تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

في طفولتي: رؤية سويدية للسيرة الذاتية العربية!
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* للفنان: بينين
في طفولتي كتاب صدر حديثا عن المشروع القومي للترجمة، هو وأطروحة الباحث السويدي 'تيتز ووكي' التي نال بها درجة الدكتوراة من جامعة ستوكهولم عن الأدب العربي عام 1997، وقام بترجمته علي هذا النحو الرفيع 'طلعت الشايب' الذي قدٌم للمكتبة العربية عددا من أهم الكتب الغربية، أذكر منها مثالا لا حصرا: 'الحرب الباردة الثقافية'، 'صدام الحضارات'، 'فكرة الاضمحلال في التاريخ الغربي'، 'حدود حرية التعبير'، و'المثقفون'.. عدا العديد من الروايات المهمة والمجموعات الشعرية والقصصية في هذا الكتاب 'في طفولتي' In My Childhood غاص المؤلف السويدي في عمق التجربة العربية الأدبية بوصفها حقلا شديد الثراء والتنوع ليرصد ملامح طفولة عدد من الأدباء العرب مستلٌة من سيرهم الذاتية كما كتبتها أقلامهم، فيقدم لنا فوتوغرافيا تحليلية نفسية لطفولة عشرين مبدعا عربيا في تاريخ العرب الحديث منذ عام 1929 حتي عام .1988
يعتبرأدب السيرة الذاتية جنسا أدبيا واسع الانتشار في الأدب الغربي، بينما لازال لا يمثل كتلة واضحة المعالم في أدبنا العربي، ربما­ برأيي­ لأسباب تتعلق بسقف الحرية الإبداعية والفكرية التي يتحرك تحته القلم العربي حتي الآن، لأن هذا الجنس الأدبي تحديدا لا يقوم في المقام الأول علي تعرية الذات وتسليط الضوء عليها وحسب، بل علي كشف كامل لمرحلة زمنية بعينها قد تشمل جيلين، بكل مفرداتها من شخوصي وواقعي اجتماعيٌي وسياسيٌي وثقافيٌي وبيئيٌي. فأدب السيرة الذاتية­ وإن نجعتّ بالذاتية­ إلا أنه يشمل ضمنا حياة (الآخر)، والمحيط ومن وجهة نظري آنيةي أيضا، أي أن آليات الوعي الجديدة والمكتسبة للكاتب (الآنية لحظة الكتابة) هي العين الراصدة للماضي مما قد يشكٌِل لونا من الكشف الحميم لمنظومة كاملة قد تتجاوز الأنا الخاصة للكاتب صاحب السيرة لتتخطاه إلي الآخر سواء كان هذا الآخر ذاتا بشرية أو مجتمعا أو سلطة أو منهجا فكريا لبيئة وحيٌِز زمني بعينه وهذا في رأيي ما سبب انحساره في أدبنا العربي.
جريا علي نهج التخصص الدقيق الذي تبناه العلم في الزمن الحديث، يسلط الكتابج شعاعا كثيفا من الضوء علي مرحلة بعينها من حياة المبدع موضوع التطبيق، وهي مرحلة الطفولة، بوصفها أهم مراحل تكون الإنسان فكريا ونفسيا والتي فيها تتشكل البذور الأولي لرؤيته المستقبلية للعالم والوجود وبوصفها الإرهاصة الأولي لتشكٌل قلم المبدع فيما بعد. وهنا يقف الكتابج علي مساحة أكثر رحابة من مجرد كونه رصدا روائيا لحياة كاتب، بل يتجاوز هذه الأرض إلي ما يتماهي مع التحليل النفسي الدقيق للشخصية الإنسانية، انطلاقا من تعقدات واشتجارات الطفولة الأولي للمرء بوصفها مقدمات لتوالي. ويمكن اعتبار هذا التناول لمرحلة الطفولة في حياة شخصية عامة، جنسا أدبيا مستقلا وموازيا لأدب السيرة الذاتية الشهير.
***
يلمح الكتاب إلي وعي العرب القدامي بهذا اللون الأدبي واهتمامهم بتسجيل التراجم الشخصية لحياة المفكر والأديب والشاعر، مثلما ورد في نصوص ابن سينا وكتاب العِبّر لابن منقذ وغيرها، مما يناقض الزعم الغربي أن هذا الجنس الأدبي محضج اختراعي غربيٌي صافِ، ومن أشهر من تبني هذا الزعم 'جورج جاسدوف' الذي نفي وجود أدب سيرة ذاتية خارج نطاق الثقافة الأوروبية، بل ويجرجع وجودها في حضارات أخري كما عند المهاتما غاندي مثلا إلي الغرب أيضا الذي صدٌرها إلي بقية الجنس البشريٌ ذلك الذي ما كان لقدراته الذهنية أن تدرك هذا الوعي بتدوين الذات. ومما لاشك فيه أن تلك الرؤية المتطرفة ذات الطابع العرقي الكولينيالي، إنما تظلج محضّ رؤية فردية ناجمة عن عدم إطلاع وافي علي منجز الأدب العربي قديمه وحديثه.
تتصدر الكتاب مقدمة مهمٌة لأستاذ علم الجمال 'رمضان بسطاويسي'، يفند خلالها مفهوم لفظة 'الهوية' بالمعنيين الاصطلاحي والدلاليٌ قديما وحديثا، علي المستويين الذاتي والجماعي (هويٌة الفرد وهويٌة الوطن) وعبر المتغيرات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية وتحت مظلة العولمة المهيمنة علي الواقع العالمي الحديث. يرسم بسطاويسي بانوراما تشريحية لتطوٌر دلالة اللفظة تاريخيا. الهوية في مقابل الآخر، حيث يستحيل تحقق الذات وخلق هوية ما إلا عبر الآخر، فيما يحقق كيانا مكتملا أو منظومة حياتية ذات جسد وروح. وتناقش تلك المقدمة أزمة الهوية ووجوب ابتداع صيغة جديدة للهوية الذاتية تتناغم مع روح العصر وفي ذات الوقت نابتة من جذور الهوية الجماعية لا استيراد أو استعارة هوية جاهزة من الغرب مما يخلق مسخا شائه الملامح. ويشير بسطاويسي إلي تفاقم أزمة الهوية والقومية في العالم بأسره خاصة بعد أحداث سبتمبر الاخيرة والتي نرصد فيها محاولة القوة المهيمنة العالمية لخلق هوية استهلاكية فقيرة الاصالة والتفرد ويشير الكتاب الي أن رصد مرحلة الطفولة ملمح شائع في أدب السيرة الذاتية العربية مثلما يبين من معظم عناوين تلك الاعمال علي غرار 'طفل من القرية' 'أيام الطفولة'، 'رجوع الي الطفولة'، 'سفر التكوين' و'الايام' الجزء الاول لعميد الادب العربي.
***
يرصد الكتاب نماذجه التطبيقية في الفترة الزمنية ما بين عام 1929 حتي عام 1988، أما تاريخ البدء فمرهون بصدور 'أيام' طه حسين، حيث صدر جزؤها الاول عام 29 'الايام' كانت نقطة البدء للانطلاق، بوصفها أول سيرة ذاتية عربية حقيقية، بل ان الكثير من الكتاب قد ساروا علي درب 'طه حسين' محاولين تحقيق مثل النجاح الذي حققه كما يؤكد المؤلف، وأما توقيت النهاية لحيز الزمن المرصود فارتبط بتوقيت ظهور نص للكاتب اللبناني 'محمد قرة علي' بعنوان 'سطور في حياتي' يتوقف الكتاب اذا قبل العقد التسعيني من القرن الماضي، علي الرغم من ثراء التسعينيات بالكثير من ادب السيرة الذاتية العربية، الامر الذي جعل من الصعوبة بمكان تضمين ذلك العقد داخل متن الكتاب نظرا لزخم تلك الحقبة وثرائها بهذا الجنس الادبي، غير ان الكاتب قد ضمن معظم هذه الاعمال في حيز الاشارة.
أما الكتاب العشرون الذين تضمنهم الكتاب بالدرس والتحليل خلال تلك العقود الستة فقد قسمهم المؤلف الي ثلاث مجموعات أو أقسام حسب التراتب الزمني:
ستة كتاب يمثلون الجيل الاول من كتاب السيرة الذاتية، وهم من مواليد القرن التاسع عشر.
كتاب سبعة من مواليد بداية القرن الماضي وحتي عام 1920، وهم من مثلوا الجيل الثاني من منتجي السير الذاتية.
ثم الجيل الثالث، مواليد ما بعد عام 1920 ومازال معظمهم معاصرين.
ويعني هذا التقسيم الزمني أن هؤلاء الكتاب قد تزامنت طفولتهم مع انتهاء الامبراطورية العثمانية أو عاصرت الاستعمار، وأن انتاجهم الادبي قد شهد المجتمع العربي قبل الحديث أو باكورة المجتمع الحديث.، وهي مرحلة ، هذا الي جانب كونها مرحلة نضال سياسي غايته الاستقرار الوطني.
علي أن الشاهد أن تلك السير الذاتية قد تم رصدها بعين شاهدت نهاية القرن التاسع عشر أو بداية القرن العشرين، أي بعين ما بعد الاستعمار حيث مخروط الرؤية أكثر شمولية ورصدا للحقبة كاملة مما يسمح بمزيد من الرصد والتأمل الدقيق للحدث. هذا التوتر الناجم عن اشتباك الآنين 'آن القص وآن الخطاب' هو ما خلق تلك الدراما الفنية وأثري التجربة روائيا.
يتكون الكتاب من عشرة فصول، فيأتي الفصل الاول ليحدد أهداف السيرة الذاتية كأحد الاجناس الادبية التي تنقل للقاريء خبرة ثقافية وحياتية حية تمت صياغتها في قالب أدبي حيث يتوقف مدي التواصل بين النص والقاريء علي مدي قدرة هذا الاخير علي التقمص والتوحد الرمزي مع الكاتب مما يخلق خيطا من التواصل بين أفراد المجتمع ونقل الخبرات وحث المرء علي تأمل حياته والبحث عن المشتركات بين التجارب الانسانية. بينما يتناول الفصل الثاني تعريفا مفصلا للسيرة الذاتية، فيبين ان ثمة نوعين، الأول شمولي عام والآخر محدد ذاتي، فيما يأتي الفصل الرابع الذي حمل عنوان (التطور التاريخي) ليقدم ما يشبه الموسوعة المتخصصة أو المعجم التحليلي لكثير من المفردات التي كثيرا ما تلتبس في ذهن القاريء غير المتخصص لتقاطعها واشتباكها مع أدب السير الذاتية يتناول هذا الفصل الفروق بين مصطلحات من قبيل السيرة الذاتية Autobiography وسيرة الحياة Biography والترجمة الشخصية والذاتية، واليوميات Diaries، والمذكرات Memories وغيرها من اشكال الكتابة التي تندرج تحت ادب السيرة الذاتية كلون ادبي قائم بذاته.
***
ويرصد لنا المؤلف كذلك في هذا الفصل التطور التاريخي للسيرة الذاتية في الأدب العربي بعد ان يتتبع نشأة وتطور هذا المصطلح تاريخيا. يدرس الفصل الثالث العلاقة بين السيرة الذاتية والرواية حيث كثيرا ما تخرة السير الذاتية في عباءة الرواية بل وكثيرا ما يكتب هذا علي غلافها­ كما في 'الوسية' التي كتب علي غلافها الامامي رواية والخلفي مذكرات ودال المتن سيرة ذاتية­ حيث غالبا ما يلتقيان في الحبكة والسرد الروائي، غير ان الكاتب غالبا ما يميز مشروعه عن طريق ما يسمي بفضاء السيرة الذاتية، اي درجة صدق الكاتب مع تجربته الشخصية وهو ما يميزه القاريء بسهولة عن طريق مقارنة اسماء الشخوص مع واقع تاريخي معروف لديه . نري ان الرواية تعمد علي الصدق الرمزي او الخيالي بينما تعمد السيرة الذاتية علي صدق الكتابة الذاتية في الفصل الخامس يرصد المؤلف بعض النماذج التي كتب لها الاستمرار في الادب العربي مثل التراجم الشخصية وبعض النصوص التي تعبر عن تحول في المفهوم العربي لأدب السيرة الذاتية نتيجة التأثر بالكتابة الغربية ، فيقارن بين مدي وعمق تأثير التراث العربي التقليدي علي السيرة الذاتية العربية الحديثة من ناحية، وأثر الاعمال الغربية من ناحية اخري يتناول الفصل السادس ملمحا جديدا ميز السيرة العربية الحديثة وهو الاهتمام برصد مرحلة الطفولة التي غابت عن الكتابة الاوتوبيوجرافية الكلاسيكية، هذا الملمح نرصده ايضا في الاعمال الغربية ، وهذا ونلحظ غياب أو تغييب مرحلة المراهقة او تفتح الجسد عن معظم الاعمال . يتناول هذا الفصل ايضا بدايات الميلاد البيولوجي للكتاب او لحظة توهج الذاكرة الاولي او مايسميها 'كو' الضوء الاول للوعي اي نقطة وعي الطفل بالوجود والعالم بأبعاده المادية والاجتماعية. غير ان الانطلاق من لحظة الميلاد الفعلي او البيولوجي تظل الاكثر شيوعا بين كتاب السيرة الذاتية العربية، فيرصد المؤلف ثماني حالات من بين عشرين بدأوا بهذا المفتتح التقليدي يتناول الفصل الثامن 'أوطان متخيلة' الطفولة بوصفها مشاهد وصورا متخيلة شديدة الالتصاق بالمكان كأحد مفردات العمل الادبي. فالمكان الذي ينشأ فيه الطفل يتم رصده من خلال هذه العين الصغيرة التي يختلط فيها الواقع بالخيال بارتباك الابعاد بهوية الفرد وهوية المكان بينما يناقش الفصل التاسع الفقر كأحد اهم القيم التي تم رصدها في تلك الأعمال حيث ارتبطت الطفولة في معظم الحالات بظروف قاسية عاشها هؤلاء الكتاب. في حين تشترك معظم الأعمال في النهاية التقليدية مثل مشاهد الرحيل او الفراق.. يتناول الفصل العاشر من كتاب في طفولتي قيمة الحرية كهدف رئيس يصبو إلي أدب السيرة الذاتية من خلال الضلوع في صراعات مع ألوان السلطة بدءا بالسلطة الأبوية في أسرته الصغيرة بوصفها النواة الأولي للمجتمع المقبل للطفل. فالسلطة القمعية التي تسم معظم الاسر العربية سيما القديم منها والاشتباك في الصراع معها يعكس الحلم الجماعي بمجتمع اكثرحرية وأكثر مساواة، يحلل هذا الكتاب كل القيم السابقة وغيرها الكثير من خلال التطبيق الاكاديمي علي عشرين نموذجا من أدب السيرة الذاتية العربية منها:
'الأيام' لطه حسين بجزءيها الاول والثاني وبينهما فاصل زمني يمتد لعشر سنوات 1929 1939 قصة حياة للمازني 1943، 'طفل من القرية' لسيد قطب 1946، 'حياتي' لأحمد أمين 1950 52 ايام الطفولة لعبدالمجيد بن جلون 1968، 1957، 'سبعون' لميخائيل نعيمة 1959، 'سجن العمر' لتوفيق الحكيم 1964، 'علي الجسر' لبنت الشاطيء 1967، 'مذكرات جورجي زيدان' 1968 ، 'بقايا صور المستنقع' لحنا مينا 1975 77، معي لشوقي ضيف 1981، 'عينان علي الطريق' لعبدالله الطوخي 1981، الخبز الحافي، لمحمد شكري 1982، الوسية لخليل حسن خليلي 1983، لمحات من حياتي لنجيب الكيلاني 1985، رحلة صعبة رحلة جبلية، لفدوي طوقان 1985، البئر الاول لجبرا خليل جبرا 1987، سطور من حياتي لمحمد قرة علي .1988

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com