مؤسسة البلاغ
هذا سؤال مهم..الجواب ينبغي أن نطلب الثقافة الإسلامية والتي تمتاز بالشمولية والحياة وهي ضد الثقافة الآحادية أو الميتة,وضد الثقافة الباطلة التي تخرمش عقل الإنسان.
ويمكن أن نجملها في الثقافات التالية: الثقافة الإسلامية ببعديها,المادي والمعنوي,والثقافة الروحية,والثقافة الأخلاقية,والثقافة التربوية,والثقافة التاريخية,والثقافة العقائدية,والثقافة الصحية,والثقافة الأسرية والزوجية والجنسية وحتى الثقافات التي تهتم بالمطبخ أو الأناقة وماشابه ذلك..
*المرأة بين التأزيم والتقزيم:
هل المرأة تعيش أزمة دور أم لا؟ وهل المرأة مقزم ومحجم دورها أو لا؟
أعتقد أن الجواب:نعم,المرأة في مجتمعنا تعيش في المحنتين محنة التأزيم للدور الشامل,فدورها محدود وقاصر..ومحنة التقزيم والتحجيم في إطار البيت والمنزل,تعيش كبتاً من جهة وجهلاً وتخلفاً في كيفية الإدارة المنزلية والتربوية من جهة أخرى.
فأين هو دور المرأة الثقافي؟ وأين هو دورها الاجتماعي؟
وأين هو دورها الاقتصادي وخصوصاً في عصر العولمة؟
أما عن الدور السياسي,فلا تسلني..فلعمري حتى في البلدان المتحضرة والتي تطبل للمساواة وتحرير المرأة..فالمرأة دورها ضعيف ومشاركتها السياسية في القرار والإدارة والبرلمانات والمناصب الوزارية وغيرها جداً محدود..بل ويعد على أصابع اليد الواحدة.
وأما عن الدور الثقافي للمرأة في واقعنا الاجتماعي,فهو شبه معدوم..ولو قام اي باحث اجتماعي بمسح ميداني استقرائي لوصل الى تلك النتيجة..وهذا يعود الى اسباب وظروف سياسية واجتماعية معينة,نأتي على ذكر اهمها.
*أسباب أفول المرأة :
ماهي أسباب أفول المرأة وغيابها في الواقع الاجتماعي والثقافي؟
لماذا المرأة ليست حاضرة في الساحة الثقافية؟
في البداية يجب ان نقول لايمكن ان نفصل الدور الاجتماعي عن الدور الثقافي أو حتى السياسي,فالعلاقة بينهم وطيدة,فلعب الدور الثقافي وممارسته في ميدان وساحة المجتمع بحدين:
حد القلم: الكتابة والتأليف,وعلاج المشاكل الاجتماعية والفكرية,حد اللسان :الخطابة ومحادثة الجماهير – النسوية خصوصا – والتصدي لتلكم المشاكل,حتى مع الحاكم..
وأما عن الأسباب فيمكن إجمالها في التالي:
1- المناخ الثقافي الضحل:
أو لنقل :المحيط والبيئة,فطبيعة الأجواء الثقافية التي تعيشها المرأة تؤثر عليها وتتأثر بها تلقائياً..لأنها ضمن الثقافة التي تطلبها فهي سهلة وضمن الأجواء والثقافة العامة.
مثلاً لو نظرنا الى الغرب وأجوائه الثقافية العامة,لوجدنا ثقافة المساواة والحرية المقلوبة حيث الإباحية وابتزاز المرأة جنسياً واستثمار جسدها للدعاية والإعلام..
ومجمل هذه الثقافة تؤثر على المرأة وتتأثر بها,بل وتدافع عنها باستماتة,هذا بالنسبة للمرأة الغربية.أما بالنسبة للمرأة في مجتمعنا فهي تعيش في أجواء ثقافية لكنها على العكس لتلك الثقافة تماماً,حيث المحافظة والتحفظ المفرط الى درجة التزمت الديني,والمبالغة في الانطواء على الذات والحبس بين الجدران,وثقافة الإقرار والمكوث في البيت للزوج والأولاد خاصة,وهذا الأمر ضروري ومهم الى حد ولكن ماذا لعموم المجتمع؟وماذا للدين والأمة؟ ماذا عن الأدوار الأخرى؟ لاشيء..فهذا أمر لايعنيها وليس من شؤونها..
بهذه الصورة تربت البنت,ونشأت عليه المرأة..هذا هو النمط الثقافي الضحل الذي ارتضته المرأة من الصغر حتى شابت عليه.
فالمرأة التي تطرق على منزلها الباب أو تقرع الجرس,فتقول لها "السلام عليكم..فلان موجود؟"فتصفق الباب في وجهك ولاترد السلام..فلربما ارسلت لك ولداً أو ردت "غير موجود"..فكيف تطلب منها أن تلعب دوراً ثقافياً أو تمارس دوراً اجتماعياً؟
هناك لون من الثقافة الملقنة لجيل النساء,صوت المرأة عورة بشكل مطلق,ولاتردي على رجل عند الباب أو على الهاتف..
ولا..ولا..هذا الكبت سبب اساسي في إعادة المرأة وانطلاقها في المجتمع.
1- ضعف الخطاب الثقافي:
وهذا الدور يقوم به الدعاة والمصلحون,والموجهون من علماء ومفكرين وباحثين وخطباء,فحين تتصفح الكتب التي كتبت عن المرأة اغلبها تتحدث عن الزواج والطلاق والأطفال والتربية والحمل والولادة والرضاعة والمطبخ..وهذا النوع من الكتب مهم وجيد ولكنه يؤخذ عليه مؤاخذة الاجترار والتكرار,فطاقات تبذل وأموال تصرف في أمور غير متجددة,فالأدوار الأخرى للمرأة منسية والحديث عنها قليل جداً.
وهكذا على صعيد الخطباء والمرشدين والعلماء المحاضرين,الخطاب الثقافي نادر وشبه معلوم,مواضيع مكررة عن الزواج والعنوسة وغيرها بينما التطرق للمواضيع الثقافية وحث المرأة الى أن تمارس دوراً ثقافياً,وكيف؟ولماذا؟وأين؟ كل هذه التساؤلات مغفول عنها ومسكوت عنها الى إشعار آخر.
2- ضعف الإرادة والطموح:
المرأة لها إرادة وطموح,ولكن أين تعمل إرادتها؟ وماهو نوع الطموح؟ وكيف تنجزه؟ فالمرأة بين الدور السلبي والدور الإيجابي ربما وقعت في مطب الازدواجية الشخصية والسلوكية,وقد تعيش حالة من التناقض والتذبذب الفكري,لهذا خرجت من الشرنقة التي تطوقها بإرادة قوية لكنها في اتجاه معاكس لما يريده الدين الحنيف ومايحتاجه المجتمع.
هناك كثير من النساء يعتبرن أنفسهن قد خرجن من الطوق المحكم عليهن وذلك بخروجهن الى الأسواق والمتنزهات,والسفريات بلا محرم..ولسنا ضد ذلك وإنما ضد تلك التصرفات والسلوكيات الشاذة التي تخدش حياء المرأة وتحط من كرامتها الأنثوية التي قد أوجدها الإسلام.إذ كانت هناك قيود وأغلال تكبل المرأة بالأمس,فاليوم تقريباً قد تحررت المرأة منها,ولكن مالت (180) درجة من اليمين الى الشمال.
فالمرأة مع الموجة الجديدة,والموضة الحديثة,والثقافة المنفتحة (المتلفزة) انهارت إرادتها وضعفت أمام الإغراءات المادية وبذخ الحياة وسفاسف الدنيا.
ولم تكن المرأة في مجتمعنا طموحة وترمي الى المستقبل البعيد,فطموحها أيضاً ضعيف حتى مع وصول البعض من النساء الى سلم المعلومات أو الطبيبات وممرضات وموظفات..لكن يبقى الأفول والغياب عن المجتمع,فلاأحد يفكر منهن أن تكون عالمة أو مفكرة أو مرشدة وداعية ومصلحة لجيل النساء..
فكم كاتبة عندنا؟ وكم خطيبة بالمستوى العصري يلبي طموح فتاة العصر ويعالج مشكلاتها؟ وكم أديبة؟ وكم صحفية؟ فالعدد محدود جداً,إن لم يكن أشبه بالمعدوم.
4- عدم الشعور بالمسؤولية:
هل المرأة تشعر بأنها مسؤولة عن وضعها المتردي؟ ووضع مجتمعها السيىء؟ واقع المرأة مر وصعب وشائك..يحتاج المرء أن يتوغل الى أعماقه ليكتشف مافيه من خبايا الزمن الرديء.
والمرأة هي الأقدر والأنسب للدخول في العمق النسائي حيث أنها لن تصطدم بعقبات وحواجز,كما لو عمل الرجل في أوساط النساء..المرأة تنفتح مع نظيراتها ويكون بينهن أخذ ورد وسؤال وجواب..
بيد أن المرأة نفسها لاتشعر بأنها مسؤولة عن الآخرين,مسؤوليتها عن نفسها وعن زوجها وأولادها فقط..ولايمكننا أن نستهين بالمسؤولية التربوية..كلا..إنها مسؤولية كبيرة ومقدسة..ولكن مع أهمتيها إلا أن المرأة قاصرة وجاهلة في إدارة بيتها,وعلاقاتها الزوجية,والتربية السيئة لأولادها..
وماوجود المشاكل الزوجية والطلاق وضياع الأبناء إلا دليل على تلكم الحقيقة,ونحن لانريد تحجيم دور المرأة في البيت والزوج والأولاد فقط مع أهميته ولكن نريد أن تتحمل المرأة أعباء المسؤولية الثقافية..وأن يكون لها دور في المجتمع,تعلم وتوعي الفتيات دينياً وفكرياً وأخلاقياً وغير ذلك..
5- فاعلية المرأة والدور المطلوب:
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان – ذكراً وأنثى – للجدية والمسؤولية,وليس للهزلية والعبثية,قال تعالى : (أفحسبتم أكما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لاترجعون) .
فالخطاب الديني عام وشامل للمرأة والرجل على حد سواء بالتكليف بالواجبات كالصلاة والصيام وغيرها أوالنواهي مثل النهي عن الزنى أو شرب الخمر والسرقة وغيرها..
فمن خلال التكليف,ومبدأ الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة,يدرب المرأة على تحمل المسؤولية ويخلق لديها الفاعلية للعطاء والتضحية وأن تقوم بالأدوار التالية:
1- التثقيف الذاتي:
المرأة في مجتمعنا على الصعيد التعليمي والدراسة الأكاديمية حققت نجاحاً الى حد ما,وأعتقد قياساً الى الماضي فهو جيد,وقد عين كثير منهن في وظائف بحسب الشهادة..فعلبن دوراً وطنياً واجتماعياً في الإطار الوظيفي,ولازالت آلاف الخريجات ينتظرن التعيين..وهناك بعض المدرسات وبعض الطبيبات مثقفات,ونأمل منهن أن يقدمن شيئاً لمجتمعهن,ويفجرن طاقاتهن الإبداعية والفكرية والثقافية,كما نرجو منهن أن يكون اطلاعهن أوسع سواء في تخصصهن أو في الثقافة الإسلامية العامة,من فقه وأخلاق وتاريخ وعقائد وتفاسير واقتصاد وغير ذلك.
التثقيف الذاتي ضروري ومهم,لأنه دواء للأمراض والمشاكل التي تطرأ على الأسرة والمجتمع,إن أغلب المشاكل يعود سببها الى الجهل وقلة الوعي وعدم الإطلاع والمتابعة.وأهم شيء ان تكون عند المرأة إرادة ورغبة للعلم والفكر والثقافة والتفقه,فبإرادتها تتخطى الحواجز وتجتاز العقبات.
2- التثقيف الجمعي:
والمراد به: هو أن تعمل المرأة في المجتمع ثقافياً,تمارس دور التعليم والتثقيف ولو على الصعيد النسوي.
إن عمل المرأة في أوساط المجتمع عمل تكليفي,وليس تشريفياً.
قال تعالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتوت الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن اللع عزيز حكيم).
"ومفاد الآية إنشاء حكم وضعي سياسي تنظيمي يجعل للنساء – كما للرجال – الولاية العامة في نطاق ولاية الأمة على نفسها.."ويأمرون بالمعروف" وهذه الولاية من أعظم ولايات الأمة على نفسها ومن أشمل الولايات لجميع مجالات الحياة العامة والخاصة".
فينبغي للمرأة المؤمنة اليوم (وفي عصر العولمة الثقافية وهذا الانفتاح الواسع على شبكة الإنترنت وعالم الكمبيوتر والتطور العلمي) أن تكون نشطة وفعالة في المجتمع وتقوم بدورها الثقافي وتعلم أجيالاً من النساء لكي يكون المجتمع بخير وحياته سعيدة طيبة.
قال تعالى : (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون).
3- حضور المرأة:
ينبغي للمرأة أن تشكل حضوراً في المجتمع,وأن تكون حاضرة ومتحضرة ومحاضرة ومحاورة وهذا العمل يتاتى بحصيلة علمية وثقافية جيدة.يقول النبي (ص) :"طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة",ويأتي بالثقة والجرأة والشجاعة ولقد كانت المراة في عصر الانبعاث الرسالي الأول تتسم بكل ذلك,ولهذا كانت متواجدة في الغزوات تضمد جراحات المجاهدين,وفي المساجد والاجتماعات تستمع وتبدي وجهة نظرها,وفي التكتلات النسائية تتباحث مع نظيراتها وتنطلق بكل جرأة وشجاعة لتسأل وتحاور النبي (ص).
www.balagh.com
|