تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

ابناء نساء أم ابناء رجال؟!
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

د . هاني يحيى نصري
وفي اللغة العربية (النسأ) من التأخير , والنساء مؤخرات عن الرجال في المواجهة بكل صنوفها , وفي الحروب , وهذا غير مرتبط بنقص كما يظن الجاهل أو الجاهلي , بل مقدرات مغايرة , وظيفيا وبيولوجيا , وفي هذه القدرات العضوية لا يتساوى الجنسان , لأنه لا مجال للمقارنة و مثلا : بين بطن فيه طفل , وبطن يستثقل وجبة دسمة , وبين جهاز عضلي متطور في جهاز مناعي ضعيف عند الرجل , وبين جهاز عضلي بسيط في جهاز مناعي قوي عند النساء , واخيرا وليس آخرا بين حجم جسدي وآخر .
وموجز القول : أن الصفات البيولوجية الظاهرة التي يتفوق بها الذكر في كل الانواع على الانثى , تبرز للعين الجاهلة , قبل أن تبرز عين العلم الصفات البيولوجية الباطنة التي تتفوق فيها الانثى , حتى أن عظمة الغريزة كعقل مبرمج باطني في الانواع , والتي تبرز عند الاناث , هي التي دفعت بـ(نيتشه) الى استغراب مطلب المساواة , لا التكافؤ مع الرجل , مع بعض النساء ( اللواتي يردن أن يستبدلن بعظمة غريزتهن عقلا تافها كعقل الرجال ) , حسب تعبير نيتشه نفسه .
مما يعني أن الجهل اذا اخذ بالانسان – ذكرا أم انثى - في حقيقة تكوينه البيولوجي , بوقفه أمام ظواهر الامور . وهنا لا يرى إلا في الرجال تفوقا على النساء ؟!.
لذلك حين جاء الاسلام قرر التكافؤ بين الرجل والمرأة , ولم يقرر التساوي بينهم , وهذا اخذ من مآخذ جاهلية اليوم على الاسلام , الداعية الى المساواة المستحيلة بين الاجناس .
جاءت (لينة) وقالت للرسول (ص) : أنا وافدة النساء اليك ما من إمرأة تسمع مقالتي الى يوم القيامة الا سرها ذلك – إن - الله رب الرجال والنساء , وآدم ابو الرجال والنساء , وحواء أم الرجال والنساء , كتب الله الجهاد على الرجال فإن استشهدوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون , وأن ماتوا وقع أجرهم على الله .. ونحن النساء نقوم على المرضى , ونداوي الجرحى فما لنا من الأجر ؟ فقال يا وافدة النساء أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج والاعتراف بحقه تبلغ ذلك كله ) .
إن المرأة في الاسلام حين لا تعصي زوجها فيما أمر الله , فتؤمن بناء أسريا متينا , تصنع امة قوية , لا مجال للعصاب والخلل في بنية ابنائها , وتعترف بجهد الرجل وجهاده , فتنال بهذا الاعتراف فقط منزلة الشهداء , وهي أرفع المنازل يوم القيامة .
فهي وحدها العالمة يقينا بحال أولاده حين تدعوهم له , لذلك حرص الاسلام أن يدعي الولد لأبيه , وللفراش , وللعاهرة الحجر . ( إنكم تدعون يوم القيمامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا اسماءكم ) , واحساننا الى اسمائنا عهد من امهاتنا لنا , على أن لا يفهم من ذلك التعصب لأنسابنا , فهو مرفوض في الاسلام كرفض المساواة الجاهلة , مطلوب طلب التكافؤ الحق العادل .
لذلك اكد الحديث الشريف على لسان الرسول (ص) على أن الله تعالى ينهى عن شطط النسب , كنهيه عن شطط المساواة الجاهلة لذلك : ( يعذب الله يوم القيامة ستة نفر بأشياء :
الأمراء بالجور , والعلماء بالحسد , والعرب بالعصبية ... الخ ) .
نحن اذا كمسلمين مدعوون الى آبائنا , في الوقت الذي ننهى عن التعصب لهم , نطلب الخلود الحق بالجهاد بكل اصنافه و وتناله نساؤنا بحفظ أسرهم من شرور ومفاسد الجهل , وما يعقبه من تفكك الاسر فالامم فالاخلاق .
ولتاكيد هذا , وصونا من جهل جاهلية العصبية , علينا أن نعرف العرق جساس , يحمل مورثات الام بقدر ما يحمل مورثات الاب , فكما بيد امهاتنا دعوتنا الى آبائنا , بأيدي وراثتهن نصف ما نملك من صفات وراثية .
لذلك كان التكبر والادعاء الخطابي والشعري , الذي تسوغه الكلمات الرنانة , للتفاخر , ومع التفاخر بوهم النسب , دون معرفة بيقين التصالب الصبغي البيولوجي حين تشكلنا في أرحام امهاتنا , كافيين للأدعاء بأن الاحفاد يحملون كل صفات اجداد آبائهم فقط , وسببه الجهل بدور اجداد الام في وراثتهم .
إن الاشرطة الوراثية المجهرية في كل خلية جنسية ذكرية أم نثوية تحمل جينات , اي صفات وراثية , تحدد كل مظهر ومخبر , من وظاهرنا وبواطننا , كلون الجلد والعينين وسعة الدماغ ... الخ .
وهذه الصفات تظل تتمتع بوجود بالقوة , مختزون من اسلافنا , لا يصير وجودا بالفعل الا حين اللقاح , حيث تلتقي الكروموزومات وتتصالب , فتاخذ من صفات بعضها بعضا , لتظهر صفة كلون العين والجلد عند الام مثلا وتخفي , أي تحمل أخرى كنفس لون العين والجلد عند الاب .
وهذه الصفات المحمولة عند الطفل تكمن في مورثاته , لاحتمال بروزها في أولاده , وقد سمى العلماء هذه الصفات الوراثية DNA أي عوامل تشكيل الجسد البشري , وكل حي.
إن طفلا مثلا ولد من أب عربي وأم فارسية , سيحمل اجتماعيا اسم ابيه تميزا له عن أخ له من هذه الام نفسها , هناك في بلده مثلا , لكنه حتما يحمل نصف مورثات أخيه من اجداده لأمه .
والانسان يحمل نصف مورثاته , من ربع أمه وربع ابيه , وربعها من آبائهما – ذكرا أو انثى – والربع الباقي , من آباء آبائهن – ذكورا واناثا – فإذا تزوج هذا الطفل حين يبلغ , من عرق جديد أو جنس جديد أو أي قوم غريب , لم يبق من مورثات إبنه العربية الا الربع موزعا بين اجداه وجداته بالتساوي – من العرب – وهكذا بعد اربعة اجيال فقط , لا يبقى من مورثاته العربية الا أثر لا يذكر , محمول في جيناته أم ظاهر .
حتى ليمكن القول أن البحيرة الوراثية DNA تفتح بين كل الشعوب المتجاوزة على بعضها وتختلط ألوانها كل مئة عام , حتى أن اكثر الشعوب عصبية وانغلاقا بين امم الارض : اليهود , لم تسلم أشكالهم من البحيرة الوراثيلا المغربية , أو اليمنية , أو الاوروبية , أو حتى الحبشية , في دولة اسرائيل اليوم , فتسرب وراثي واحد كاف لاحداث اختلاط عرقي جديد.
(واذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) (الاعراف/172) , جميعا بدون استثناء , فكلنا لآدم , وأبانا الذي هو ادم من تراب ( والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم ازواجا ) (فاطر/ 11) .
وما الطفل العربي في مثالنا السابق , الذي ولد من أب عربي وام فارسية , بمنأى في وراثة أحفاده هذا الاختلاط الوراثي وحتى العرقي , فكيف لمن يدعي أنه حفيده بعد ألف عام , أن يحدد ما بقي من وراثة جده فيه ؟! . فإذا تجاوزنا الألف والخمس مئة عام اليوم , أين نحن من النسب , هذا إن كان خاليا من أي تزوير ؟! .
العصبية ليست جهلا فقط , بل كذب مبني على الجهل بحقيقة النسب ؟! .
وما ظهور كلمة المولدين بعد الاسلام وفي الجيل الثالث بعد الرسالة , مع استمرار فعالية الادعاء الجاهلي بالنسب , الذي بنيت عليه كل فتن طالبية الطالبيين , وعنجهية الامويين , وادعائية العباسيين , الا دلالة عينية واضحة على ظهور الصفات الوراثية العرقية الواضحة على المولدين من رجال التابعين .
النسب اذا ( علم لا ينفع , وجهل لا يضر ) , وادعاءه من العلم المبني على الجهل , لكن يجب أن نعرف منه ما يدفعنا الى التواصل , لا الى التعصب والعصبية الجاهلية لذلك قال (ص) : ( تعلموا من انسابكم ما تصلون به ارحامكم ثم انتهوا ) , لانكم اذا لم تنتهوا وقعتم بفتن التعصب الجاهلي ؟! .
فإذا كان الاسلام هو الذي اعاد فضفاضية الشكلية اللفظية العربية , الى حيز البحث عن المضامين , فهو الذي حدد للجهل بعض صنوف العلم ( أن من العلم جهلا ) , والعلم الذي يؤدي الى جهل هو علم النسب إضافة الى ( أو تعلموا من العربية ما تعرفون به كتاب الله ثم انتهوا , أن تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا ) .
إن استدعاء الحديث الشريف القائل : ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) , إن هو إلا دلالة على الاستمرار في بناء العلم على الظن , واعتبار هذا الظن يقينا , عبر الاستعلاء بالنسب , الذي أكاد أقول : كان وراء كل فتن الحروب الداخلية , في الخلافات الاموية والعباسية , ثم الفاطمية و حتى بدده الزمن بدول الاتراك والمماليك والعثمانين , ثم آخر سلسلة تلك الشرور والاستعمار .
إن الارتكاز على كل معلوم مجاهيله أكثر من معاليمه , علم من طبيعة جاهلية .
كذلك يعني الجهل في لغة العرب , كل ما يخفي الخبر والخبرة , لقوله تعالى ( يحسبهم الجاهل اغنياء ) , ويعني الذي لا يعرف حالهم , فيظنهم لتعففهم وعدم سؤالهم الناس , أغنياء لا فقراء .
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com