نادية حجاب
تمنح اغلب الدساتير في الوطن العربي نظريا مساواة كاملة في الحقوق للرجال والنساء دون تمييز وكذلك تفعل اغلب قوانين العمل . ولكن هذه المساواة تنتقص بقوانين الاحوال الشخصية التي تعالج كل المجالات الخاصة في الحياة , الزواج , والطلاق , وحضانة الاطفال , والميراث. وانا لا استهدف ان اناقش ما اذا كانت هذه القوانين نتيجة التطبيق او التفسير الصحيح للاسلام أم لا , ام انها نتيجة تقاليد المجتمعات الابوية . ولكن قصدي في ايجاز وبساطة , ان اثبت عدم المساواة . ففي حين ان اعلان حقوق الانسان ينص في المادة ( 16 ) على ان الرجال والنساء مخولون حقوقا متساوية في الزواج , وخلاله , وعند انحلاله , فأن النساء العربيات يواجهن التفرقة , بدرجات متفاوتة , في مؤسسة تعدد الزوجات , وحق الرجل المطلق في الطلاق , وفي حضانة الاطفال بعد سن معينة , والميراث القاسط .
وتونس هي البلد العربي الوحيد الذي جعل تعدد الزوجات غير قانوني , في حين قيدته بعض الاقطار الاخرى , وتتراوح ممارسة هذا التعدد من 2 بالمائة الى 10 بالمائة في بعض بلدان النفط الغنية , وقد عدلت تونس قانون الاحوال الشخصية فيها لتعطي مساواة في الزواج والطلاق وحضانة الاطفال بيد ان المرأة لا يزال يصيبها نصف ميراث الرجل , والتعديلات في كثير من البلدان العربية تجعل ممارسة الرجل لحق الطلاق المنفرد اكثر صعوبة الآن , كما تجعل طلب المرأة الطلاق والاحتفاظ بالاطفال لسنوات قليلة بعد سن السنوات السبع المعهودة للاولاد , والتسع للبنات , ايسر قليلا.
وهناك قوانين اخرى تتحيز ضد المرأة , وتجدر ملاحظة ان العديد من هذه القوانين ليس حكرا على الوطن العربي , ولكنه وجد او يوجد في بلدان بها تقاليد دينية وابوية قوية , كما هو الحال في بلدان اسلامية اخرى , وفي امريكا اللاتينية , ولا يزال مطلوبا من المرأة في اطار الممارسات القائمة حتى الآن تصريح كتابي من زوجها لكي تغادر القطر وفي بعض البلدان العربية وفي بلدان اخرى تحتاج الى تصريح كتابي للحصول على جواز السفر ( فقط ) , ويلزم ان اكرر هنا ان الوضع يختلف كثيرا من بلد عربي الى آخر , وعلى سبيل المثال فأن شهادة المرأة في محكمة تعامل في بعض الحالات كما لو كانت نصف شهادة الرجل , بينما توجد نسوة يتولين القضاء في حالات اخرى.
ومن الطبيعي يمكن ان يكون تعلق من وهم في السلطة بالثقافة وبالتقاليد بقدر تعلق غيرهم تماما.وحالة تونس من الحالات المثيرة للاهتمام في هذا الصدد , فالتغييرات الجذرية في القانون قد نفذت عقب الاستقلال مباشرة , وكانت تلك هي الايام التقدمية للنظام , حين دفع بفكرة مساواة النساء بقوة , ومع ذلك فقد النظام عنفوانه التقدمي بمضي الوقت , وفي اعقاب صراعات القوى الداخلية , وقد انتهت دراسة عن التوجهات بخصوص تحرير المرأة , تم تنفيذها عام 1967 واعيدت في 1973, الى ان تأييد تحرير المرأة قد تضاءل , اذ قد انخفضت النسبة من الرجال والنساء الذين يعتقدون بأهمية التعليم بالنسبة للبنات والاولاد على حد سواء من 65 بالماءة الى 51 بالمائة , بينما انخفضت نسبة الذين يعتبرون انه من المقبول ان تمارس المرأة سلطة على الرجل في العمل من 46 بالمائة الى 32 بالمائة.
ولكن السؤال الذي يجب طرحه ابتداء هو ما اذ كانت نصوص القوانين تعكس الواقع الفعلي في الوطن العربي.
فقد ابديت من قبل ان القانون يكتسب الان اهمية اكبر. فالتحضر يضع الناس في موقع اقرب الى القانون , كما يعطي الدولة امكانية الدنو من الشعب . ولكن : هل يعكس القانون توجهات حقيقية ؟ وهل تؤثر تشريعات الدولة على حياة الناس في المناطق الريفية والقبلية ؟ ,وما هي تطبيقات الشريعة القائمة على المستوى العربي ابعد مايكون عن التجانس خلال مراحل تطوره , ومثلما اوضح كثيرون من علماء الاجتماع فأن الكثير من المعلومات المتيسرة عن المجتمع العربي قد جاء بها غير العرب معززة بمصطلحات ومفاهيم لا تتواءم مع هذا المجتمع بالضررة.
وقد تساءل مؤخرا علماء اجتماع اكثر انسجاما مع الثقافة السائدة عما اذا كان من الضروري أن يختلط النقص في الحقوق المكتوبة مع نقص الاحترام ( احترام شخوص النساء ام احترام قدرتهن على تحمل تبعات مهمة تقليدية وغير تقليدية متنوعة , أم الاحترام الفعلي للسلطة التي يتمتعن بها داخل المجتمع ) فعلى أبسط المستويات تحظى النساء تقليديا بقدر كبير من الاحترام سبب دورهن كزوجات وامهات , كما ان سلطتهن تتنامى كلما صرن وصار اطفالهن اكبر سنا. ومهما يكن من تفسير البعض للقرآن بما يؤثر سلبا على اوضاع النساء , فأن القرآن الكريم قد ادخر التكريم للوالدية , وللامومة على وجه الخصوص. يزيد على ذلك ان الاحترام الممنوح للنساء والسلطة التي يتمتعن بها تبدو اكبر في المجتمعات الفلاحية , القبلية , وبين الطبقات الحضرية الافقر, عنها في محيط الطبقات الحضرية المتوسطة والعليا , وقد لوحظ مع الحالات الاولى وجود قدر اكبر من تقاسم الادوار الانتاجية. ويبدو انه قد كان هناك نظام من الظوابط والموازين داخل العائلات الممتدة , وفي داخل المجتمع ذاته , لضبط السلطة الابوية المفترض كونها مطلقة . وقد انهارت هذه الانظمة مع العمران , وبقاء القوانين الناقصة والقاسطة الملاذ الوحيد الجديد.
وقد لا تكون الحركة الاصولية في الوطن العربي , ضمن هذا المضمون , مجرد الارتداد الى صفة مثالية للحياة في الايام الاولى للاسلام في القرن السابع , ولكنها ارتداد الى نمط معيشي عاش افراده قبل هجرتهم الى المدن حديثا , ومنذ خمسة او عشرة او خمسة عشر سنة خلت , اي الى نمط معيشي مرض لجميع اعضائه.
ومن المؤكد ان المجتمع العربي قد تجزأ بسبب الفورانات الاجتماعية الرئيسية التي نشات جزئيا عن نمط للتنمية تختاره الحكومات من دون قدر كاف من المعرفة او التخطيط , وقد ادى هذا النمط الى تصنيع تدريجي وليس الى اعتماد على الذات وقد كان هناك تحديث لا هدف له يؤدي الى عمران سريع والى هجرة للعمالة , وقد ترك الافراد في اطار هذه العملية يدبرون احوالهم بأنفسهم بعد ان فقدوا مساندة العائلة الممتدة او الجماعة .
ولم تصر عالمات الاجتماع العربيات في اوراقهن على ان البحوث الخاصة بالمرأة يجب ان تنفذ كلية بواسطة نساء متخصصات في المنطقة بطريقة تعكس تعقيدات المجتمع واوضاع النساء من مختلف الفئات الاجتماعية , وقد زدن فأكدن على ( البعد المتعلق بحقوق الانسان في البحوث وضرورة ان ( يعزز المعرفة بوضع النساء وبالمشكلات التي يواجهنها , كما يجب ان يكون تحسين اوضاع النساء احد مستهدفاته الرئيسية ) .
وقد قدمت كل واحدة من عالمات الاجتماع نقدا للبحوث التي اجريت حتى ذلك الوقت في بلدها , واشارت بعضهن الى ان الكثير من البحوث هي وصفية في طبيعتها و مع القليل من التحليل لتأثير العادات والقيم , وواقف الذكور فعليا على وضع النساء ) وقد لاحظن ان النساء لا يقاسمن الذكور رؤيتهم لهن , وانه من الضروري ان نعرف كيف ترى النساء انفسهن , وما اذا كانت هذه الرؤية متغيرة , وقد حللت عالمات الاجتماع اخفاقات التنمية , مثل تتجير للزراعة والاستثمار المكثف في المحاصيل النقدية على حساب محاصيل الغذاء , والمكننة غير المتوازنة للزراعة , كما حللن محصلة الهجرة الريفية , وتسائلن عن التعريفات السائدة للحداثة في مقابل التقليد , ولتحرير المرأة , وقد لاحظن النغيير في العلاقات الاقتصادية داخل العائلة نتيجة التحديث , والتحول من الاعتماد على الذات الى الاعتماد على الذكور , ثم الاعتماد على الدولة .
وقد الححن على الحاجة الى مقارن اوضاع محددة في الوطن العربي بأمثلة ملائمة من اجزاء اخرى من العالم . وهن بأيجاز , يبدأن عملية ضرورية من اجل جمع وتحليل البيانات المتيسرة لرسم خطط للدراسات امطلوبة في مجالات كثيرة غير مطروقة , ولوضع اطار نظري قائم على حقائق واقعية .
ومن الطبيعي ان التغير الاجتماعي يستغرق عقودا , ولا يمكن تخطيطه في مدى عشر سنوات , والذي يغلب احتمال حدوثه في العقد القائم هو ان النساء سوف يحددن ابعاد التغيير المطلوب والمرغوب من المجتمع العربي , كما سوف يحددن الوسائل التي سوف تقترب بهن منه , ومن الواضح ان على هؤلاء النسوة ان يتولين الامور بأيديهن على مستوى الاحوال الشخصية , وهناك ادراك عام بين النساء المتعلمات بأن حركات التحرر الوطني قد جاءت بالحد الادنى من الحقوق والحريات ( لكل من الرجال والنساء ) , وان حركات التحرر الاجتماعي لك تذهب بعيدا الى ما فيه الكفاية , والذي هو اقل وضوحا قدرة النساء على انجاز التغيير من خلال الحركات النسائية فقط , سواء اكانت هذه الحركات رسمية ام اصلاحية ام نسوية , وليس من الممكن فصل التغيرات في الشؤون المتصلة بالنساء بخاصة عن التغيير الضروري في نمط ومستهدفات التنمية الاجتماعية والاقتصادية ,كما سوف يكون من الصعب , وربما من غير المستحسن , عزل المصالح الخاصة عن المصالح الجماعية.
www.balagh.com
|