|
إن الطابع العام الذي يميز المجتمع الأبوي العربي المعاصر هو أنه مجتمع استبدادي سلطوي. وطبيعة هذا المجتمع تفرض عليه أن يتعامل مع الطفل العربي بطريقة خاصة تجعل الطفل مهيئاً لقبول ايديولوجية الاستبداد التي تهيمن على المجتمع. ويتجلى الأسلوب الاستبدادي في التعامل مع الطفل العربي بأشكال مختلفة من بينها أسلوب التلقين في التربية والتعليم سواء داخل الأسرة أو في المدرسة.
ـ التلقين داخل الأسرة:
إن الطريقة التي يعامل بها الطفل العربي في السنوات الأولى من طفولته تعتمد أسلوب التلقين الذي يقتل لديه روح الإبداع والتجديد ومواجهة الواقع والطبيعة. وتلعب الأسرة هذا الدور قبل أن ينتقل الطفل إلى المدرسة التي تفرض عليه تلقينا صارماً ومنظماً. فالطفل ـ داخل الأسرة ـ يطلب منه في البداية أن يردد أصواتاً وكلمات ثم جملاً وعبارات دون أن يكون قادراً على فهمها. وعندما يصبح قادراً على الفهم بحكم نموه العقلي، نستمر في أسلوب التلقين ونفرض عليه أن يكتفي بترديد ما يسمع وتقليد ما يرى. بل إن الأمر يصل ببعض الآباء في مجتمعنا العربي، وخاصة في الوسط البورجوازي، إلى درجة أنهم يحولون دون قيام الطفل بأي مجهود لاكتساب التجارب والخبرات ويقدمون له عادة الخبرات جاهزة وما عليه إلا أن يأخذ بها دون فهم أو تمثل حقيقي، أو قد يمنعون الطفل من تكوين هذه الخبرات بحجج مختلفة. وهكذا، وقبل أن يدخل الطفل العربي إلى المدرسة، تبدأ عملية محاصرته وتدينه، ويلعب التلقين دوراً رئيسياً في ذلك.
ـ التلقين داخل المدرسة:
أما الطابع الاستبدادي للتلقين فيتجلى على الخصوص عندما ينتقل الطفل العربي إلى المدرسة حيث يكتسي التلقين صبغة صارمة وتقوم به، بكيفية منظمة، مؤسسة اجتماعية هي المدرسة. والمدرسة في مجتمعنا العربي، تلجأ إلى تلقين الطفل مجموعة من المعلومات الجامدة والمجردة، وفي جو من الخوف والتهديد. وما على الطفل إلا أن يحفظها ويرددها وإلا تعرض للعقاب بأشكاله المختلفة بما في ذلك العقاب الجسدي، بل قد يعاقب الطفل بمزيد من الحفظ الشيء الذي يبرز الطابع العقابي للحفظ. ولا يراعى في التلقين الفهم وحرية النقاش أو أن تكون المعلومات التي تلقن مرتبطة باهتمامات الطفل وواقعه بحيث تساعده على مواجهة هذا الواقع والتكيف معه. وكأن التعليم في مجتمعنا العربي يرمي إلى تكوين ذهنية مقوماتها الأساسية الامتثال والخضوع والطاعة والتقبل السلبي والاستسلام والميل للعدوان. وتعتبر هذه الذهنية استمراراً للذهنية التي شرعت الأسرة في تكوينها قبل أن يدخل التلميذ إلى المدرسة.
والتلميذ المجتهد ليس هو التلميذ الذي يناقش معلميه ويطرح عليهم الأسئلة ويستفسر عما لا يفهمه أو لا يعرفه ... وإنما هو التلميذ المطيع الذي يردد الأجوبة الجاهزة ولا يحاول الاجتهاد أو الإبداع، ويمتثل لكل ما يصدر عن معلمه باعتباره المصدر الوحيد للمعرفة. هذا التلميذ هو مواطن الغد الذي لا يميل إلى (الشغب) وإلى (إزعاج) السلطة، إنه نموذج (المواطن الصالح) الذي تريده السلطة.
والتلقين يقترب من العنف، بل إنه نوع من أنواع العنف الذي يمارسه مجتمعنا العربي على الطفل. إن الطفل العربي، وهو يتعلم بطريقة التلقين، لا يبذل مجهوداً عقلياً لفهم المادة التي يتلقنها وللتأثر بها من الناحية العملية، وإنما يتركز جهده على عملية الحفظ ذاتها التي تصبح عملية مرهقة ومملة. ويلاحق تلقين الطفل حتى خارج المدرسة حيث يطلب منه أن يحفظ ليلاً أو أيام عطلته ليعود إلى المدرسة ويجتر ما حفظ. وبذلك يحرم الطفل حتى من إمكانية ممارسة أي نشاط يساعد على تفتح شخصيته ونموها نمواً متوازناً. وهكذا تكون المدرسة الحديثة استمراراً للمدرسة القديمة لأنها لا تزال تعتبر (التربية) كما لو كانت عقاباً. وعندما تفرض المدرسة على الطفل أن يحفظ حتى في منزله ليلاً أو أيام العطلة يبدو التحالف جلياً بين الأسرة والمدرسة على اعتبار أنهما مستويان متداخلان لإيديولوجية الاستبداد التي تهيمن على المجتمع العربي. وهكذا يصبح المعلم، في نظر الطفل العربي، رمزاً للعنف والعقاب، وتصبح المدرسة بمثابة السجن، الأمر الذي ينعكس سلباً على شخصيته ونموه النفسي والمعرفي.
إن التلقين، بالشكل الذي نمارسه في مجتمعنا العربي المعاصر، يصبح وكأنه هو الغاية من التعليم، لأن الطفل أو التلميذ يبذل كل جهده في حفظ ما تلقنه من معلومات. ولا تهتم المدرسة في ايجاد علاقة بين ما يلقن للتمليذ وبين الواقع الذي يعيشه بحيث تصبح المعلومات التي يتلقنها معلومات مجردة لا تؤثر في واقعه ولا تساعده كي يواجه هذا الواقع مواجهة علمية وايجابية. وهذا التباعد بين ما يلقن للتلميذ وبين الواقع الذي يعيشه يؤدي، على المدى البعيد، إلى انفصال بين مستوى الفكر ومستوى العمل. وتبدو هذه الظاهرة جلية حيث نلاحظ انفصالاً بين تفكير الانسان العربي المعاصر وممارسته العملية. ويتخذ هذا الانفصال مظهراً آخر عندما تبتعد الايديولوجيات التي يأخذ بها الإنسان العربي عن واقعه المعاش فتظل كنوع من الحلم الذي يدغدغ مشاعره دون أن تغير من واقعه شيئاً.
ـ التلقين كوسيلة للتدجين:
والتلقين، كوسيلة تستخدمها ايديولوجية الاستبداد، يصبح مع الممارسة الطويلة جزءاً من تركيبه الذهنية التي أنتجها مجتمع الاستبداد. وهذا ما نلاحظه في مجتمعنا العربي الأبوي المعاصر حيث تتكرر، على مستويات متعددة وبأشكال مختلفة، صورة المعلم الذي يلقن والتلميذ الذي يلقَّن. وهكذا إما أن تكون ملقناً تقوم بعملية التلقين، وإما أن تكون متقبلاً للتلقين أو بعبارة أخرى إما أن تكون مستبداً يمارس الاستبداد وإما أن يمارس عليك الاستبداد. وتصبح العلاقات بين الأفراد تتخذ شكلاً (عمودياً) لا شكلاً أفقياً يقوم على أساس المساواة والحرية. ونتيجة لهذه العلاقات العمودية يتعلم الإنسان العربي منذ الصغر أساليب من التفكير والسلوك تعتمد على النفاق والنميمة والمسايرة والتزلف والتلفيق ... إلخ. إلى غير ذلك من أساليب الفكر والعمل التي تنسجم مع التقسيم العمودي أو الطبقي للمجتمع.
وبذلك تصبح (السلطوية) بوجهيها (السيطرة والخضوع) هي النمط العام المسيطر داخل المجتمع الأبوي على مستوى الفكر أو الممارسة، وتشمل مختلف الشرائح الاجتماعية: ((من أعلى قمة الهرم الاجتماعي إلى أدناه، من الحاكم الأول إلى مرؤوسيه، ومن هؤلاء إلى مرؤوسيهم، ومنهم إلى غالبية السكان. وبين هؤلاء من الأقوى إلى الأضعف، ومن الرجل إلى المرأة، ومن الكبار إلى الصغار، ومن الإخوة الأكبر سناً إلى الذين يلونهم. وأما قمة الهرم فهي تخضع لنمط مقنع من السيطرة يفرض من خارج الحدود)).
إن من بين النتائج الخطيرة المترتبة على التلقين بالشكل الذي يتم في المجتمع العربي، هي أن الإنسان العربي أصبح قابلاً للانصياع والاقتناع بسهولة، ضعيف الثقة بنفسه وبإمكانية تغيير واقعه، قليل التحدي والمواجهة. وإن حدث ذلك فبكيفية انفعالية مرتجلة ومؤقتة. وربما كانت هذه النتيجة هي التي تهدف إليها ايديولوجيا الاستبداد من تدعيمها لأسلوب التلقين وفرضه سواء في الأسرة أو المدرسة أو المجتمع العام وكما يقول (علي زيعور): ((إن الأب والعصا رمزان للتعلم بالإكراه، أي عن طريق الذاكرة لا بتعزيز النقاش والحوار)). فالطفل يلقن داخل الأسرة ويطالب منه أن لا يناقش ما يتلقنه أو يبدي رأيه فيه حتى ولو كان فيه بعض الخطأ. وعندما يخرج ليمارس حياته داخل المجتمع يطلب منه أن لا يتخلى عن موقف التلقين الذي نشأ عليه ليكون ((مواطناً)) يتقبل وينصاع وينكمش ... ولا يكون ((مزعجاً)).
وهكذا تنجح ايديولوجية الاستبداد في ترويض الطفل، فتحاول أن تقتل لديه ميله للتحدي وتأكيد الذات وتدعوه إلى نمط من السلوك يتسم بالطاعة والانصياع والهدوء، وبعبارة أخرى تدعوه إلى الخنوع والاتكال واللامبالاة. ويغلَّف سلوك الخنوع بمجموعة من القيم كالتأدب والحشمة والرزانة ... ، حتى يتحول ا لقمع من قمع خارجي إلى قمع داخلي يمارسه الطفل بنفسه طمعاً في الحصول على رضى الوسط الذي يعيش فيه.
|