د . اماني ابو الفضل فرج
لعل اخطر ما يميز خطاب الجندر عن غيره من الخطابات النسوية حتى الراديكالي منها , هو تعامله مع المرأة على انها فرد , وذلك باخراجها من سياقها الاسري والاجتماعي على انها انسان منفرد في الارادة والنظام الحياتي والاهداف , بغير ما ارتباط بزوج او طفل او مجتمع كافة . وهذه الصورة الشاذة ليست سوى مرفوضة على مستوى المرأة , ولكن على مستوى الرجل ايضا , فكلاهما انسان , والانسان يعرف انه كائن اجتماعي اي لا يمكن ان يكتسب قيمته الا من خلال المجتمع الذي حوله من اسرة نووية وممتدة وجيران ورؤساء ومرؤسين .. الخ .
ان هذا المدخل المغرق في فرديته لم تشهده اعتى الفلسفات التي نادت بالحرية الفردية , حتى المذهب الوجودي , الذي نادى سارتر من خلاله باعلى درجات حرية الفرد , لم يخل من ارتباط الحرية بالمسؤلية , وكلمة المسؤلية تعني وجود اشخاص اخرين في حياة الفرد تكون المسؤلية تجاههم .
صحيح ان الاخر كائن غير مستحب في الفلسفة الوجودية , ولكنها اقرت بوجوده حتى على غير رغية منا – وأقرت بالمسؤلية تجاهه . ولكن فلسفة ( الجندر ) تعدت هذه المرحلة لتحول المجتمع الى افراد غير مرتبطين ولا تترتب حياة الواحد منهم على حياة الاخر , ولا تلتقي معها , او تحسب لها حسابا . وهو نموذج الفرد الغربي الذي نراه الان تجسيدا حيا لمأساة انسان عصر ما بعد الحداثة .. فيا ليت ناشطاتنا العربيات يتروين قليلا قبل الانبهار بمصطلحات رنانة ( المرأة الانسان ) و ( المرأة الانثى الفرد ) وغيرها , لم يعطينها حقها من سبر الاغوار والتقويم الصحيح , بل يسارعن برؤية قاصرة للانسياق ورائها .
واذا استعرضنا الرؤية الاسلامية في قضية حاجة الفرد رجلا كان او امرأة الى توازن كيانه الفردي مع كيانه الاجتماعي – ولعل هناك ايضا رؤا اخرى جديرة بالعرض – نجد ان الاسلام يكاد يكون النظام الوحيد الذي يعطي للمرأة حقا فرديا مطلقا في التعامل مع دخلها المالي سواء كان ارثا او مرتبا شهريا او مصدر دخل اخر دون تطفل من افراد اسرتها , فليس لاحد حتى زوجها او ابيها مشاركتها فيه , او سؤالها فيما تنفقه , ولكن هذه الارادة المنفردة تقترن في مواضع اخرى بالمسؤلية تجاه الاخرين , فلا يصح لها مثلا ان تتخذ قرارا بالانجاب او بمنع الانجاب , واتخاذ تدابير هذا العمل سرا بدون موافقة الزوج – ونلحظ ان هذا ينطبق على الزوج ايضا – وهكذا تسير حياة الرجال والنساء في توازن فريد بين ما هو فردي وما هو جماعي في حياتهم.
Balagh .com
|