير ، والانسان محاسب عنها وهو مدعو قبل غيره لكي يمارس عمله ويباشر حكومته بعدالة ونزاهة وخلق وتسام وتعاون وتفان ، قال تعالى :
(يا أ يُّها الّذينَ آمَنوا قُوا أنفسكُم وأهليكُم ناراً وقودُها الناسُ والحجارةُ أُعِدَّت لِلكَافِرين ) . ( التحريم / 6 )
وليس من المنطقي أن يعيش زوجان حياتهما المعاصرة طبقاً لمتطلباتها الصعبة من الدراسة والعمل والمشاركة الاجتماعية والسياسية ... إلخ في الوقت الذي يتعامل الزوج ـ رغم ثقافته وموقعه الوظيفي ـ مع زوجته بروح عشائرية وأحكام اجتماعية سابقة ويتوقع منها اضافة لعملها خارج البيت أن تقدّم له مختلف الخدمات ... إذ يعودان منهكين من العمل يستريح هو وتعمل هي مرّةً اُخرى داخل البيت .
وإنّما يمكن جعل متطلباتنا في الحياة سهلة وبسيطة وتقليل توقعاتنا لتلائم الواقع ولكي نكون خـفيفين في حركتنا وخفيفين على غيرنا ... ويمكن توفير كثير من الخدمات اليوم بواسطة مراكز الخدمات أو الأجهزة المتطوّرة .
ويؤسفنا القول أنّ المرأة هي التي تنسحق وتضمحل قواها وتنهار أعصابها أمام توقعات وطلبات الرجـال ـ عديمي الانصاف ـ ، ولذا نجـد المرأة في الكثير من مجتمعاتنا الشرقية تقضي كهولتها وكبرها وربّما شبابها من تعب إلى نصب ومن مرض إلى مرض آخر .
|