تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

رفع حجاب الأوهام عن حالة المرأة العربية
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

محمد الرميحي
كثيرا ما تحدثنا عن المرأة العربية , وقد دبجت فيها الكتب الكثيرة والمقالات المتعددة , ولكننا حتى الآن , كمجتمع عربي , لم نتوصل إلى تحديد دقيق لدور المرأة في المجتمع العربي ومستقبل هذا الدور , نسمع عن المرأة كأم وكزوجة وأخت , ونقرأ فيها أشعر المديح لهذه الأدوار , ونفرح كثيرا إن قلنا إنها تقلدت المناصب العليا , فأصبحت وزيرة أو سفيرة أو مديرة , ولكن الدور الإجتماعي لها حتى الآن لم يتساو في الواقع المعيش مع الرجل و لا من حيث المكانة ولا من حيث الدور , ونتحدث عن التقدم والعلولمة والوسائل الإعلامية المخترقة للمجتمعات والقارات واختزال العالم إلى قرية كونية , ولكننا لا نرى دورا جديدا للمرأة العربية في المجتمع كشريك أو مكافئ لزميلها الرجل , لا من حيث الوضع القانوني ولا من حيث القبول الإجتماعي , ولا من حيث الدور التنموي , ودون الحديث عن دور الشريك في التنمية , في شكليه القانوني والإجتماعي للمرأة في المجتمعات العربية فإن ما نتحدث عنه تنمية وتطور لمجتمعاتنا هو حديث خرافة , أو على الأقل حديث مراوحة .
إن قضية المرأة العربية تحتاج إلى إعمال لفكر حديث ومتطور ومبتكر , أكثر مما تحتاج إلى تكرار المقولات السابقة في التحرر والأنغلااق , تحتاج إلى نظرة موضوعية تلائم بين المطلوب والممكن , ولكن في سياق حضاري يأخذ بما أخذ به العالم من حولنا .
لقد تابعت المرأة خطى التطور في تاريخ المدنية الحديثة , ولا زمت الرجل في جهاده الشاق نحو المدنية , فإن كان الرجل قد ضحى بالكثير من جهده العضلي والعقلي في بناء دعائم الحضارة التي نستمتع بها اليوم , والكشف عن بعض أسرار المجهول فيما حولنا , فقد ضحت المرأة بجهد نفسي, فأعطت من روحها وعواطفها وإنفعالاتها ما قد يساوي أو يفوق ما قد أنفقه الرجل من جهد , لقد عانت المرأة من عنف الرجل وظلمه أحقابا طويلة , لو قدرناها لفاقت تضحيتها في هذا المجال تضحية الرجل , ولولا فضل المرأة في العمل الشاق , وتدبير شؤون الأسرة , لتعذر على الرجل وحده أن يدب على الأرض ويكتشف أسرارها , ولقد عرفنا اليوم من تاريخ الجماعة الإنسانية الأولى أن الفلاحة واكتشاف النار , هما سببان أصيلان للحضارة الإنسانية , قد إكتشفا من قبل المرأة .
الحوار حول حقوق المرأة في المجتمع العربي سرعان ما يتحول تكرارا إلى حوار أخلاقي , خوفا على أخلاق المرأة من الفساد , هكذا يتصدى البعض للوقوف أمام الحقوق الطبيعية والإنسانية للمرأة العربية , في بعض مجتمعاتنا دخلت بعض الفئات في مقاومة شرسة ضد تعليم المرأة لأنها إن تعلمت –من وجهة نظرهم- وعرفت كيف تكتب , أمكن لها مراسلة الآخرين والأتصال بهم , هذه الحجة الساذجة من الخوف الوسواسي هي جزء من الخوف من التجديد , وقد سقطت هذه الحجة بمنطقتنا اليوم , ونحن في عصر الفضائيات والهواتف الدولية , وحتى الأنترنت , ويبتسم بعض أبناء وبنات الجيل الجديد غير مصدق أن هذه الحجة كانت إحدى قلاع الدفاع التقليدي ضد تعليم المرأة .
أما الحجة الثانية التي لا تبتعد عن الأولى خطاً فهي أن المرأة تتعرض إن عملت مع الرجل إلى خدش حيائها أو الأغواء من قبله , ونجد أن ملايين النساء يعملن اليوم جنبا إلى جنب مع الرجل في المكتب والمصنع والمدرسة ومع ذلك فإن الشطط قليل ولا يكاد يخلو منه مجتمع , مهما كانت القيود .
والحياة الحديثة تجبر المجتمعات اليوم على التكيف معها , وهي حياة تبتعد كل يوم عن الكسل والدعة وتتطلب النشاط والمثابرة والمشاركة في مجالات التنمية المختلفة , ما يعوق المرأة العربية في المجتمع العربي اليوم ليس نقص التشريع فقط , فهناك بعض المجتمعات العربية ما زالت تقاوم مثل هذه التششريعات الحديثة وتتحايل في تأخير أو حرمان المرأة من هذه التشريعات , إلا أن المشكلة الأهم هي أنه حتى في وجود التششريع فإن التطبيق ما زالت أمامه عقبات إجتماعية , وهنا الخطورة الكامنة , فإن يكون هناك تشريع ولا يكون هناك تنفيذ يعني أنه ليس هناك مجتمع دولة بالمعنى الحديث .
إن الخطاب العام للمستقبل هو الخطاب الديمقراطي, والتي تسعى المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة من القرن الذي ينقضي –رسميا على الأقل – للحاق بهذا الخطاب ولو شكليا , وتقديم تطبيقات مختلفة له منها : مساهمة المرأة في المجتمع كشريك , وبالتالي لا يمكن لهذه المجتمعات أن تتجاهل نصف المجتمع وهي تدعي الديمقراطية وتحاول تطبيقها , لقد سألت أحد كبار المسؤولين في برلمان عربي دخلت فيه المرأة مساهمة أخيرا : ماذا عن دورها داخل البرلمان ؟ فأجاب وأحسبه صادقا : إن المرأة دورها محدود جدا لأن الظروف الإجتماعية لا تسمح لها بأكثر من ذلك وتلك هي إحدى القضايا الخاصة بالمرأة العربية , لأنها إن لم تحصل بعد على إعتراف إجتماعي بدورها يبقى الإعتراف القانوني , مهما أخذ من صيغ , شكليا بحتا , وأيا كانت زاوية النظر التي نرى منها تطور المرأة العربية سواء من منظور المجتمع السياسي أو المجتمع المدني , فإننا سوف نلاحظ أن هذا التطور هو كمي مظهري لم يؤد بعد إلى تغيرات نوعية جوهرية , فالمرأة العربية الحضرية التي شاركت في مجال العمل بقوة التشريع لم يؤد خروجها إلى العمل الى تحررها ثقافيا واجتماعيا وتحررها من عقلية الحصار , فلا تزال الثقافة السائدة هي ثقافة السيطرة للرجل في مقابل الخضوع للمرأة , وهي عاجزة في بعض الطبقات الإجتماعية – مهما تعلمت- حتى عن إستخدام حقها وحريتها في إختيار شريك حياتها أو نوع عملها ناهيك عن القدرة على سفرها منفردة , وتعدد التيارات الفكرية العربية تجاه الموقف من المرأة , وهو تعدد إن أحسنا الظن به , ومن المفروض أن يقود إلى محصلة ما تفيد المرأة , إلا أن هذا التعدد لا يزال متحصنا خلف متاريس أيديولوجية عالية الجرس , بعض هذه التيارات يسعى جاهدا للأستجابة للتغيرات التي طرأت على المجتمع والحصول على المزيد من الحقوق والمكاسب للمرأة , ولكن هذه الطريقة من المكاسب تحسب لما يضيف إلى رصيده السياسي لا بتقديم نظرة إنسانية ,حديثة للمرأة كعضو في المجتمع , وبعضها يريد أن يستمر الحال كما هو , ويدافع عن الوضع القائم بدفوعات أخلاقية واجتماعية , إلا أن جميع التيارات الفكرية العربية تعي بوضوح أهمية تجنيد المرأة للدفاع عن الأطروحات السياسية التي تراها مناسبة , وقد يكون بعضها مضادا لمصالح المرأة , كما تواجه هذه التيارات جميعا مشكلة إستيراد القيم الأيديولوجية والثقافية في الحركة النسوية العربية ولا تجد إلا في النادر من يدرس أزمة المرأة العربية من منطلق تراثي إجتماعي معاصر ومستنير , وليس بالضرورة أن ما خطته المرأة العربية إلى أن تخطوه , على الأقل في الشكل إن لم يكن في الجوهر .
وتؤكد أدبيات التنمية –من أي زاوية نظرت إليها- على أن أساس التنمية اليوم هو رأس المال الإجتماعي أي البشر وتتفاوت التنظيمات الإجتماعية في العالم من حيث الشكل , فتعتبر اليابان مثلا مجتمعا يتميز بطابع المجتمعات التي تعمل طبقا لمفهوم الجماعة , بينما تعتبر الولايات المتحدة على النقيض فهي إجتماعيا تعتبر رمزا للفردية والمبادرة , هذا الإختلاف يمكن الإشارة إلى عدد كبير من عناصره الأخرى , كالجمعيات التطوعية , ودور الدين في المجتمع , وشكل المؤسسات السياسية , ولكن تتشابه البلدان في نظرتها لرأس المال البشري الذي يعتبره الجميع محركا للتنمية , وهذا الرأسمال لا يقتصر على الرجل بل هو من الأثنين معا الرجل والمرأة , بل إن دور المرأة يشكل الرافعة في التنمية الشاملة , فلا يخفى على عاقل أهمية وخطورة دور الأم في عملية التنشئة الإجتماعية , بسبب قربها من طفلها في السنين الأولى من عمره , ودلت الجراسات على اهمية التنشئة الإجتماعية في تشكيل السلوك الإجتماعي للفرد , وما صيحة شخصية تاريخية مثل هتلر عندما إستغاث "بالأم الألمانية" إلا درجة من درجات تحفيز التشكيل الإجتماعي وإن كان سلبيا في تلك الحالة , وفي تاريخ الثقافات العالمية كما في تاريخ الثقافة العربية تأكيد لهذا الدور , فالقول المنسوب لشكسبير (إن الأم التي تهز المهد بيمينها بينما تهز العالم بيسارها) أو قوبل حافظ إبراهيم في البيت الشعري المشهور :
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبا طيب الأعراق
هو تحصيل لأهمية تعليم وتدريب وتحرير المرأة , ولكن يحتاج إلى مناقشة هو كيفية الإعداد ومحتواه , هل هو إعداد لحمل تبعات مجتمع حديث ومتطور أوهو إعداد لحمل الماضي كما هو أو تزيينه أو إعادة إنتاجه ؟ ثم كيف يمكن أن نحول القيم المبتغاة من داخل الأسرة على إفتراض صلاح هذه القيم الى المجتمع ؟ إن من يدفع أكلاف غياب إجابات صحيحة على هذه التساؤلات هو أجيالنا القادمة , حيث إن إستمرارنا العيش في فجوة العوالم المتفارقة يشوه مستقبلنا الذي نرجوه, فنحن لا نستطيع أن ننوب عن أي كان في عملية الموت الحضاري , وقد قال أحد الحكماء (ليس سبب مشاكلنا ما لا نعرف , إن سبب المشاكل هو ما نعرف ولم يحل بعد).
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com