د.احسان الأمين
شكّلت الأحاديث الموضوعة، أي المكذوبة المختلقة، مشكلة كبيرة في دراسة التراث الاسلامي عموماً ، والحديثي بصورة خاصّة ، وذلك لأنّ هذه الأحاديث بُنِيت عليها مبادئ ومعتقدات ، ورتّبت عليها آثار ونتائج على مستوى الفكر والفقه والنظم والأخلاق وبلغ الأمر حدّاً من الخطورة وصفه ابن الجوزي بقوله : «أنّ جماعة من الفقهاء يبنون على العلوم الموضوعة وكثيراً من القُصّاص يريدون الموضوعات ، وخلقاً من الزُّهّاد يتعبّدون بها»( ) ، مما جعل أمر دراستها ومتابعتها من الأهمّية بمكان وتتطلّب المزيد من البحث والاستقصاء .
وليس بغريب أن نجد في الموضوعات ملاذ كل طالب رأي أو مبتدع مذهب ، فقد وجد كل ذي قضيّة أو مدع ضالته في ما بين يديه من الأحاديث الموضوعة ، أو لجأ إلى ولوج هذا الباب الواسع ليضع له الوضّاع ما يلبي رغبته وينصر به دعوته ، فكانت الأسباب السياسية والدوافع المذهبية من أهم عوامل وأسباب وضع الحديث .
وليس هناك اختلاف في أصل وجود الموضوعات عند سائر الفرق والمذاهب ، ولكن ربّما اخـتلف في تشخيص هذه الموضوعات ، فقد كتب العلماء الكتب في استقصائها وجمعها ، كالموضوعات لابن الجوزي ، واللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي ، وغيرهما
من القدماء ، ومن المتأخرين سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني ، إلاّ أ نّه اختلف في صحّة الأحاديث المجموعة في هذه الكتب فربّما ناقش البعض في بعضها .
وقد ذكر العلماء قرائن لمعرفة الحديث الموضوع: منها إقرار واضعه ، أو قرينة في الراوي أو المرويّ، إذ وضعت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها .
قال الشيخ المفيد : «ومتى وجدنا حديثاً بما يخالفه الكتاب ولا يصح وفاقه له على حال أطرحناه لقضاء الكتاب بذلك وإجماع الأئمة عليه ، وكذلك إن وجدنا حديثاً يخالف أحكام العقول طرحناه لقضية العقول بفساده»( ) .
وقال ابن الجوزي : «ما أحسن قول القائل : إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأُصول فاعلم أ نّه موضوع»( ) .
وقد أصاب الحقيقة بقوله إذ حدّد معالم وقرائن الوضع بـ :
1 ـ مباينة العقل .
2 ـ مخالفة القرآن والسنّة (القطعيّة) .
3 ـ مناقضة الأُصول (الدينية المجمع عليها) .
أمّا وجود القدح في راوي الحديث وكونه كذّاباً أو يضع الحديث فإنّه يعتبر أحد دواعي الشك فيه ، فإذا اقترن ذلك بأحد العوامل المذكورة آنفاً كان مؤيِّداً ومؤكِّداً ، نعم لا يكفي كون الراوي ضعيفاً ردّ الحديث، فإن ضعف السند لا يعني عدم الصدور كما قيل في محلّه في علم الحديث ، نعم يؤكِّد الدليل إن كان في سنده مَن كان شغله الوضع والكذب ، أو اشتهر به وانفرد هو بنقل الحديث دون غيره .
وأمّا العادات والأعراف الاجتماعية : فبالرغم من أنّ الباحثين لم يعدّوها من مصادر وضع الحديث إلاّ أ نّنا وبالتقصّي في الأحاديث الموضوعة أو المتهمة بالوضع نجدها أحد مصادر الوضع ، وبيانه أنّ الناس ربّما أ لّفوا شيئاً أو ورثوه مما وصلهم من عادات وتقاليد منقولة من
الآباء والأجداد كأعراف وأفهام اجتماعية ، ثمّ بلغتهم أقوال متداولة أو أمثال شعبية متوارثة تتفق مع هذا الفهم الذي يحملونه أو ذلك المعتقد الذي ورثوه ، فتداول بعضهم تلك الأقوال والأمثال كأحاديث مأثورة تناقلوها حتى تسالموا على صدورها .
فالإشتهار ليس أمارة لصدق الحديث وصحّته ، ولعلّ كثيراً من المشتهرات لا أساس له ، وهذا ما حدا بعض العلماء كالحافظ السخاوي إلى تأليف كتاب في ذلك سمّـاه «المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة» أوضح فيه حال الأحاديث الواردة في كتب مَن ليس من أهل الحديث وما لا أصل له من تلك الأحاديث( ) .
وقد ورد في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تحذيره من ظاهرة نقل الحديث والقول عموماً دون تثبّت ، فقد روى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أ نّه قال : «كفى بالمرء كذباً أن يحدِّث بكل ما سمع»( ) .
ولا غريب في دخالة الفهم والعرف الاجتماعي في إيجاد الأرضيّة المناسبة لتقبّل الحديث الموضوع ، أو تقبّل بعض الأقوال المتداولة كخبر وحديث ، فإنّ الأفكار المسبقة لها دور كبير في تشكيل الفكر الانساني وأسلوب تعاطى الانسان مع ما حوله من ثقافات وأحداث .
ولعلّ قضيّة المرأة والموقف منها كان ولا زال من أهمّ الموضوعات التي يتدخّل فيها العرف والفهم الاجتماعي ، وقد ترتّبت على الموقف منها والنظرة إليها آراء بل معتقدات ومواقف وأحكام فقهية ، ولم يسلم من هذا التأثير بعض العلماء فضلاً عن عامّة الناس .
فهذا الإمام الزركشي في معرض حديثه عن علم التفسير ينقل عن الحسن البصري ، أحد سادات التابعين وكبرائهم (ت 110هـ ) قوله : «علم القرآن ذكر لا يعلمه إلاّ الذكور من الرجال»( ) .
ونقل القرطبي (ت 460هـ ) في معرض كلامه عن علم الحديث عن سلام أبو الهيثم ، قال : سمعت أبا بكر الهذلي يقول : قال لي الزهري : يا هذلي ! يعجبك الحديث ؟ قلت : نعم ، قال : أما إنّه يعجب ذكور الرجال ويكرهه مؤنثوهم .
ونقل عن المنصور قوله للمهدي : يا أبا عبدالله ! لا تجلس وقتاً إلاّ ومعك من أهل العلم مَن يحدِّثك ، فإن محمّد بن شهاب الزهري قال : الحديث ذَكَر ولا يحبّه إلاّ ذكور الرجال ، وصدق أخو زهرة( ) .
فانظر كيف حصروا العلم بالذكور ، دون الأُناث ، وكأنّ العلم مختص بهم دون غيرهم ، وكيف شكّك الفهم القبلي المتخلِّف في نظرته للمرأة خلفية عندهم حتى انسحب إلى فكرهم العلمي ومواقفهم العملية .
لذا لم يكن غريباً أن نجد بعض الأحاديث المرويّة في شأن المرأة نابعة من أُصول غير إسلامية ، إسرائيلية كانت أو جاهلية ، وتداولها الناس وتلقّوها بالقبول لأ نّهم تتفق مع ذوقهم الاجتماعي وفهمهم العرفي .
ولعلّ كثيراً من الروايات التي تنسب الشؤم إلى المرأة أو تعتبرها مركز الشرّ صدر من خلفيات متأثرة بالفكرة «الإسرائيلية» التي تعتبر المرأة صاحبة الخطيئة الكبرى التي أخرجت آدم من جنّته ، فيما تحمل روايات أخرى آثار النظرة الجاهلية المتعصبة إلى المرأة ، ويلمس فيها ظلال النظرة الذكورية في المجتمع العربي .
وكان مجتمع الجاهلية الذي واجهه الاسلام عند بزوغه من أشدّ المجتمعات قسوة وأكثرها حقداً تجاه المرأة ، يكفي أ نّهم كانوا يدفنون البنت الوليدة وهي حيّة تخلّصاً ممّا يعتقدونه عاراً يلحق بهم ، أو تملّصاً من نفقتها ، وما كانوا يتصوّرونه من الفقر والفاقة التي تسبِّبها لهم ، وفي هذه الأجواء جاء الاسلام العظيم ليدفع عن المرأة هذا الظلم الكبير ، وها هو القرآن يئنّ ويصرخ لحالها مستظلماً :
(وَإذا المَوؤُودَةُ سُئِلَت * بِأيِّ ذَنب قُتِلَت ) . ( التكوير / 8 ـ 9 )
ويصف القرآن الكريم هذه الحالة المأساوية التي كانت تمرّ بها المرأة في آيات أخرى :
(وَإذا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُ نْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيم ) . ( النحل / 58 )
ويصفه بأ نّه كان خطأً كبيراً :
(وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاق نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبيراً ) .
( الإسراء / 31 )
وينقل التاريخ لنا صوراً مأساوية من أوضاع المرأة في الجاهلية ، والواقع المرّ الذي كانت
تواجهه ، وهذه الصور تساعدنا في معرفة النقلة النوعية التاريخية التي حقّقها الاسلام في ذلك المجتمع ، إذ ينتقل بالمرأة من واقعها السيِّئ هذا ، إلى مستوى الإكرام والإجلال والمساهمة في مسيرة الرسالة الفكرية والاجتماعية والسياسية بأعلى المستويات ، ويعرض القرآن الكريم من النساء مثلاً ليكنّ قدوة للّذين آمنوا بإيمانهنّ وصبرهنّ وجهادهنّ وعظيم منزلتهنّ .
www.balagh.com
|