عبد القادر عرابي
من المتعذر على المرء استجلاء صورة المرأة الاجتماعية في التراث , ولا سيما ان هذه الصورة جاءت مبهمة ومشوشة. فإذا استثنينا الدراسات الدينية , المحددة للحلال والحرام , يبقى نصيب المرأة من الدراسات العلمية قليلا , وحتى هذا القليل لم ينصفها لعدة اسباب . واولها ان هذه الدراسات انعكاس موضوعي للنسق القيمي العام , ثانيها انها تناولت المرأة من الجانب الفزيولوجي لا الانساني , وثالثها ان النظرة التقليدية اعتبرت التفكير في وضع المراة , او الكتابة عنها أمرا مكروها وتجسيداً لهذه الرؤية المثالية , فان الصورة الاجتماعية للمراة تتجسد في نمطين اجتماعيين مثاليين , فهي اما امراة صالحة ومثالية , فتكون في هذه الحالة محجوبة عن المجتمع , واما غانية وغاوية , اما المرأة الانسانية فلا وجود لها في المنظور التقليدي .
اما النظرة التقليدية تختزل المرأة الى جسدها , فانوثتها هي قدرها , ومحددة لمصيرها : ( الانوثة هي العلة ) . وحتى القوى العقلية للمرأة مكيفة بأخلاق الانوثة , ( ويحكم فطرتها فأن من الاعمال تصلح ان تزاولها في خدرها . . . ان المرأة اذا خرجت الى العمل خارج بيتها وزاحمت الرجال اضاعت انوثتها ومميزاتها , فلا تكون بعد ذلك امرأة , ولا تستطيع ان تكون رجلا ) .
ولعل ما خلفه الادب النسائي من الاسفار , وعلى الرغم من ندرته , يساعدنا على استجلاء صورة المرأة الاجتماعية . ان اول مآخذنا على هذا الادب هو ان المرأة ظلت دائما موضوعا للشعر والادب والحب العذري , ولا اثر يذكر لها في الدراسات الاجتماعية . انها موضوع الغزل لا العلم , والعاطفة لا العقل , وصورتها المتناثرة في ثنايا كتب الشعر والادب توحي بانها خلقت قاصرة , عاجزة , وان قصورها كامن في طبيعتها , لا يصح وجودها الا بالرجل , انها ملحق به ومن متاعه .
بمقتضى هذا المفهوم قلما نجد المرأة المحاربة , والفاعلة في التاريخ , بل النادبة والقاصرة . الغزل والشعر هنا من نصيب الرجال , اما الرثاء فهو صناعتها , ان دورها , في النمط المثالي للمرأة الصالحة , يقتصر على صناعة الرثاء والكلام والاعمال المنزلية , بخلاف النمط المثالي الاخر الذي يتمثل في الغزل والادب والشعر . ان الف ليلة وليلة , تلك التحفة الفنية التي تعد من روائع الادب الانساني , وان بدت اقرب الى الخيال منها الى الواقع , فأنها واقعية في نظرنا لسببين : اولا , اناه تعبر اما عن الوعي الباطني للمجتمع بتصوره للمرأة مثالية , جميلة وخيالية , او عن حقبة تأريخية معينة طغت فيها عقلية الجواري والحريم , واستمرت كما نعلم طوال الحكم العثماني. المرأة تعبر عن الجمال والخيال , وعن الحيل النسائية.
ان اللبس بين الخيال والواقع , والغموض والقدسية اللذين يكتنفان وضع المرأة العربية يعكسان غموض صورتها الاجتماعية.
ترى الثقافة التقليدية في المراة تارة لغزا , وكائنا عجيبا , واخرى رمزا للغواية والاغراء , انها عورة والعورة شئ مقدس , وهي ترمز للشرف والعرض , وتلك قيم فوق زمانية وفوق مكانية.
ولما كانت المرأة رمزا لشرف الجماعة , فأن الرجال يحرسون السلوك الاخلاقي للنساء , ويخضعونه لرقابتهم . فهي تبقى خاضعة للوصاية الذكورية الابدية , لا تبلغ سن الرشد , مهما بلغ عمرها.
ما دامت الثقافة التقليدية , بما فيها الثقافة الشعبية بوصفها تعبيرا عن اللاشعور الجمعي لا تعتبر المرأة انسانا بل قاصرا وجنسا لإنها لا يمكن ان تكون مصدرا للاخلاق . يقول العقاد : ( ولم يؤثر عن المرأة قط انها كانت مرجعا اصيلا لخلق من الاخلاق لم تتلقه من الرجال , ولم تتجه به اليهم , ولا استثناء في ذلك للصفات التي نعدها من اخص الصفات الانثوية , ومن اقربها الى طبيعتة المراة ). ويستطرد قائلا : ( كان هذا هو السائغ عقلا , ان المرجعية الاخلاقية للنساء هي الرجال , الرجال قوة وحسب ونسب , والنساء ضعف , فهن ضعيفات الجسم والعقل . وتنعكس هذه النظرة على توزيع الادوار في الاسرة الرجل مركز القوة والثقل , بمقدار ما له , او كان هذا الدور جزءا من طبيعته.الجنس يحدد الطبع , وهذه هي النظرة التي تبنتها مدرسة فرويد.
يقول فرويد : ( لا يسعني الا ان اعتقد , وان كنت اتردد في التعبير عن ذلك , ان مستوى الاخلاقية عند النساء هو غير ماهو عليه عند الرجال , فأنا من الاعلى ليس على ذلك القدر من الصرامة و الموضوعية والاستقلال عن اصوله العاطفية الذي نتطلبه عند الرجل ) .
وجملة القول ان المرأة في المنظور التقليدي محكومة بأنوثتها , فأنوثتها تحدد مصيرها , او ان الفيزيولوجية تحدد المصير . وبفضل التربية والتعليم بدأت هذه االصورة الاجتماعية للمرأة في نظام القيم التقليدي تفقد بعضا من اهميتها , فالتعليم الالزامي يخلق جيلا جديدا , اكثر ثقافة من الاهل , وساهم في الوقت نفسه في تعميق الهوة داخل الاسرة , وفي تغيير العلاقات والادوار الاجتماعية . وعليه , ان نظام القيم التقليدي يتعارض مع نظام القيم العصري في الوضائف والادوار , فأذا كانت حقوق المرأة وواجباتها واضحة في المجتمع التقليدي , فقد اعتراها اليوم الكثير من الفوضى , الامر الذي جعل المراة تقوم بعدة ادوار , فاضافة الى اعمالها التقليدية كزوجة وربة بيت وام , انها اليوم الموظفة والمحامية , وهذا يثقل كاهلها ويجعلها تقوم بأدوار متناقضة ومتعددة في الوقت ذاته . تخوض المرأة العربية , اذا , صراعا متعدد الجوانب . فهناك الصراع بين القيم الموروثة والقيم الجديدة التي تعلي من شأنها , وهناك صراع الادوار داخل الاسرة ايضا , بحيث تسعى المرأة الى اعادة توزيع الادوار بعد مشاركتها في العمل بينما يتمسك الرجال بمكاسبهم التقليدية .
www.Balagh.com
|