تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الشخصية والزواج
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

ولو أردنا تحديداً فمن الأفضل أن نتحدث عن شخصيات غير سوية، شخصيات لا تصلح للزواج. وإذا تزوجت أسهمت في حياة زوجية سعيدة مهددة بالطلاق، شخصيات متطرفة أقرب إلى المرض من الصعب الحياة معها. الطب النفسي صَنّفَ هذه الشخصيات وأعطاها أسماء وحدد لها سمات، شخصيات تعيش بيننا، تعذبنا وتقلقنا وتجعل الحياة صعبة، خالية من نفوسنا الإحساس بالطمأنينة. إنها شخصيات صعبة ومنها:
ـ الشخصية النرجسية:
هو المختال الفخور الذي يمشي في الأرض مرحاً، كأنه قادر على أن يخرق الأرض وأن يبلغ الجبال طولاً. هو المغرور المتكبر المتعالي الذي لديه شعور طاغ بأهميته، وبأنه هو الأوحد الذي يملك أندر الصفات وأغلى المواهب ولا أحد يضاهيه ولا أحد يملك أن ينافسه. والويل لمن يحاول أن يبرز بجواره أو أن يتعداه، أو حتى أن يرفع بجانبه، فهو لا يرى إلا نفسه عملاقاً دون بقية الناس. إنه معجب بنفسه أيما إعجاب مزهو بذاته إلى حد الجنون.
إنه عشق الذات الذي يقف حائلاً أمام عينه وعقله فلا يرى الناس إلا أقزاماً أقل قدراً وأقل شأنه منه. ولهذا فخياله دائماً يتجه ناحية النجاح غير المحدود، ليكون في القمة، ليتجه إليه الناس مهنئين معجبين مباركين تابعين. والمحيطون به لابد أن يسخروا أنفسهم لخدمته وراحته والعناية به، وهو يستغلهم ويستثمر إمكاناتهم ويستنفذ طاقاتهم لخدمة مصالحهم، ثم ينكر جهودهم في النهاية ويبدو هو في صورة المبدع الخلاق العالم المفكر، بينما الحقيقة أنه قام بتجميع جهودهم وصاغها في قالب ثم سطر عليها اسمه بخط عريض بارز.
تعرفه من ملابسه الذي يبالغ في أناقتها والتي قد لا تتناسب أحياناً مع عمره .. تعرفه من طريقة مشيته، تعرفه من صوته، تعرفه من طريقة حديثه عن نفسه وإنكاره واحتقاره لجهود الآخرين.
إنه لا يحمل مشاعر لأي إنسان، لا يتعاطف ولا يتألم من أجل أحد. لا يضحي ولا يتنازل ولا يعطي وإذا أعطى فمن أجل مصلحة، ولا يتورع عن إذلال مَن أعطاه، فهو الذي يتبع صدقته بالمن والأذى، وصدقته ليست لوجه الله ولكن من أجل أن يحقق شهوة التفضل والتميز والعلو، لا شيء يشغله غير ذاته المتضخمة المتورمة، فهو متمركز حولها وبالتالي فهو يبالغ دائماً في قدراته وإنجازاته، وهي مبالغة غير موضوعية.
ولشدة ولعه بالاستحواذ على اهتمام الآخرين وشدهم إليه ليدوروا حول مركزه، فإن اهتمامه بالسطح والقشرة وبالمظهر يكون طاغياً على حساب الاهتمام بالموضوع في عمق لديه، بل هو إنسان ذو سطح لامع وخاو جداً من الداخل، ولهذا ل يحقق إبداعاً حقيقياً أو إنجازاً علمياً ..
إنه لا يضيف شيئاً بل هو مقلد مزور، وهو يجيد فقط تلميع ما عنده وحسن عرضه كالتاجر الماهر الخادع الذي يهتم اهتماماً بالغاً بوجهة العرض وإبراز بضاعته وحسن تنسيقها ورفع سعرها ورفع شأنها، مع أنها بضاعة في حقيقة أمرها متوسطة الجودة.
وهو يتوقع أن الناس لابد أن تتجاهله وأن تهادنه وتقدم إليه الهدايا وأن تتطوع لخدمته، وبالرغم من ذلك لا يشعر أنه أصبح مديناً لهم بالمقابل وليس مطلوباً منه أن يجاملهم وأن يهدي إليهم، أو أن يقدم لهم خدمات مقابل ما قدموه له، فالرعية هي التي تتودد وتتفانى في خدمة الملك، وليس الملك هو الذي يتودد إلى الرعية.
ولذا فهو يغضب ويثور ويتوعد إذا لم يقم المحيطون بواجبهم نحو خدمته ومجاملته، وغضبه يصل إلى مداه إذا تجاهلوه وعاملوه بغير اهتمام، يمتلئ قلبه غيظاً ويهاجمهم ويؤذيهم إذا تمكن من ذلك، هذا الإنسان تكون توقعاته من الناس غير معقولة وغير متوازنة.
علاقاته بالناس قائمة على الاستغلال والانتهازية والأنانية، أصدقاؤه مرحليون، كل حقبة بأصدقاء جدد، يمتص دماءهم ويستفيد منهم حتى إذا اكتشفوا أمره وكرهوا غروره، انتقل هو إلى مجموعة لا تعرف تشوهاته النفسية، ولهذا ليس له أصدقاء دائمون مخلصون وليس عنده إحساس بضعف الآخرين ومعاناتهم.
هذا الإنسان معرض لنوبات اكتئاب وخاصة إذا تعرض لفشل، أو إذا تحدى الآخرون كبرياءه وغروره وإذا تجاهلوه أو احتقروه.
ونرجسيته تجعله شديد الحرص على نفسه أي على صحته، يراعي نظاماً غذائياً صحياً ويمارس الرياضة ويتابع حالته مع الأطباء. يهتم بأن يبدو دائماً شاباً وقوياً ويعاني نفسياً كلما تقدمت به السن. ويداهمه الاكتئاب الحقيقي إذا انتزعت من يديه السلطة والقوة وابتعد عن دائرة الضوء، والاهتمام بإقالته أو حين إحالته على المعاش، وهنا تبدأ أيضاً معاناته الجسدية من آلام واضطرابات لينشغل بها لدى الأطباء.
والنهاية تكون مؤلمة لأن الإنسان يسير إلى ضعف، السلطان يزول، والمال يقل، والقوة تضمحل والجمال يذوي والصحة تعتل. ولا يبقى أمام النرجسي إلا الحسرة والأسى.
هذا هو الإنسان النرجسي، وهو يجعل الحياة الزوجية صعبة، فهو لا يستطيع أن يحب وبالتالي فهو لا يحب، أي أنها حياة تفتقد الحب، وبالتالي تفتقد المودة والرحمة. حياة جافة جوفاء سطحية، مظهرية شكلية، حياة بلا معنى ولا مضمون ولا عمق، حياة باردة إلى حد الصقيع. بعض الناس لا يحتملون الحياة الدائمة مع إنسان نرجسي، ولذا فالحياة الزوجية قد تنتهي إلى طلاق، بعد سنة أو حتى بعد عشر سنوات، أو بعد عشرين سنة.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com