تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

المعرفة العلمية في نموذجها الأنثوي
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

د.عماد فوزي
هل هنالك من مشروعية لتناول موضوع المعرفة من زاوية الفصل بين الجنسين؟. هذا السؤال لم يعد مشروعاً فحسب، إذ أنه يتم التعامل معه على أنه موضوع للبحث في سياق الفروق بين الجنسين في علم النفس؛ وهو يتجاوز الحركة النسوية (Feminism) التي تعني تأكيد المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق مستخدمة الداعي السابق لإلغاء الفوارق النوعية في المعرفة. وكذلك فهو يتجاوز النسوية الجديدة (نسوية ما بعد الحداثة) التي تميزت بنقد الانفراد العقلاني للذكر (Pallogocentrism) ورفض مركزيته التي جاءت تتمة للنزعة المركزية الأوروبية،كما تتجاوز الجنوسة (Gender) أو النوع الجنسي الذي لا يعني الفوارق الجنسية البيولوجية فحسب، بل يضيف إليها مجمل الأوضاع والخبرات والأدوار الاجتماعية التي تجعل الرجل رجلا والمرأة إمرأة.
على هذا الأساس من التمايز نشأت في أوروبا نزعة فلسفية دُعيت بفلسفة العلم الأنثوية تحاول أن تبرز القيمة الأنثوية في المعرفة
• مدخل إلى الجانب الأنثوي في المعرفة:
لعلنا نستطيع أن نعزو إلى يونغ عالم النفس الشهير البدايات المنهجية لهذا التقسيم بين عقليتين أحدهما ذكرية ودعاها بالروح الذكرية Animus) (والثانية أنثوية ودعاها بالروح الأنثوية Anima.وهو ما حدا بالباحثين لاحقاً إلى ربط ذلك بالجانب البيولوجي؛ حيث أن النصف الأيسر من الدماغ المسؤول عن الجانب المنطقي قد ربط بالروح الذكرية والنصف الأيمن من الدماغ هو المسؤول عن الجانب الإنثوي.وهنا يتضح الأمر من خلال ما يلي:
"وجدير بنا الآن وقد وصلنا إلى هذه النقطة أن نذكر المكتَشَف الحديث في فسيولوجيا المخ: أعني التمييز الذي اهتدى إليه ر.دابليو.سبيري، بالقول إننا ننقسم بالفعل إلى شخصين يعيشان داخل رؤوسنا، في النصفين الكرويين الأيمن والأيسر من المخ. وقد كنّا نعرف منذ زمن طويل أن النصف الكروي الأيسر من المخ يهيمن على اللغة، على حين أن الأيمن يختص بالتعرف (أو التمييز). وكذلك يتعلق النصف الأيسر بالمنطق والعقل، بينما يختص الأيمن بالتذوق كالاستمتاع الفني .
ويرتبط نصفا المخ فيما بينهما بمعبر من الألياف العصبية، فإذا استُؤصِلَ هذا المعبر، فإن كلا منهما يستمر في العمل منفصلاً عن الآخر. وهكذا، إذا عُرضت تفاحة على النصف الأيسر من المخ (الذي يرتبط في الواقع بالعين اليمنى)، وإذا عُرضت برتقالة على النصف الأيسر، وسُئلت ماذا شاهدت لتوِّك فستجيب: تفاحة. ولكن إذا طلب منك أن تكتب بيدك اليسرى ما شاهدته في التو واللحظة، فإنك ستكتب: برتقالة. وإذا سئلت ماذا كتبت من فورك، فستجيب: تفاحة. ومعنى هذا أن كل نصفٍ من نصفي المخ لا يعلم ما يفكر فيه الآخر، عند قطع خطوط الاتصال.
غير أن النتائج الناشئة عن هذه التجربة والتي لها أهم الدلالة هي أن الكائن الذي تسمّيه «أنت» ـ أي ذاتك ـ يستقر في النصف الأيسر من دماغك. وهناك «أنت» أخرى على بعد بوصات قلائل، في النصف الأيمن: ولكنها صامتة.
فعندما أجري عملية حسابية على الورق، فإنني استخدم نصف مخي الأيسر، مع قسط معين من المعونة التي يقدمها النصف الأيمن من حين إلى آخر، عن طريق الاستبصارات المفاجئة.
إن هذه ـ إجمالاً ـ هي الطريقة التي يعمل بها المخ البشري: فالنصف الأيسر هو «الإنسان الأمامي»؛ الأنا التي تتعامل مع العالم. والنصف الأيمن عليه أن يعبِّر عن نفسه عن طريق النصف الأيسر. ومجمل الأمر، أن النصف الأيمن يجد بطئاً شديداً في أداء وظيفته، ذلك أن النصف الأيسر في عجلة دائماً من أمره، ولا يكف أبداً عن معالجة المشكلات، ويميل إلى معاملة النصف الأيمن في شيء من نفاد الصبر. وهذا هو السبب في أن الإنسان المتحضر يبدو أنه لا يملك من فعّالية النصف الأيمن إلاّ أقلها.
ويبدو من المحتمل أن نوابغ الحساب لم يقعوا بعد ضحية لسيطرة النصف الأيسر الآسرة. فهم يبصرون الجواب عن مشكلة ما، وينقلونها فوراً، دون أن يعوقهم الشريط الأحمر المألوف للبيروقراطي الذي يقيم في النصف الأيسر من المخ.
وينبغي أن نؤكد أن هذه هي المشكلة الحقيقية للإنسان المتحضر. فنحن قد تطورنا إلى مستوانا الحاضر من خلال استخدام اللغة والمفاهيم. ونحن نستخدم هذه باستمرار إلى درجة أننا «توحَّدنا» مع النصف الأيسر من المخ. ولكننّا نرى أن في هذا ضرراً حقيقياً، لأن «الشخصية» ليست بمعنى ما، هي الشطر اللغوي فينا فقط؛ إنها كليّتنا، لكنّ الحياة المعاصرة تطالبنا بأن نكون خارجيين فقط؛ أي نبدي غير ما نخفي. وتنشأ المشكلة من موقف الأنا من اللاأنا الذي يعيش في النصف الأيمن من المخ، الذي نميل إلى معاملته بوصفه شخصاً أبله، وأخاً أصغر ليس له حظ من التألق، بل إننا نتجاهله دائماً ونطلب منه الصمت. فإذا تحملنا مشقة الإصغاء إليه، منعنا منه الكثير، وذلك تحت هاجس القبض على القانون بكلتا أيدينا.
ومن الأمور الدالة، أن المخ الأيسر لديه إحساس قوي بالزمان، على حين أن الأيمن لا يملك شيئاً من هذا الإحساس ـ وليس معنى هذا أن النصف الأيمن يفتقر إلى القدرة على حساب الزمان ـ بل على العكس أنك حين تقول لنفسك إنه ينبغي عليك أن تصحو في الساعة السادسة بالضبط، وتفتح عينيك والساعة تدق السادسة، فهذا من عمل النصف الأيمن. إذ أن الأمر بالنسبة له كتلقٍ للزمن من النصف الأيسر وتخزينه لحين قدومه غير المحدد في قياسه الزّمني .
فالمخ الأيسر يتعامل مع سطوح الأشياء، مع الأشكال، والمخ الأيمن يتعامل مع البصائر، ومع مايتوارى تحت السطح.
إن المخ الأيسر وسيلة لتوفير الجهد، ولتوفير الطاقة. فيما ينتج المخ الأيمن الإحساس المتوهج العجيب بالواقع حين يكون مفعماً بالطاقة، ولعل ذلك يتأتى لك في صباح يوم من أيام الربيع، حين تكون مرهقاً يتولي المخ الأيسر العمل. والكد الذهني المستمر يمكن أن يولَّد الحالة التي سماها سارتر «الغثيان»، وهذا ما يُفسّر الآن باعتباره الحالة التي يستعرض فيها المخ الأيسر العالم، مع افتقاره لكل رؤية عن معناه، وهنا يكون المخ الأيمن قد تخلى عن مهمته: فيبدو الواقع فجَّاً، خالياً من المعنى.
وهنا نصل من الجدل إلى شطره الأصعب الذي يتأبى على الإدراك. فالمخ الأيمن هو الذي يعرض على المخ الأيسر «الفورية»، أي ما يحدث هنا والآن. والمخ الأيسر «يتفحص بدقة» العالم، أما الأيمن فيضفي المعنى والقيمة. وعيناك اللتان تفحصان الآن هذه الكلمات، تخبرانك فعلاً بأكاذيب.
ذلك أنهما تعرضان عليك عالماً لا واقعياً أساساً بوصفه الواقع الوحيد. أقول «هذا واقعي»، وأنا أدق على المائدة بمفاصل أصابعي، غير أن مفاصل أصابعي ليست إلا «فاحصات» أخرى، مثل عينيّ".

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com