د . لاهاي عبد الحسين الدعمي
إن رؤية شمولية وعظيمة كالرؤية الاسلامية لا يمكن أن تقف عند حدود إتكشاف أو رصد الجوانب الايجابية في الحياة الاجتماعية والحضارية فحسب,فالأسلام استطاع ولا شك أن يضع عددا من التوقعات في إطار ما هو سلبي وغير صحي وغير طبيعي إذا صح التعبير , وتتمثل مثل هذه الخصائص كالسلبية وأنعدام الصحة وانعدام النعمة الطبيعية في أن الحياة الاجتماعية تنطوي على السلام والالفة والنظام والتعاون والموادعة , لذلك وبقدر ما يتعلق الامر بالعلاقة بين الرجال والنساء ارتأى الأسلام الفصل بينهما انسجاما مع روحية المفاهيم المار ذكرها أعلاه , ويمكن الاستدلال على الفصل أو العزل الجنسي في الأسلام من خلال فيض كبير من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة , نقرأ على سبيل المثال من سورة الحجرات ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ) ومن سورة الممتحنة أيضا ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألاّ يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين ايديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن إن الله غفور رحيم ) . وفي الحديث النبوي الشريف جاء عن ابن عباس قوله ( إن رسول (ص) خرج معه بلال فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة ) وعن إبن سعيد (رض) : إن النساء قلن للنبي (ص) اجعل لنا يوما فوعظهن ) , وفي الدخول على النساء جاء عن عقبة بن عامر أن الرسول (ص) قال: (إياكم والدخول على النساء ) .
من خلال هذا يمكننا ملاحظة أنه بغية توفير الارضية المناسبة لاستخدام المغزى الذي يمكن الحصول عليه من مفاهيم التباين , التكامل , والتعاون , رسم الاسلام طريقا آمنا من خلال الفصل بين الجنسين , وبذلك حاول الاسلام أن يوفر ظروفا عادلة ومنصفة لتفاعل الطرفين الرجال والنساء , بالتاكيد فإن الهدف من الفصل بين الجنسين لم يكن لأذلال المرأة وترويضها والحط من شأنها وإنما لتوفير ظروف عادلة ومتكافئة بينهما , عموما , فإن التصور الاسلامي لقضية المرأة كما اجتهدنا في قراءته وفهمه وتفسيره وعرضه ينطوي على عدد من المزايا الهامة :
اولا : أن تاكيد الاسلام على مسألة التباين أو الاختلاف بين النساء والرجال لم يكن ليراد منه الأساءة الى المرأة بقدر ما أريد منه تاكيد الشخصية المستقلة والمتميزة لكليهما وفي هذا مصدر قوة بدلا من ان يكون مصدر ضعف , إذ أن التباين في المفهوم الاسلامي يمنع أن يذوب أي من الطرفين في بوتقة الآخر .
ثانيا : يضع الفصل أو العزل الجنسي أسس حياة إجتماعية وحضارية سليمة تقف دون الاستغلال والتمييز والتفاوت والاضطهاد الناجم عن الخلط في تقدير مزايا وإمكانات وقدرات الطرفين المتباينة حتما , في خضم ما وصلت إليه الحياة الاجتماعية في المجتمع المعاصر فإن الاسلام يوفر حلولا لقضايا لم يتم الانتهاء منها بعد , فالفصل الجنسي كفكرة أو ممارسة تلهم بآراء وافكار يمكن أن تساعد على وضع حلول لسلسلة طويلة وعريضة من مشاكل الانسان المعاصر , من ذلك أن تقييم عمل النساء على سبيل المثال في مؤسسات العمل الرسمية أو المؤسسات الاجتماعية المحدثة الاخرى ينبغي أن يستند الى معايير تأخذ بنظر الاعتبار تباين إمكانات وكفاءات ومواهب النساء عن الرجال , وبذلك تغني كليهما من ان يحكم أو أن يقيم في ضوء المعايير أو المقاييس المناسبة للثاني , وفي حالات الصراع والمنافسة والتي تشكل الحالة الطبيعية في الحياة الانسانية , فإن الفصل بين الجنسين يضمن توفير أجواء أكثر إنصافا للأطراف المتصارعة أو المتنافسة , فإذا ما نظرنا الى واقع الحال , وفي ضوء ما آلت اليه الامور حيث يدخل الرجال في منافسة مباشرة مع النساء في كثير من المؤسسات المشار إليها نجد الكثير من حالات الغبن والاضطهاد والشعور بخيبة الأمل , يحدث هذا بسبب اضطرار العديد من النساء والرجال في منافسات غير عادلة إطلاقا نتيجة تطور الوضع الى ما تطور إليه .
www.balagh.com
|