|
* زيد خلوصي
تتميز الأسرة العراقية بكثرة عدد أفرادها ويكاد يستوي في ذلك رب الأسرة المثقف ورب الأسرة التي حرمته الظروف من التعلم والأخذ بزمام العلم والمعرفة على أننا في سياق هذا المقال لابد لنا وأن نتطرق إلى الأسباب الكامنة وراء تعدد أفراد الأسرة العراقية.
ان واحداً من أهم الأسباب الجوهرية الذي يدفع بالأسر إلى الإكثار من إنجاب الأطفال هو الوازع الموروث ذلك أن الكثيرين من أرباب الأسر ولا سيما النسوة منهن يرين أن الطفل أن هو إلا هبة ونعمة وان أي محاولة للحد من ذلك سواء بالإجهاض أو استعمال الحبوب المانعة للحمل يشكل تمرداً على هذه النعمة التي أرادت لهذا الجنين أن يحيا عندما زرع بذرة في أحشاء أمه والأسرة هنا تكون واقعة تحت تأثير تيار من هذا الشعور.
ومهما يكن من أمر فإن تعدد الأطفال وكثرتهم له مساوءه وجوانبه النفسية السلبية التي تترك آثاراً عميقة في شخصية لاطفل من شأنها أن تنعكس على مجمل سلوكه العام في مستقبل حياته ذلك ان كثرة عدد الأولاد لا يتيح للأبوين أن يغمرا كل واحد منهم بالحدب والحنان الكافيين مما يرسخ في ذهن الطفل شعوراً بأنه مهمل من قبل والديه وأنه لا يتلقى إشباعاً عاطفياً كافياً وهو لهذا كثيراً ما يلجأ إلى المكر في سبيل استدرار عطف أبويه كالتمارض مثلاً وما شابه ذلك انه وفي مثل هذه الحالة نجد أن الطفل يجد اهتماماً كبيراً من لدن أبويه على حساب إهمال الأبناء الآخرين مما يؤدي من ناحية إلى إشباع هذا الطفل المتمارض عاطفياً على حساب بقية إخوته الذين يحرمون من هذا الحنان حتى ولو كان ذلك إلى حين.
ان الطفل لا سيما في سنيه الأولى بحاجة ماسة إلى الحنان والعطف لأن ذلك من شأنه أن يبلور أسس شخصيته مستقبلاً فإذا ما نشأ الطفل وهو متشبع بالحنان فإن ذلك سيجعل منه شخصاً رؤوماً وعطوفاً على الآخرين لا يميل إلى المشاكسة بل سيجد مكانه الطبيعي ضمن خلية المجتمع وبنيانه وبخلافه فإن الطفل الذي حرم من الحنان وقد لا يكون هذا الحرمان مقصوداً وإنما يعود إلى كثرة عدد الأولاد وهو مدار مقالنا هذا فإنه ينشأ عدوانياً مشاكساً لا تجد الرحمة والحنان والطيبة منفذاً إلى قلبه ومشاعره ولهذا فإنه يشب وقد جبلت نفسه على الكراهية والتلذذ برؤية الآخرين وهم يكابدون من الحرمان العاطفي وكأنه بذلك يتمثل صورة ماضي طفولته بشخص هؤلاء المنكودي الحظ شأنهم شأنه في طفولته.
ان هذا يشكل جانباً من الموضوع أما الجانب الآخر فهو تركيز الأسرة بغض النظر عن مستوياتها الثقافية على الولد البكر حيث توليه حدبها وحنوها فإذا ما كبر الولد البكر وأسس أسرته انصرف اهتمام الأسرة إلى آخر طفل أنجب. وكما ان الحرمان العاطفي من شأنه أن يؤصل بؤراً وعقداً عدوانية في نفس الطفل فإن التكثيف العاطفي ـ إذا جاز لنا أن نصطلح على ذلك بهذا القول ـ هو الآخر من شأنه أن يولد عقداً في نفس الطفل فينشأ اتكالياً متقاعساً لا يقوى على مجابهة الظروف الصعبة التي قد تواجهه فتراه يهرع في كل صغيرة وكبيرة إلى أبويه لكيهما يجد الحلو لها مما يجعله لا يتمتع بالحصانة النفسية التي تبلور له شخصية مستقلة قادرة على اتخاذ القرارات الصائبة عندما يبلغ سن الراشد.
ثمة نقطة أخرى أرى ان من الأهمية بمكان التطرق إليها تلك هي التركيز في الإشباع العاطفي على الولد دون البنت لاسيما عند الأم التي ترزق ببنات كثيرات وابن واحد إذ يتوجه الحنان هنا بشكل يكاد أن يكون مطلقاً نحو الابن وبعكسه فإننا نجد ان الأسرة التي لها عدد من الأولاد ثم رزقت بفتاة واحدة فإنها لا تحظى بنفس الإشباع العاطفي الذي يلقاه الولد الوحيد الذي ولد لأسرة متعددة البنات.
انه ومما لا شك فيه ان الدور الأول والأهم يقع على عاتق الأم في ذلك ونحن هنا لا نحملها مسؤولية إنما ان طبيعة الدور الذي تضطلع به هو الذي يلقي بهذه التبعة على عاتقها وبحكم قربها من طفلها وفي سنيه الأولى سيما وان الطبيعة قد جعلتها تمتلك قلباً يفيض بمشاعر الرقة والحنو والحنان. ولهذا فإن الأم إذا ما أرادت أن يشب طفلها وينمو نمواً نفسياً طبيعياً ان توليه قدراً متكافئاً من الحنان الذي يسبغ عليهما على أ، ذلك لا يعفي الأب من مهمته ذلك انه يتوقف عليه وبالتعاون مع زوجته ن يشملا أبناءهما بالقدر الكافي من الحنان والحدب والحنو من أجل خلق تكامل نفسي لهم.
من كل ذلك نخلص إلى القول أنه لابد من اجراء عملية توعية وإصدار نشريات ولا باس من أن تعطى لكل أم بعد ولادة ابنهما لاسيما في المستشفيات كتيبات يضعها أساتذة متخصصون تشرح لهم ولو بايجاز الأسلوب الذي يتعين عليها تربية وليدها بموجبه سواء كان ذلك بالنسبة للمرأة التي تلد لأول مرة أو تلك التي سبق لها وان ولدت عدداً من الأبناء من قبل.
وتبقى المسألة الشائكة والتي يبدو طريق الوصول إليها في البداية وهو كيفية إقناع المرأة بالحد من الإنجاب وقد يبدو ذلك صعباً في البداية ولكن يمكن أن يحقق نجاحاً بذلك وبالتدريج وعن طريق تخصيص مراكز ارشادية للمرأة وعقد الندوات وإصدار النشريات للأزواج من الرجال والتي تحث على عدم الإكثار من الأبناء وبيان الغرض الرئيسي من ذلك وهو مساعدتهما على شمول أبنائهما الذين كلما قل عددهم كلما حظوا بعطف وحنان أكثر على العكس من الإكثار منهم وتبيان المساوئ من ذلك والتي تطرقنا إلى جوانب من بعضها فيما مضى من سطور.
على انه يبدو من الأهمية بمكان التأكيد على الأبوين وعلى ضرورة إيلاء أبنائهما الرعاية والحنان الكافيين لأن الحنان هو منبع تكوين شخصية سوية في المستقبل وان السبيل الوحيد إلى ذلك هو الحد من كثرة إنجاب الأطفال.
وإذا كانت بعض الأسر عندنا لاسيما بعض أولئك الذين تلقوا علومهم في الخارج قد تأثروا مما تسير عليه الأسرة الأوروبية بوجه عام فلجأ بعد عودتهم إلى الوطن وبعد اقترانهم إلى الاكتفاء بطفلين في الأعم الغالب إلا أن ذلك يظل استثناء ومحدوداً لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من الأسرة العراقية موضوعة مقالنا وإننا بعد هذا لنطمح إلى أن يبلغ الوعي بالأسرة العراقية عموماً حداً يجعلها تقنع بانجاب ولدين لاسيما إذا أرادت هذه الأسرة لأبنائها أن ينموا ويترعرعوا في ظل قدر كاف من الحنان الذي يغدقه عليهم أبواهما ولكيما يكونوا من بعد أعضاء نافعين ومبرئين من العقد والترسبات وبالتالي اتخاذ موقعهم الطبيعي في بناء أسس متكاملة ومتطورة لمجتمعنا العراقي والآخذ بأسباب التطور والازدهار.
* المصدر : مجلة الام والطفل /العدد397/1980م
|