تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

لماذا لم تتبوأ امرأة عربية مركزاً قيادياً عالياً؟!
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

إبراهيم الحيدري
تثير قضية المرأة العربية تقدمها وعدم تبوئها أي دور سياسي متميز في العصر الحديث ,إشكالية سوسيولوجية يمكننا صياغتها في السؤال التالي: لماذا أخذت المرأة الآسيوية مركزاً قيادياً متميزاً,كما حدث في صعود أنديرا غاندي في الهند,وباندرا نايكا وابنتها تشاندريكا في سيرلانكا,وأكينو في الفيليبين ,وبنزير بوتو وأمها في باكستان,والشيخة خالدة ضياء الحق وحسنية عبد الرحمن (ابنة مجيب عبد الرحمن مؤسس بنغلادش) في بنغلادش,وأونغ سان سوتش في بورما,وأخيراً ميغاواتي (ابنة الرئيس سوكارنو) في أندونيسيا,الى جانب تانسو تشيلر في تركيا,وابنة هاشمي رفسنجاني التي تسابقت مع أبيها في ايران,ومعصومة ابتكار نائبة الرئيس الإيراني محمد خاتمي الى الحكم,في حين لم تأخذ المرأة العربية أي دور قيادي متميز لها في العصر الحديث؟! ما هي إذاً,الظروف والشروط الاجتماعية التي وفرت للآسيويات تلك الفرص ولم توفرها للعربيات؟ هل هي قيم الوفاء والولاء الأهلية للأنوثة التي هي أقوى من قيم الذكورة,أم هي المساواة النسبية بين الجنسين في آسيا؟ أم يعود ذلك الى نظام اجتماعي قديم كانت المرأة فيه تتمتع بمكانة اجتماعية واقتصادية ودينية عالية,من بقاياه مانلاحظه اليوم من حصول المرأة الآسيوية على فرص الصعود الى قيادة المجتمع؟
إن ظاهرة عدم تبوؤ المرأة العربية أي دور اجتماعي – سياسي,إلا في القليل النادر,أمر يدعو الى التساؤل,فقد ظهرت نساء آسيويات,مسلمات,وغير مسلمات على المسرح السياسي,ولكن لم تظهر في العالم العربي أية واحدة استطاعت أن تأخذ مكانة اجتماعية مرموقة,وأن تتخذ لها موقعاً سياسياً مهماً! هل يعود السبب الى التحديث,أم الى الخلاف بين دور المرأة ومكانتها في المجتمعات الآسيوية,وبين دورها ومكانتها في المجتمع العربي؟ أم أن هناك سبباً آخر غير هذا وذاك؟
من الممكن أن تسلط هذه العوامل,مجتمعة,الضوء على جانب من هذه الإشكالية,ولكن ليس كلها.
فمن الملاحظ أن أربعاً من النساء الآسيويات المذكورات هن مسلمات,وهذا يعني عدم تعارض الإسلام مع حصول المرأة على موقع اجتماعي – سياسي بارز في الدولة.
تاريخياً وأنثروبولوجياً,فإن عملية التطور الاجتماعي واستقرار الإنسان وتحضره,التي استمرت قروناً عديدة,ومكنته من بناء المجتمعات والحضارات الإناسنية,كانت قد قامت على أكتاف المرأة,وذلك بسبب وظيفتها الحاسمة: الأمومة,التي اختصت بها وسيطرت بموجبها على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والدينية في المجتمعات القديمة,في وقت لم يكن هناك إنتاج اقتصادي منظم,كما لم يكن للرجل من وظيفة سوى المحافظة على بقاء الجنس البشري عن طريق دوره في الإخصاب.
إن أنماط الحياة الاقتصادية والعيش في جماعة وكذلك العادات والتقاليد التي كونت مانسميه الحضارة البشرية التي تطورت وتراكمت وانتقلت جيلاً بعد جيل,كانت قد نمت في البداية,على يد المرأة.
وتعلمنا الدراسات والبحوث الأنثروبولوجية ,أن نظام "مركزية الأم" يجعل النشاط الاجتماعي والاقتصادي متمركزاً حول الأم,والذي أصبح أكثر شيوعاً في المجتمعات الآسيوية القديمة,مما جعل للمرأة دوراً رئيسياً ومهماً في نظام القرابة وفي الدين وفي المجتمع.
ومن الملاحظ أنه مازالت النساء الآسيويات حتى اليوم,مشاركات رئيسيات نسبياً,في حقول الثقافة والاقتصاد والدين والسياسة,وفي الوقت نفسه ,فإن العلاقة بين الجنسين متساوية نسبياً.
تاريخياً,اتخذ نظام "مركزية الأم " أشكالاً مختلفة في نظام القرابة,كان من أهمها نظام الانتساب الى خط الأم,وهو أكثرها قدماً وذلك بسبب عدم وجود نظام اجتماعي آخر ينظم العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة في المجتمعات القديمة,وكذلك لعدم معرفة الأب الحقيقي للأطفال المولودين.
ولهذا,انتسب الأطفال الى أمهاتهم,ومن هنا,كان للمرأة مسؤولية ونفوذ أكبر من الرجل,كما كان لها المحبة والاحترام والولاء أكثر منه.
وجعل تركيز هذه الصفات على دور المرأة ,دور الرجل اقل أهمية ,وكذلك هامشياً.
وهناك أمثلة عدة,منها المكانة العالية التي تحتلها المرأة في جزيرة جاوة بأندونيسيا,ففي الحياة الاجتماعية,هناك مساواة نسبية بين النساؤ والرجال,مع التأكيد على الرابطة القوية بين الأم وأطفالها,التي تترك بصماتها على الحياة الاجتماعية والثقافية وعلى تركيبة الشخصية الجاوية التي تعود الى أن النساء والرجال يكسبون رزقهم معاً,وينال كل منهم الشهرة التي يستحقها,كما يشتركون في النشاطات الدينية والسياسة والوظائف المدنية.
ومن الملاحظ أيضاً,أن النساء الجاويات مستقلات اقتصادياً,ويسطرن على المحاصيل الزراعية,وتبرز كذلك إستقلاليتهن في ممارسة الشعائر والطقوس الدينية,كما أن الطلاق مباح ولاعصمة بيد الرجل.
وكما عند نساء جاوة,كذلك الأمر بالنسبة الى النساء في أتجه في سومطرة,بل إنهن أكثر من نساء جاوة استقلالاً وتحرراً,فأغلب الأزواج يقيمون في سكن الزوجة – مالكة البيت – وتبقي بناتها الى جوارها مع أزواجهن طوال حياتهم,وتتكون من هذه الزيجات "قرى نموذجية" من بيوت تملكها الزوجات والأخوات والخالات.
ومع أن الرجال يملكون موارد اقتصادية أخرى,ماعدا البيوت,إلا إنه برغم ذلك تبقى السيطرة عليها بأيدي النساء,بسبب سيطرتهن على زراعة الرز وتجارته,التي تعتمد أساساً على عمل المرأة.
أما نساء المينانجايا في مرتفعات سومطرة,فإن نظام مركزية الأم فيها يتخذ دوراً اقتصادياً بارزاً, يظهر من خلال اشتراك النساء الكامل في اتخاذ القرارات التي تخص الأرض والبيت والبيع والشراء والمصاريف والتعليم والإعارة,مما يجعل دور الرجل ضعيفاً في مواجهة المرأة.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com