|
* اسماعيل مظهر
يقولون: "المرأة لا تسعد ولا تسعد غيرها الا إذا كانت محكومة".
ولكن ما طبيعة ذلك الحكم، وما هو مداه، ولمن يكون الحكم؟ ذلك ما لم يبن عنه أولئك الذين يريدون أن يعموا على الحق بخطابياتهم، إذا كان المعنى المستفاد من أن المرأة لا تصلح إلا إذا كانت محكومة، أن يكون ذلك بالخضوع للقوانين، فانها والرجل سواسية من حيث ذلك. فان الرجل لا يسعد نفسه ولا يسعد غيره إلا إذا حكمه القانون، وسيرت خطاه الشرائع. أما أن يحاولوا بذلك القول أن يكون الحكم للرجل بمطلق ارادته الفردية، وأن تكون المرأة خاضعة لذلك الحكم بلا أى ضابط، فذلك نظام باد ومضى زمنه، فان زمن الارادات الفردية أصبح اليوم حديثاً يروى.
ينبغي أن ينظر في قضية المرأة نظرة واسعة شاملة، حتى يكون الحكم فيها ملائما لحاجات العصر مسايراً لمقتضى الحال. فان اللجوء الى خطابيات تقوم على مجرد آراء منقولة أو نصوص أريد بها الاشارة إلى حالات عابرة لا تلبث أن تزول عندما تزول بواعثها، أمر جد خطير. وكذلك لا ينبغي أن يؤخذ بما جرى عليه بعض القدماء من تأويلات كقولهم مثلاً ان الاسلام لم يبح للمرأة أن تخرج من بيتها الا لضرورة تاركين تعريف هذه الضرورة لصاحب القوامة عليها وهو الرجل، فأعطوا الرجل بذلك سلطة لا حد ولا ضابط لها. فله أن يأسرها أسراً طويلاً وله أن يقدر الضرورة التي تضطرها الى الخروج من بيتها بمحض هواه. ولا شك في أن كلمة الضرورة من الأشياء التي يمكن أن يضيق معناها أو يتسع بمحض الارادة، لا سيما وأن تقدير ذلك متروك الى شخص ذي مصلحة خاصة في تقدير معناه. وإذن يتراوح ذلك المعنى بين الشدة واللين بحسب الظروف التي تقوم بين من يريد أن ينتفع بالضرورة وبين من يقدر هذه الضرورة. وعلى الجملة فان كلمة الضرورة لم يقصد بها في السماح للمرأة بالخروج من البيت الا أن يكون لأحد طرفى الشركة في الزواج سلطة غير محدودة على حرية الطرف الآخر. على أن ذلك كله لا يمكن أن يكون ذا أثر في توجيه الحياة في عصرنا. هذا. فان الضرورات التي تحمل المرأة على الخروج من بيتها في عصرنا هذا ولا شك غير الضرورات التي كانت تحمل المرأة على مغادرة بيتها في الأزمان التي قيل فيها ذلك القول. ولكننا إلى جانب هذا نذهب الى أن شرط الضرورة في الاذن للمرأة بالخروج من بيتها لم يقصد به في الواقع الا أن تستعبد وأن تسلب حريتها. ولكن ذلك لم يصبح ممكنا في هذا الزمن، ولا نستطيع الا أن نقرر أن المرأة حرة في الخروج من بيتها، وأن أساس الحياة الصالحة أن يبادل الرجل المرأة ثقة بثقة، فلا يفرض أنها مخلوق مشكوك فيه، وأنه مخلوق مبرأ من كل نقص. إذاً الحض على أن تقر المرأة في بيتها فليس معناه أن تسجن فيه وأن تكون فيه رقيقة مسلوبة الحرية مسلوبة من كل معنى من معاني الحياة. ولكن معناه الصحيح أن البيت هو أقدس الأشياء، وانه السكن والمأوى، وانه صومعة السعادة والحب، وانه المصنع الذي تنشأ فيه وحدات الجمعية في المستقبل.
معناه أن البيت ينبغي أن يكون له المقام الأول والمكانة العليا. معناه أن لا تتسكعن في الأسواق، إذا لم يكن لكن حاجة تقضينها، أو متلمسا تلتمسنه. ونحن نعلم أن حياة المرأة في الجاهلية كانت حياة الفراغ والملل، على العكس من حياة المدنية الحاضرة، فقد زادت واجبات المرأة نحو بيتها وزوجها وأولادها، كما أن هذه الحياة الحديثة قد أحدثت نوعا من التخصص جديد فيما ينبغي أن يكون من شئون الرجل، وفيما ينبغي أن يكون من شئون المرأة.
لقد قسمت الاختصاصات في المدنية الحديثة، كما وزع العمل بين القائمين به، حتى أصبح ذلك طبعا ثابتاً للحياة الجديدة. فهل في مستطاع الرجل في هذه الحياة التي نحياها، أن يسعى لعيشه ثم يقوم بجميع واجبات المرأة في خارج البيت؟ هل في مستطاعه أن يرعى الأولاد في روضة الأطفال وأن يشترى لهم ما يلائم من الأطعمة والاكسية، وأن يقوم بما يجب لهم من رياضة العقل والبدن؟ هل في مستطاعه أن ينفق الوقت الذي يكسب فيه رزقه ورزق أولاده في شراء ما يلزم للبيت من مختلف الحاجات؟ إذن فكيف يقرن في بيوتهن وقد فتحت عليهن الحياة الجديدة ألوفا من الواجبات وضروباً من المهمات وعوالم من الضرورات لم تعرف منها المرأة في العصر القديم شيئا، ولا عركت منها أمرا.
وإذا كانت الحياة نفسها قد تطورت وانقلبت أوضاعها، فكيف يتخيل هؤلاء الذين يريدون أن تسجن المرأة في البيت، أن يوفقوا بين حاجات الحياة الآن، وبين تلك الخيالات التي تساورهم؟ أفي مستطاعهم أن يرجعوا الحياة الإنسانية الى ما كانت عليه قبل عشرين قرنا من الزمان؟ إذا كان ذلك في مستطاعهم فليفعلوا، وهنالك تكون شريعة الآداب قاضية على المرأة أن تقر في البيت، وعلى الرجل أن يعيش عيش الغزو والصيد والقنص، والا فلسنا نطالبهم بشيء أكثر من أن يدركوا بعضاً من حقائق الحياة.
ان المعنى الذي يستخلصه أصحاب الرجعية من حض المرأة على أن تقر في البيت، معنى غامض كل الغموض في هذا العصر. وبالرغم من ذلك الغموض الذي يكتنفه، فانهم لا يريدون أن يفسروه حتى تتحدد المعانى القائمة في نفوسهم منه.
أما اذا أرادوا أن تكون المرأة سجينة البيت، فكيف يوفقون بين هذا المعنى وبين حاجات الحياة العصرية؟ واذا أرادوا أن يكون تفسيره أن تقر المرأة في البيت اذا لم يكن لها ما يشغلها في خارجه، فذلك هو الواقع في حياتنا الحديثة؟ أما أن يتخذ الحض على أن تقر المرأة في البيت على ظاهره من غير أن يفسر تفسيرا يلائم حاجات الحياة العصرية، فذلك أمر هو فوت قدرتهم، بل أن الزمن قد محاه محوا وحطمه تحطيماً، حتى لقد يظهر استمساكهم به كأنه الرقعة البالية في الثوب الجديد الذي يروقك حسنه.
وكيف يوفقون بين هذا وبين الحض على تعليم المرأة واختلاط الفتيات بالفتيان في دور العلم؟ بل نسائلهم لماذا يعلمون بناتهم؟
لقد غزت المرأة كثيرا من ميادين الحياة، وزاحمت الرجل فيها بالمنكب والذراع. أصبحت المحامى المدره والطبيب النطاسي والمعلم الماهر والفنان الموهوب والمربي العطوف والممرض الحنون والتاجر اللبق، فكيف نطبق على حياة هذه صبغتها، صبغة حياة أولية بدائية، بسيطة التركيب، لا تعقيد فيها ولا توزيع لاختصاصات العمل؟ أم نريد أن نهدم كيان المجتمع الجديد استجابة لتصورات هي وليدة عصر باد، وعهد غبر؟ وما أثمن قول القائل: "لا تطبعوا أولادكم على أخلاقكم فانهم مخلوقون لزمان غير زمانكم".
|