محور اخر من محاور تيار ( الجندر ) هو القول بتماثل الرجل و المرأة , وهو التعبير الذي ينقل الينا في العربية على انه المساواة , ولكن المساواة شئ اخر , والهوة سحيقة بين المفهومين , فالمساواة ننادي بها جميعا على اختلاف مشاربنا الثقافية والدينية هي الانصاف في الحقوق والواجبات وفرص الحياة من تعليم و خدمات ووظائف تصل الى مراكز اتخاذ القرار .. الخ . اما القول بالتماثل فهو نتاج نظرية الجندر والتي يتخذها الجندر النسوي قاعدة ينطلق منها , الا وهي الغاء كل الفروق الطبيعية او المختصة بالادوار الحياتية بين الرجال والنساء , والادعاء بان اي اختلاف في الخصائص والادوار , انما هو مصطنع من صنع المجتمع . ومن هنا تم اختيار مصطلح ( الجندر ) بدلا من الجنس , لان النوع مصطلح محايد لا يثير اي تداعيات في الذهن لكائن ين بشريين بينهما اختلافات , فعندما يسأل احد اخر ما هو جنس المولود ؟ فيتبادر لذهن الشخص صورة لذكر او لانثى بكل ما تحمل هاتين الصورتين من فروق في الشكل ووظائف الاعضاء والخصائص النفسية والادوار المستقبلية التي تنتظر كلا منهما . وخهذا ما اراد تيار الجندر تلافيه فاستخدم لفظ ( الجندر ) لاعطاء صورة محايدة لهذا الكائن البشري .
ويسعى منظور الجندر الى الاتيان بكل دليل على عدم وجود عنصر الطبيعة عامل تمييز بين المرأة والرجل , فمن قال : ان الامومة والحمل والولادة هي قدر المرأة , ومن قال : ان الطمث او بداية سن الياس قد يسبب لها الاما او اعتلال مزاج قد يؤثر في تفاعلها مع المجتمع في الوقت المحدد ؟ ومن قال : ان الطفلة عينيها على حب اللعب بالعروسة واظهار مشاعر الامومة , على حين الولد يفضل اللعب العضلي او الاشياء التي لها علاقة بالحرب والقتال مثلا ؟ هذه الاشياء برايهم لم تخلق المراة بها , ولكننا ادخلناها بطريقة مصطنعة في وعيها فصارت ميراثا لا وجود له في الاصل . وكم شهدت ساحة الفكر النسائي في القاهرة ندوات ومؤتمرات لسيدات اضعن وقتهن ووقتنا في محاولة لاثبات انهن كن يملن عند طفولتهن للعب بالبنادق , ولم يشعرن للحظة واحدة بميل لتصفيف شعر العرائس .. وما شابه من الخطاب السخيف الذي احط من قدر حركات تحرير المراة , واشعر الناس باحباط تجاه الامال المعلقة عليها . وكان من الاجدر لهؤلاء الناشطات بدلا من محاولة اخفاء او انكار حقائق هي واضحة وضوح الشمس – كاختلاف النساء عن الرجال بحدوث اضطرابات هرمونية معينة تؤدي الى تغير في الطبيعة الجسمانية أو المزاجية – ان يمتلكن الشجاعة الكافية للاعتراف بوجود هذا الاختلاف , ومحاولة مواجهته والتعامل معه حتى لا يكون عائقا للمراة في اداء دورها , او يكون ذريعة البعض للنيل من المساواة المنشودة بين المرأة والرجل ! والنظرة الارقى من هذا وذاك والتي تعتبر في نظري قمة الشجاعة والثقة بالنفس , هي التعامل مع هذه الظواهر من حمل وولادة ونفاس ويأس ليس باعتبارها معوقات للدور النسائي بل باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الدور النسائي , ان لم يكن اهم دور .
واني لاجد مهما في الحديث عن هذا المحور بالذات , ان اورد بعض الاقتباسات من مقولات ناشطات ( الجندر ) في هذا الشأن , فتقول شولاميت فايرستون في كتابها الشهير ( جدلية الجنس ) , وارجو من المستمع الكريم ملاحظة الاسقاط الماركسي على قضية المرأة فيه : ( لكي نتاكد جيدا من الغاء الطبقية الجنسية لابد وان تقوم الطبقة الدنيا ( المرأة ) بالثورة وذلك عن طريق تحكم المرأة الكامل للمسالة الانجابية وامتلاكها الكامل ايضا لحقها في جسدها ... ان هذه الثورة النسوية لابد وان تعمل ليس فقط على محو المكانة المميزة للذكر على حد قول الحركة النسوية القديمة ولكن ايضا علي الغاء اي قول بالتميز القائم على الجنس . (( فالفارق البيولوجي القائم على العوامل الطبيعية لن يعد ذا اهمية بعد الان )) ( ديل اوليري , الجندر وتقويض المرأة )) , اما الناشطة الاخرى بيللا ابزوج التي اتحفتنا بخطاباتها العجيجة في مؤتمر بكين , فتذهب الى اكثر من هذا فتقول في المحاضرة التي القتها في الجلسة التحضيرية في المؤتمر يوم 3 ابرريل 1995م : (( لن نعود بالمرأة الى الوراء لتقبل الادوار الهامشية والدنيا )) اشارة الى دور الامومة . وامعانا منها في اقصاء عنصر الطبيعة وادخاله قيد البحث التقليدي تقول : (( ان فكرة الطبيعي لا تعبر عن قيمة انسانية ذات بال , لان الانسانية بدأت في تخطي الطبيعة . فلن نحتاج بعد اليوم الى تبرير التمييز الطبقي بين الجنسين على اساس طبيعي , فيجب علينا لاسباب برجماتية ان نتخلص من مفهوم الطبيعة هذا )) , وهنا اعتراف بان اقصاء الطبيعة ليس لانه فعلا غير موجود ولكن لان الاسباب البرجماتية تستدعي ذلك ! وتؤكد الكاتبة نفسها في بحث غير منشور لها : (( لن نعود مرة اخرى لنخضع لفكرة ان القدر البيولوجي وحتميته يحصر المرأة داخل صفات متعلقة بجسدها وجنسها . لذلك نحن نستخدم كلمة جندر بدلا من جنس للدلالة على ان حقيقة الرجل والمراة هي من صنع المجتمع ومن الممكن تغييرها )) .
وهذا قليل من كثير من راي ( الجندر ) في قضية التمييز بين الجنسين , هو العطر الفواح الذي وضعوه على زهرة ( الجندر ) فاجتذبت به فراشات العرب والمسلمين نحو هذا الفكر , وخاصة تحت ضغط التقاليد التي جعلت المرأة في بعض البلدان مواطنا من الدرجة الثانية اة الثالثة .
ان ايجاد فروق في الحقوق والواجبات بين جنسي البشر هو شئ لا يقره الا ذوو العقول المنحرفة , والكل يطمح الى وصول المراة الى اعلى درجات المساواة وتحقيق الطموح , ولكن هل هذه هي المنظومة الاخلاقية المناسبة للوصول الة هذا الهدف ؟ .
لا اظن ان محاولة اقصاء الطبيعة عنصرا مميزا للرجل عن المرأة , فمن الادلة التي يحاولون فرضها لتاصيل نضريتهم هي زج المراة في اعمال عضلية شاقة , كسباقات الجري ورفع الاثقال , واعمال قطع اشجار الغابات وغيرها , من الاعمال التي يحاولون بها اثبات تماثل قوة المراة العضلية لقوة الرجل , والقدرة عللا تحملها للالام مثل الرجل , وفي هذا غبن للمراة لانها ليست متساوية في القوة البدنية مع الرجل , بل تتفوق عليه احيانا , وهاهي الطبيعة تعطينا مثالا لهذا التفوق , والقدرة على تحمل الالام مرات اكثر من الرجل , ففي تقديري الخاص انه لو كان قدر للرجال ان يتولوا مهمة الحمل والولادة بالامها الرهيبة لانقطع نسل البشر بعد اول طفل ولد لابينا ادم ! ولكن المراة ما ان تضع طفلها وتنتهي الام الوضع , حتى تبدا الحلم بالطفل الذي يليه , كما لو لم تكن قاب قوسين او ادنى من الموت الما منذ ايام !فالمرأة التي لديها هذه القدرة الفائقة غير محتاجة الى من يبرر قوتها ويضعها في موقف , وهي تحمل مئتي كيلو جرام من الاثقال , وقج ببرزت عضلاتها بشكل منفر لاثبات انها متساوية في القوة .ولا المراة التي حملت على وسطها حزاما ضخما من المتفجرات لتفجر به نفسها في وسط العدو لتحرير ارضها بحاجة الى هذا التبرير الساذج .
Balagh.com
|