تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

حقوق المرأة بين الحكومات والبرلمانات
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* حسين العودات
استيقظ الضمير الذكوري فجأة في بعض البلدان العربية وبدأ الاعتراف ببعض حقوق المرأة، وشهدنا في الأشهر الأخيرة مبادرات مهمة في هذا المجال، منها قبول الحكومة المصرية مبدأ إعطاء أبناء وبنات المصريات الجنسية المصرية، واقتراح الحكومة الكويتية على مجلس الأمة إقرار مبدأ حق المرأة في الانتخاب والترشيح الى المجالس البلدية (دون المجلس التشريعي) وأخيراً اقتراح الملك محمد السادس على البرلمان الاعتراف ببعض حقوق المرأة المغربية، هذا فضلاً عما تسرب من شائعات حول إمكانية أن يفرج (جزئياً جداً) إسار المرأة السعودية، وأن تبدأ معاملتها بما يقود للاعتراف بآدميتها يوماً ما.
وعلى أي حال شهد عامنا هذا تصاعد المطالبة بحقوق المرأة في البلدان العربية، ونقاشات واقتراحات ومشاريع في هذا المجال وأخرى مضادة، ما يبشر ببعض الخير مهما كانت نتائجه.
نلاحظ في مجال هذا الحراك ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن مشاريع القوانين والقرارات والمقترحات التي تعترف ببعض حقوق المرأة تأتي من الحكومات وتقاوم بل وترفض أحياناً من البرلمانات، ففي الكويت قدمت الحكومة قبل عامين ونيف مشروع قانون للاعتراف بحق الانتخاب والترشيح للمرأة ورفض مجلس الأمة المشروع، وفي الأردن اقترحت الحكومة على المجلس النيابي مشروعاً يقونن الخلع ويرفع تخفيف العقوبات عن مرتكب جرائم الشرف ورفضها المجلس، وفي مصر تلكأ مجلس الشعب وتلجلج سنوات تجاه إقرار حق أبناء المصرية بالحصول على الجنسية إلى أن حسمها الرئيس مبارك بخطابه في مؤتمر الحزب الوطني الأخير، وهناك خشية من أن يعيق البرلمان المغربي إصدار القوانين التي اقترحها الملك أو يعدلها بما يفرغها من محتواها. ومهما يكن من امر فإن حكوماتنا تبدو أكثر تقدمية وليبرالية من مجالسنا التشريعية (في هذا المجال على الأقل) وهذا ما يندر مثيله في العالم من جهة وما لم نعهده في قضايا أخرى أكثر خطورة من جهة أخرى، ما يوحي بأن الأمر ليس جزءاً من استراتيجية اجتماعية تتعلق بالمرأة وإنما خطوات لتزيين قبح بعض الحكومات تحت شعار تأييد تحرر المرأة والحصول على حقوقها، وهي خطوات محمودة على أي حال.
الأمر الثاني: هو أننا شهدنا ونشهد دائماً أن رفض الاعتراف بحقوق المرأة يجد تبريره بالالتزام بالشريعة الإسلامية ويُمارَس تحت خيمتها، وعندما تطرح قضية المرأة يعيدوننا تلقائياً وفوراً إلى آراء أكثر الفقهاء تخلفاً وأشدهم تزمتاً حتى لو خالفوا جوهر الشريعة وصحيح الإسلام وسرعان ما يبرز في هذا المجال فقه أبي حامد الغزالي وأبي الأعلى المودودي واجتهاد ابن باز وحديث أبي بكرة (وهو حديث أحاد) حرم المرأة المسلمة من أن تشارك بالحياة العامة طوال أربعة عشر قرناً حتى الآن. وعندما يريد حكامنا أن يقروا أو يقرروا بعضاً من هذه الحقوق يتخذون قرارهم بشجاعة ويبررونه هذه المرة بآراء المتنورين من الفقهاء ويثمنون آراء واجتهادات محمد عبده وقاسم أمين ومحمود شلتوت ويوسف القرضاوي وغيرهم، ما يؤكد في الحالتين أن أحدا من الحكومات أو المجالس التشريعية لا يعني ما يقوله بشأن الشريعة وأنه يلجأ الى خيمة الدين التي تناسب رأيه ويوظفها لصالح هذا الرأي (أو المصالح) ويختار الجلوس في ظل خيمة الفقيه أو الفقهاء الذين يناسبه فقههم واجتهادهم لا في ظل جوهر الدين ولا أحكام الشريعة.
الأمر الثالث: هو أن ما اتخذ من قرارات لصالح حقوق المرأة وما قدم من اقتراحات ما هو إلا (فتات) من حقوقها لا يكفي للاعتراف بآدميتها فكيف بمساواتها بالرجل. فرغم كل هذه (الاعترافات بالحقوق) ما زالت المرأة في جميع البلدان العربية (ما عدا تونس) بحاجة إلى ولي لتتزوج أو تختار مسكنها أو تتنقل داخل البلاد أو خارجها (وقد يكون هذا الولي هو ابنها)، وما زالت لا تتساوى مع الرجل بالإرث والأجر وممارسة الحقوق السياسية (قانونياً أو فعلياً) ونسبة أميتها ضعف نسبة أمية الرجل، ونسبة عدد العاطلات عن العمل ضعف نسبة العاطلين، والعاملات بدون أجر خمسة أضعاف العاملين، ونسبة عضوات المجالس التشريعية لا تزيد على (5) في المتوسط العربي (وفي أفضل المجالس التشريعية العربية تصل إلى 10)، وما زالت محرومة من حق الانتخاب والترشيح في بلدان عربية عديدة، (وهذه مفارقة مضحكة مبكية، ففي الكويت مثلاً هناك سفيرات وأستاذات في الجامعة ومع ذلك لا يحق لهن الانتخاب فكيف بالترشيح)، وقبل هذا وذاك ما زال الطلاق حقا مطلقا للرجل ومن حقه أيضاً تعدد الزوجات بالمطلق غالباً (تضع بعض البلدان قيوداً هي أسهل من اللاقيود)، والأنكى أن موقف المجتمع قد يكون أشد عنتاً من موقف الحكومة أو المشرّع.
أشرت إلى نفاق حكامنا ومشرّعينا عندما يزعمون أنهم إنما يلتزمون بتعليمات الدين والشرع عندما يعارضون منح المرأة حقوقها، وفي الواقع لا علاقة للدين بما يزعمون، فجوهر الدين بريء مما يقررون ويمارسون، والاجتهادات موزعة بين ال(مع) وال(ضد)، ويمكن أخذ هذه أو تلك أو إتاحة الفرصة للفقهاء المعاصرين ليجتهدوا، والدين الإسلامي أباح ويبيح الاجتهاد إلى أقصى الحدود، وحتى الفقهاء المتزمتون أقروا بمشروعية (مصالح الأمة) و(المنافع) و(درء المفاسد) وغيرها. ثم إن الأمر الأهم في موضوع المرأة وهو قيامها بدور سياسي أو قضائي (أي ولايتها على الرجل) يعتمد على حديث أحاد أشرت إليه ذكره أبو بكرة بعد ثلاثة عشر عاماً من وفاة الرسول (ص) وخلال معركة الجمل، ما يجعله مشكوكاً في صحته كلياً وليس لدى الفقهاء غيره. مع أنهم يعلمون أن الرسول (ص) وأن عمر من بعده كلفا امرأة بالحسبة وسمياها محتسبة، وكان المحتسب في ذلك الوقت هو قائد الشرطة ومدير التموين والقاضي في آن واحد (وغير ذلك أيضاً أي أنه الدولة برمتها)، ويعلمون جميعاً أن الطبري وهو من خيرة مفسري القرآن والمؤرخين العرب أفتى بإمكانية أن تتولى المرأة القضاء. وعلى أي حال، فمسألة الولاية غير مبتوت بها ولها أكثر من وجه وهي الأساس المفسر للحقوق الأخرى. وليس موضوعنا الآن مناقشة موقف الدين من الولاية والوصاية والإرث وحقوق المرأة عامة.
حافظ الملك محمد السادس في مشروع قانونه على مبدأ تعدد الزوجات وحق الرجل في الطلاق (والجديد أنه وضع بعض الشروط) وأوصى بمواقف جديدة من الوصاية والتنقل وإدارة الأسرة وغيرها، لكنه أبقى أموراً كثيرة كما هي كالإرث مثلاً. وعلى أي حال، لا شك في أن مشروعه خطوة هامة إلى الأمام. وحاولت الحكومة الكويتية أن تعطي المرأة حق المشاركة في الانتخاب والترشيح للمجالس البلدية باعتبارها لا تشرع وبالتالي فليس للمرأة فيها ولاية، وهي بذلك تحاول الالتفاف على مجلس الأمة. ورغم تواضع هذا الأمر برمته فلا شك في أنه خطوة هامة نرجو أن يمررها مجلس الأمة، مثلما نرجو أن يعيد مجلس النواب الأردني النظر بموقفه من الخلع وجرائم الشرف.
إن ما يجب الانتباه إليه ليس فقط تقصير الحكومات أو المجالس التشريعية في الاعتراف بحقوق المرأة، بل رفض المجتمع (في الغالب الأعم) الاعتراف بهذه الحقوق، تارة بافتراض أنها مخالفة للشريعة وطوراً بافتراض أنها تهدد الأخلاق والقيم، ودائماً لأنها تلامس سطوة مجتمعاتنا الذكورية.
* كاتب سوري

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com