تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الجندر.. وآفاق الفحوص الجينية
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

واكبت الثورة الجينية دخول الحركة النسوية مرحلة الجندر، لذا لا يبدو مستهجنا أن تستجلب الفحوص الجنينية المتقدمة (مثل الجينوم) كوامن النقاشات الماضية وأن تضيف إليها أبعادا شاسعة. هذا المزيج فائق الحساسية ومرشح لاحتمال الانفجار.
قبيل الولادة الاستنساخية للنعجة دوللي، صدر كتاب عن جامعة ماساشوستس عنوانه "النساء والفحوص في مرحلة ما قبل الولادة: مدخل إلى المواضيع". الكتاب يتضمن عرضا لآراء مفكرات بارزات في الحركة النسوية في الغرب، حملت كلها نبرات الاحتياج والنقد القوي بل وحتى الإدانة.
يمكن الاستطراد للقول بأن هذا الأمر رافقه أيضا تشوش مفهومي (أبستميولوجي)، ربما هو تعبير عن سمة عامة في العصر الحالي؛ أي عالم اختتام عصر الأيديولوجيات الكبرى بعد نهاية الحرب الباردة.
لعله من المجدي القول إن الفلسفة مدعوة إلى تجدد أسس المفاهيم وإعادة صياغة الأسئلة الكبرى، في ضوء مستجدات العلم والحضارة. ربما تفيد المبادرة الفلسفية المرجوة في الفكر الإنساني العام، ومن ضمنه الحركة النسوية. وقد يجري بناء الفكر في سياقات معاكسة أو مغايرة، كأن يؤدي التفاعل اليومي مع القضايا التفصيلية إلى وضع "بنية نظرية" أو حتى بناء فلسفي. وهي أمور مرهونة بالمستقبل.
إضافة إلى التشوش، هنالك قلق يدفع إعادة النظر في المفاهيم المداولة داخل الحركة النسوية، و التساؤل عن مدى مواءمتها لمرحلة الجندر. ليس المقصود هو نقضها والذهاب إلى "الموقع الآخر"، إنما هو إعادة تحديد وتجديد تعريف هذه المفاهيم. المثال الأبرز هو النقاش حول الحق في الإجهاض، ذلك الذي اعتبر طويلا قدس أقداس الحركة النسوية. تنهض المحاجة حول الحق في الإجهاض (الاختياري) على ملاحظة أن الميل إلى تعميم الفحوص الجينية المتقدمة سيؤدي إلى حدوث تمايزات بين الأفراد والفئات الاجتماعية بفعل قوى الدولة والشركات. سيبدو الإجهاض عموما، (وحتى الاختياري)، وكأنه إنفاذ لسلطة الأقوى.
تاريخيا، إمتلكت الحركة النسوية باعا واسعا في درء قوى الدولةن لكن ماذا عن الشركات التي تزداد عملقة ونفوذا مرحلة العولمة؟ هذا ليس خيالا ولا حتى تطلعا صوب الاحتمالات المستقبلية.
إنه الواقع اليوم، حيث تعمد الكثير من الشركات الكبرى إلى طلب الفحوص الجينية مع التأكيد الشكلي على عدم إلزاميتها بهدف معرفة "التكاليف" الاحتمالية للموظف والتي ستكوت أعلى إذا وجد الاستعداد (وليس حتى المرض الفعلي) للإصابة بأمراض مثل السكري أو الضغط؛ أو ربما مجرد "الميل" لتعاطي الكحول مثلا (رغم ضعف السند العلمي في هذا الصدد).
إذن، هل ستستعمل حركة الجندر منطق الدفاع الثابت عن ممارسة الحق في الإجهاض حتى في أوضاع يصير فيها هذا الحق مفروضا على النساء؟ بل إن ممارسة "الاختيار" تبدو وكأها تؤيد هيمنة القوى الأكثر نفوذا والحط من القيمة الإنسانية لفئات اجتماعية مثل المعوقين، الملونين، أصحاب الاستعدادات الوراثية للأمراض، وحتى النساء أنفسهن، كما في حال الاختيار المسبق لجنس المولود.
سياق إعادة صوغ المفاهيم يجعل من مسألة اشتراط الحصول على ما يسمى بـ "موافقة علمية"، مجرد ورقة توت لا تحجب ضخامة الضغوط الفعلية، وتؤدي إلى تسويغ احتواء الحركة الجندرية لتضحي جزءا من تأييد الأمر الواقع. من يضمن عندها أن لا تنسحب الآليات عينها على موضوعة التجارب الجينية، والتي تهدد بتحويل أجساد النساء وأجنتهن إلى مسرح للتجارب.
إنه تحد، بل لعله التحدي الأكثر بروزا في عصر الجندر.
www.Balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com