د . أماني أبو الفضل فرج
هناك محور آخر لفكر الجندر ألا وهو (تمكين المرأة) , أو الملاحظ هنا أنها تعبر عن مبدأ نبيل , وهو الأخذ بيد المرأة لتتمكن من أخذ فرصتها في الحياة , ولكن هل المعنى الأصلي الوارد في وثائق الجندر يحمل المعنى نفسه ؟ كلمة تمكين في العربية تعني التقوية والتسلط والتسويد فيبدو أن المرأة قررت إنتقاما للميراث التاريخي لتسلط الرجال عليها أن تعاقب بمثل ما عوقبت به , والعين بالعين والسن بالسن والجندر بالجندر !..
إن تمكين المرأة في ثقافة الجندر لا يتم من خلال دفعها وإعطائها الكفاءة اللازمة للوصول إلى ما تطمح إليه بالأدوات الطبيعية للمنافسة من خبرة وكفاءة ... بقدر ما يتم من خلال تطبيق (الحصص النسبية) تحت شعار النصف بالنصف أي نصف للرجل ونصف للمرأة في كل مجالات العمل , وبهذا يكون العد الإحصائي هو الهم الشاغل لمفكري الجندر , ففي مجال كذا نسبة المرأة للرجل كذا ... ويبدؤون في تبكيت صناع القرار وهكذا وأنا أرى أن هذا ليس فقط دكتاتورية يحول بها هذا الفكر إبتزاز المجتمع , ولكني أراه أيضا تسولا غير مقبول للمرأة ذات الكرامة لتنال ما لا تستحق , فالمجتمعات العربية التي أمامنا تعج بالسيدات اللاتي يتولين أعلى المناصب الوزارية والإدارية والجامعية بكفائتهن وطموحاتهن العالية , لم يوقفهن مجتمع ذكوري , أما القول بالحصص فمنبعه عقدة إضطهاد واضحة , ونظرية مؤامرة مخترعة , تتوارى خلفها المرأة الكسول التي لا طموح لها و والتي على الرغم من خمولها تسعى لنيل الوظائف عن طريق الحصص هذه , والناظر لنظام الحصص هذا , يجد انه ليس فقط معيبا للمرأة ومشجعا إياه على الخمول وإنعدام الطموح , ولكن أيضا هو دمار للوطن , حيث يتولى قيادته من لا كفاءة ولا خبرة ولا مطامح , وبذلك نجد أن فكرة التمكين هذا مرفوضة على مستوى النساء أوالرجال , أو أي فئة أخرى من فئات المجتمع تفتئت بها على فرص وحقوق الآخرين .
وبعد فهذه بعض من ملامح الفلسفة الغربية المسماة بالجندر , فهي تقبلها لتكون نموذجا لتحرير المرأة العربية المسلمة ؟ وهل يصلح أي نموذج – جندرا كان أو غيره – أن يكون وحده حاكما على هذا الكم الكبير من الثقافات والأعراف و التي يعج بها وطننا العربي والمسلم , فضلا عن غيره من مجتمعات مسيحية ووثنية؟
لو تلمسنا واقع المأة العربية لوجدنا أن معاناة المرأة في مصر , ليست هي معاناتها في سورية , ليست هي معاناتها في فلسطين وفي لبنان لها وضع مختلف أيضا ... وهكذا فكل بلد له طبيعة نفسية فريدة لنسائه ورجاله عن البلد الآخر, فالعروبة الإسلام , وإن كانا يجمعان شعوبهما على مساحة مشتركة كبيرة , إلا انهما لا يمسان مساحة أخرى من الخصوصية الفكرية والإجتماعية والتراثية المرتبطة بتاريخ وجغرافية كل قطر , فكيف نوحد هذه التباينات تحت لواء نموذج تحرر واحد ؟! فالمرأة المصرية يؤرقها الفقر المدقع , وإنعدام فرصة التعليم والصحة , في كثير من الطبقات الإجتماعية , وتحررها يعني حصولها على الحد الأدنى من لقمة العيش وفرص الحياة الكريمة , على حين المرأة في فلسطين والعراق ياتي تحررها من تحرر وطنها الأسير , والمرأة في بعض بلدان الخليج يكمن تحررها في إنتزاعها لحقوقها السياسية التي تنفرد بين نساء العالمين في الحرمان منها , فهن ليس فقط محرومات من الهلية لترشيح أنفسهن , ولكن أيضا من أختيار من يمثلهن , ولا يمتلكن أصواتا إنتخابية , والمرأة التركية والألبانية معاناتها هي إرتفاع العنف الأسري ضدها ... وهكذا فإن إدعاء وجود نموذج تحرير واحد يطبق على الكل , هو إهدار للوقت والجهد , ويدخل في باب المزايدة والنفاق السياسي , لا يوجد من يقف عقبة في طريق تحرير المرأة ودفعها للأمام دفعا وتذليل الصعاب أمامها لتلحق بصنوها الرجل في ركب التنمية وخدمة المجتمع , ولكن ما نتوقف عنده هو النموذج الذي من خلاله يتحقق هذا , الجندر , ليس نموذجا سويا للتحرير كما يروج لنا أصحابه , لكنه فلسفة غربية ومنظومة أخلاقية تحتاج إلى تقويم وإعادة تقويم , وعلى من ينادي بتجربتها أن يعرف أن المرأة والرجل والطفل هم إنسان مكرم مخلوق من روح الله تعالى , ولن يكونوا فئرانا للتجارب الإجتماعية , التي يؤدي فشلها إلى تشوه نفسي واجتماعي واخلاقي يحتاج إلى أجيال لعلاجه .
وننتهز فرصة هذا السباق لنؤكد ما بدأن به , هو انه من جميل صنع الله تعالى أن جعل من أحداث سبتمبر المأساوية فوائد , منها أن المرجعيات الغربية التي كانت متكأ للعديد من منظري العرب , قد سقطت وفقدت صدقيتها , وبات حتميا أن يكون العرب والمسلمون مرجعا بعضهم لبعض وأن يعرفوا كيف يستمع بعضهم لبعض , مهما تطرفوا في الإختلاف الفكري والثقافي , ففي النهاية يجمعهم مبدأ مشترك هو الإخلاص في حب الوطن والعروبة والدين , وإذا كان لا يجمعهم غير هذا المبدأ فأعظم به من مبدأ .
www.balagh.com
|