الإبداع الحقيقي يأتي من خلال الحرية الحقيقية، ولم تعد الحرية تعطى بل تمارس، وهنا نسأل متى قُدِّر للمرأة أن تأخذ قسطا من حريتها، فلكي تبدع المرأة، أي لكي تعبر عن رأيها سواء كانت شاعرة أو روائية أو موسيقية .. الخ، لابد من الحرية، وعندما تكتب أو ترسم أو تغني فإن هذا يعطينا جوهرا إنسانيا، ولكن إذا كانت التقاليد تجبرها ألا تتعلم أو تتكلم فكيف ستعبر وتبدع؟
ويضرب فاروق شوشة مثلا بقيس وليلي، فقيس أٌتيح له أن يملأ الدنيا شعرا في حب ليلى، والغريب أن ليلى كانت شاعرة، ولكن أين شعرها؟ وباحت لمن؟ ومن حفظ شعرها من الرواة؟ ومن اهتم بتسجيله، وهي في ذلك تقول:
باح مجنون عامر بهواه ** وكتمت الهوى فمت بوجدي
وتقول "لم يكن المجنون في حالة إلا وكنت كما كان، لكنه باح بسر الهوى، أما أنا فمت كتمانا."
ويتساءل شوشة: المرأة المقهورة المحبوسة سجينة العادات والتقاليد وتحكم الأسرة كيف يمكن أن تكون مبدعة؟ ويوضح أنها إذا أبدعت فهو إبداع حبيس، وليس الإبداع الطليق الحر الذي لا حدود له ولا آفاق.
ويقول إن أحمد شوقي عندما عرف أن ليلى لها شعر، وضع على لسانها (في مسرحيته الشعرية "مجنون ليلى") ما يعبر عن فقدان هذا الشعر، وجاء ذلك عندما أراد قيس أن تترك ليلى بيت الزوجية وتلحق به، فقالت: لو فعلت هذا لقتلت أبي خجلا ولسار فوق الناس والخزي فوق رأسه.
وقالت:
كلانا قيس مذبوح قتيل الأبِ والأمِّ
صريعان بسكين من العاداتِ والوهمِ
لقد تزوجت مما لم يكن ذوقي ولا طعمي
ويؤكد فاروق شوشة أن المرأة السجينة لا تبدع، وتبدع كلما أتاح لها المجتمع والحياة الحرية، وعندما بدأنا تقول حقوق المرأة، والمرأة نصف الوطن وأم الأبناء، والتفتنا حولنا فوجدنا انفجارا في القصة والرواية والشعر الذي تكتبه المرأة المبدعة.
ويشير شوشة إلى أنه عندما كانت التقاليد تخنق المجتمع كانت هناك عائشة التيمورية فقط، وحولها غابة من الشعراء الرجال، ثم جاء جيل بعدها فوجدنا ملك حفني ناصف، ثم جاء عصر تال أصبحت المرأة متحررة بعض الشيء، فوجدنا بنت الشاطئ التي لم تكتب باسمها الحقيقي، فكانت مواجهة للمجتمع، ولا تستطيع أن تكتب باسمها الحقيقي عائشة عبدالرحمن.
ويوضح شوشة (أمين عام مجمع اللغة العربية) أن مجمع اللغة العربية الذي أنشئ في القاهرة عام 1932 يصر حتى الآن ألا تدخل في تشكيل عضويته امرأة، وفي العام الماضي احتفل بمرور 75 عاما على تأسيسه، ولم نجد في عضويته امرأة واحدة، ولكن هناك خبيرات في بعض اللجان فقط.
معنى هذا، عند فاروق شوشة، أن عقلية الرجل كانت ولا تزال يؤثر فيها تاريخ طويل، ولكننا الآن نسمع عن مخرجات في السينما، بعد أن كانت الأجيال الأولى لهذا الفن غابة من الرجال، فالسينما كما هو معروف بدأت بالرجال.
ويعود شوشة للتساؤل: هل معنى ذلك أن المرأة بتكوينها ينقصها جينات الإبداع؟
ويجيب: أبدا، فكل ما هنالك أن المرأة في بعض المجتمعات المتخلفة تسأل نفسها إذا كتبت: ماذا سيقولون عن هذه القصيدة أو الرواية التي تكتبها ومن بطلها؟
ويوضح أننا نستقبل عمل المرأة دائما استقبالا غير أدبي، لأننا نريد شيئا آخر غير الأدب، وهذا الأمر من ميراث المجتمعات غير المتحضرة عموما.
ويضرب مثالا برواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي، وما كتبته كوليت خوري في رواية "أيام معه"، وقال البعض إن بطل هذه الرواية هو "نزار قباني"، وقالوا تعالوا نقرأ الرواية ونرى.
ويضيف لقد أصبح القراء محققين ووكلاء نيابة بدلا من استقبال العمل الأدبي كأبداع أدبي.
|