د . جمال الدين محمود
لا تخفى أحوال المرأة وحياتها في المجتمع المعاصر في ميزاتها وعيوبها ولا يخفى أثر ذلك في سعادة المرأة وشقائها – إن مؤتمر المرأة العالمي الذي عقدته الأمم المتحدة في الصين عام 1995 , بحث اوضاع المرأة – وهو أمر يهم المرأة المسلمة – والتي تعيش في مجتمعات إسلامية هي ثلث البشر عددا في هذا العالم – على وجه التقريب – ولكن مهمة المؤتمر لم تكن سهلة ولن يكون الإصلاح بمجرد توصيات توجه الى شعوب العالم ودوله , واول ما ينبغي أن تنتبه اليه المرأة المسلمة هو أن هذا المؤتمر وما سبقه وما يتلوه إن شاء الله – لا يشهد على سعادة المرأة وإحساسها بالطمأنينة في ظل الأسرة , أو تحت النظام الاجتماعي السائد في معظم دول العالم – هناك الظلم الفادح على المرأة في ظل مدنيات تعامل البشر جميعا – الرجال والنساء كأنهم الات المجتمع لأنتاج ما يلزم حياته الدنيا فحسب – وتوضع فيه النظم والقوانين لتحل دون وجه حق محل مشاعر الانسان ونوازعه الفطرية التي تراعيها الأديان السماوية – إن المرأة في القرن العشرين وقبل نهايته بسنوات ما زالت تواجه الشقاء والتعاسة للملايين من الناس في البلاد المتقدمة والبلاد النامية على السواء , فالشقاء الذي تواجهه المرأة ليس مبعثه الفقر وحده ولكن المشكلة في النظم الأجتماعية ذاتها والتي تبتعد عامدة عن الهدى الألهي في قضية المرأة - وعلى خلاف السنة الفطرية في إجتماع الرجل والمرأة معا على كلمة الله فتسعى النظم الإجتماعية لكي ينفرد كل منهما بنفسه وبحقوقه وبمطالبه كأنه خلق ليعيش في عالم ينقسم بين الرجال والنساء , وفي ظل هذا التوجه تصبح المرأة أنانية ويصبح الرجل أنانيا ويبحث كل منهما عن مزيد من الحقوق الفردية والإجتماعية والإجتماعية وكل ما يناله الرجل يكون خصما من المرأة وما تناله المرأة يكون إنتقاصا من الرجل , والنتيجة أن معنى الآسرة يختل وأن المودة والرحمة التي تضمن بقاءها ونموها وسعادتها تختفي لأن ما يعطى للمرأة من حقوق لا تراعى فيه مصلحة الأسرة وما يتمسك به الرجل , باعتباره من حقه لا يرتبط بمصلحة الأسرة أيضا ويظهر ذلك فيما نالته المرأة في النظم الإجتماعية التي تسود العالم , لقد نالت حرية زائفة لا تتصل بجوهر حياتها ولا تزيد من سعادتها الحقيقية وجعلت مساواتها بالرجل عبئا عليها لأنها في بعض جوانبها تتنكر للفطرة وتطمس أنوثة المرأة وتلقى عليها جانبا من مسؤولية الرجل في المجتمع , وفي ظل هذه الحرية الزائفة والمساواة غير العادلة يختفي حق المرأة في المودة والسكن والرحمة والحنان الأسري وتقل سعادتها في الحياة وتتعرض بسبب ما يطلق عليه الحرية والمساواة الى الاستغلال , وأذا رجعنا الى تقارير الأمم المتحدة عن وضع المراة العالمي وما تلاقيه من شقاء وتعاسة وأمعنّا النظر في أسبابه الحقيقية فسوف نجد بدايتها في المعنى الزائف والمغلوط لحرية المرأة ومساواتها بالرجل – إن المرأة الغربية بالذات وفي كثير من بلاد العالم نالت حريتها الإجتماعية تماما فمن أين ورد عليها هذا الشقاء وكيف جرى إستغلالها وإيقاع الظلم بها على النحو الذي يظهر واضحا حين يطلع الإنسان على وضع المرأة العالمي .
ولكن ثمة مقابلة تكشف الحقائق كاملة إذا نظرنا الى وضع المرأة في المجتمع الإسلامي الأول بعد أن ظهرت في الجزيرة العربية وفي القرن السادس الميلادي الرسالة الخاتمة – في مجتمع وصف بأنه مجتمع جاهلي وفي سنوات الرسالة الاولى – نالت المرأة حقها في الاعتقاد والتدين وتحمل مسؤولية الدين وتبعاته وبايعت الرسول (ص) على ذلك لم تكن تابعة في ذلك لزوجها ولا لرجل آخر حتى لو كان أقرب الناس إليها , وقد ذكرنا ذلك قبل من قبل وفي حياة الرسول (ص) طلبت النساء أن يخصص لهن يوما للتعلم كما يتعلم الرجال وفي حياة الرسول ايضا شاركت المرأة في اعباء الجهاد بل قاتلت المرأة دفاعا عن دينها ومعتقداتها ومجتمعها الجديد , وأقام الإسلام نوعا من الولاية المتبادلة بين الرجال والنساء في المجتمع يقول الله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض ) (النساء/ 71) , ولم يعهد في التاريخ الديني لغير الإسلام أن النساء كان لهن شأن بالعلوم الدينية – رواية أو دراية – بينما ظهر ذلك في المجتمع الإسلامي بعد أقل من نصف قرن على ظهور الإسلام في مجتمع كان يسوده التخلف وظلم المرأة وانتقاصها , ولكن الإسلام الذي أنار العقول وزكى النفوس – لم يكن المجتمع الإسلامي في عهد الرسول (ص) هو مجتمع الرجال وحدهم بل كان المجتمع الذي يقوم على جهد الرجال والنساء معا في ظل قيم وآداب جاء بها الإسلام لتحفظ على المجتمع سلامته وتضمن تقدمه وتحقق سعادة الاسرة قبل ذلك – وهي الأساس في الحياة الاجتماعية فلم تكن المرأة منبوذة في المجتمع ولم توجه إليها الإهانات الظالمة بخطيئة أزلية أو بغيرها فكل نفس بما كسبت رهينة وليس للأنسان إلا ما سعى – وفي كتاب الاستاذ محمد جميل بيهم عن (المرأة في التاريخ والشرائع) ينقل إلينا ترتوليان – أحد كبار رجال الدين المسيحي في القرن الثاني للميلاد (أيتها المرأة يجب عليك دائما أن تكوني مغطاة بالحداد لا تظهرين للأبصار الا بمظهر الخاطئة الغارقة في الدموع) , وفي القرن السادس الميلادي سنة 586 م وضعت المرأة أمام مجمع باكون ليتساءل المجتمعون من كبار رجال الدين بشأنها هل هي من جملة البشر وهل لها روح؟ ويقول نفس المؤلف في كتاب : (المرأة في التاريخ والشرائع ) ان المجتمع وافق على ان للمرأة روحا وانها من جملة البشر – ولكن بأغلبية طفيفة – كان ذلك في نهاية القرن السادس الميلادي وينقل لنا الكاتب الانجليزي ولستين جودزيل : قول بولس في رسالته الى أهل كورنثوس : (لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع ولكن لست آذن للمرأة أن تعلم ولا ان تتسلط بل تكون في سكوت) أما القرآن الكريم فتتحدث آياته عن كرامة الآدمي – وعن فضل الامهات وتضحياتهن في سبيل الحياة وتتكلم عن المؤمنين والمؤمنات والصالحين والصالحات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ويدعو المؤمنون كما جاء في آيات القرآن الكريم : (ربنا هب لنا أزواجنا وذرياتنا قرة اعين) (سورة الفرقان74).
ويقول الرسول (ص) في رواية مسلم : (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) وفي متاع الجنة أيضا : (أزواج مطهرة).
هذا في القرن السادس الميلادي في المجتمع الإسلامي الأول القائم على هدى كتاب الله وسنة رسوله ولكن بعد ذلك بعدة قرون – كما يذكر الأستاذ محمود عباس العقاد في كتابه : (المرأة في القرآن) بيعت المرأة في أسواق أنجلترا لقاء (شلنين) , وحتى في نهاية القرن التاسع عشر في إنجلترا ظلت مجردة من حقها الكامل في التقاضي وتملك العقار و وفي فرنسا محرومة من اهليتها للتصرف في مالها إلا بموافقة زوجها .
www.balagh.com
|