تحت المجهـر

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الحركة النسوية والفن في عالم اليوم
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

إن تفسير فن النساء يبدأ من النص ثم من قراءة الفن البصري من خلال الموضوعات والمبادئ المشتقة من أدبيات النظرية النسوية. وكما في المجالات الأخرى في النسوية، يمتاز تحليل الفن البصري في أغلبه بالإطار التفكيكي الذي يحبذ تفسيرات التحليل النفسي للصور البصرية، وإنه لمن المدهش بالطبع أن ينجح التحليل النسوي، عبر مدى من وسائل التعبير، في تحقيق الاتفاق حول "تأثير التمثيل من ناحية الأيديولوجيا والقوة" النسوي إلى تناول "التمثيل" من حيث الآثار الناجمة عن صورة معينة بدلا من طرح أسئلة حول خصائص الوسيلة الفنية وشروط إنتاجها وتوزيعها واستهلاكها واستخدامها العملي ولا شك في أن هناك إيجابيات وسلبيات لهذا الموقف.
فما الإيجابيات؟ أولا: الفن البصري المعاصر الذي تنتجه النساء ويفسره علماء النسوية، يسهم في المشروع العام لإعادة تأهيل الوجود الجسدي للنساء، باستكشاف إمكانات الأنطولوجيا النسوية والسؤال عما يمكن أن تكون عليه الثقافة النسوية الخالصة. هذا سؤال مهم وملح بالنسبة إلى النسوية المعاصرة، ويشكل السعي للإجابة عنه تحديا أنطولوجيا للأنماط الذكورية الرسمية والمتخصصة من المعرفة.
ثانيا: يلقى التحليل البصري النسوي المعاصر دعما من المنهج التفكيكي الذي يحبذ إطار التحليل النفسي ما بعد لاكان. فيزودنا التركيز على الجسد المتخيل بواسطة هذا المنهج بنظرية لفهم البصري وغير البصري، ونظرية للتعرف على ذاتية النوع الاجتماعي، وهو بذلك يوفر إطارا عاما لإبصار ولتفسير ما أطلقت عليه إيلين شوالتر "المنطقة البرية". تمتاز هذه المنطقة البرية بما هو مخفي ومظلم ومبهم عن الإدراك العام (الذكري ضمنيا). ومن شأن مثل هذا التكتيك أن يجذب جسد الأنثى مرة أخرى إلى الإطار البصري عبر التحليل النظري، ويسمح للنسويين بطرح سؤال: كيف يدخل الجسد في تركيب الذاتية الأنثوية؟ إضافة إلى ذلك فإنه يصر على كشف الطرق التي تدعم بها الوجودية الجسدية للأنثى النظام الرمزي، وكيف تقمع في ثنايا عملية تشكيل ذلك النظام. إن تطبيق النظرية النسوية كشبكة تفسيرية ليدعونا إلى النظر إلى الفن البصري للنساء من خلال مجموعة معينة من القضايا النسوية، وإلى أن ننظر لهذا الفن على أنه فضاء حيوي يمكن تصوير وتخيل الفروق من خلاله بشكل أكثر إيجابية و"شرعية".
لكن، هناك في اعتقادي عدة سلبيات تصاحب الالتزام النسوي المعاصر بالاتجاه التفكيكي، والتركيز على الوجودية الجسدية المتخيلة التي يدعمها إطار التحليل النفسي. أولا: كما أشارت جانيت وولف وغيرها من الكتاب، فإن أي استراتيجية بصرية نسوية تحاول أن تدافع من جديد عن الجسدية الوجودية للأنثى لهي استراتيجية ذات مشاكل على الصعيد العام، إذ تمتاز الثقافة الغربية المعاصرة بتبني اتجاهات متعارضة، تعمل من ناحية على إنكار أهمية الجسدية الوجودية للمرأة على الصعيد الثقافي كأساس للمعرفة والفهم، مع هذا ومن جهة أخرى، تفرض الجسدية الوجودية على النساء كأساس للذاتية الأنثوية. على الرغم من أن تكتيك الجسدية الوجودية عند ايرغاراي يركز تحليليا وتفسيريا على التمايز بين التكوين (التخيلية) لجسد الأنثى. فإن خصوصية الجسدية الوجودية تحوي فعليا رصيدا وجوديا بسبب الوضع الذي احتله جسد الأنثى تاريخيا واجتماعيا في الثقافة الغربية. لذا، على الرغم من أن التركيز على الجسدية الوجودية (التخيلية) قد يعمل على تسييس ذلك الذي كان يعد حتى الآن مبهما، فإن هذه القوة السياسية يمكن أن تهمش بسهولة. وأي كانت نوايا الفنانين أنفسهم، فإن سياق استخدام الصور: يؤثر في تفسيرها. ومن ثم تصبح الجسدية الوجودية الأنثوية (المتخيلة) مفتوحة دوما للتفسير بعكس المراد.
ثانيا: على الرغم من أن النسوية قد انتقدت الوضع المميز للبصري في نظرية التحليل النفسي، فإن القراءات اللابصرية النسوية للتحليل النفسي تلتزم بنظرية معرفية تفترض الطبيعة الجسدية الوجودية لعلاقة الأمومة/ الطفل كأساس لاكتساب ذاتية النوع. هذا الافتراض يسمح للنظرية النسوية بتطوير نماذج الطبيعة الفرضية في التحليل النفسي ما بعد لاكان في شبكة تفسيرية يمكن تطبيقها على مجموعة متباينة من وسائل التعبير الفنى. ويميل تطبيق هذه الشبكة إلى ترسيخ مبدأ استبعاد الاعتبارات الخاصة. ولمعالجة البصري موضوع التحليل كشأن عام.
ويري علماء الاجتماع النسويون أن هذا المبحث يثير الكثير من المشاكل بسبب (1) الميول نحو الطبيعي المبنية في إطر التحليل النفسي، (2) وبسبب الطريقة التي يستخدم بها المثلث الأوديبي (التزاوج بين الجنسين) ذو الموضع المتميز في تركيب اللاوعي، (3) وبسبب أن معرفة نص ما هي شرط مسبق ضروري للوصول إلى مثل هذه التفسيرات، يضاف إلى ذلك أنه على الرغم من أن التأثير ما بعد البنيوي في النسوية ينبع من نقد لميل السرديات الكبرى للحداثة إلى التعميم، فإننا نجد أن التحليل النسوي المعاصر لفن النساء مناقضا لذلك يتهدده خطر إنتاج نظرية كبرى بالتوسع في استخدام لغة النظرية، وعلى الرغم من الالتزام بخصوصيات الجسدية الوجودية للأنثى في المعالجة النسوية لنظرية التحليل النفسي ما بعد لاكان، فإن التكرار اللفظي المتولد عن هذه النظرية يختزل الجسد المصور إلى الموضوع العام للنظرية.
ثالثا: في حين قد تقدم نماذج التحليل النفسي وسائل لتحليل "المنطقة البرية" فإنها تقوم بذلك على حساب التجارب المعيشة والتمايز على مستويات عديدة. وعلى حين يمثل التأثير ما بعد البنيوي أساس معظم التحليلات النسوية المعاصرة للثقافة البصرية فإنه يزودنا بنقد رسمي للجسد المتخيل والمنتج بشكل منطقي، ومن هنا غذا هذا الجسد منفصلا عن السياقات والأزمنة والأمكنة والعلاقات. إن الجسدية الوجودية للنساء المنتجاب لهذه الصور والمشاهدات لها قد أقصيت عن الصورة، وعلى النقيض من فن النساء والتفسير النسوي لهذا الفن في سبعينيات القرن العشرين، فإن الصور المعاصرة نادرا ما تعالج كمعارف فعلية. كذلك لا يعترف التحليل النسوي بقوة العلاقت التي تشكل الفن ونقده، وخصوصا، كيف تتموضع النظرة النسوية ضمن تفسير سائد لفن النساء، وكيف تشكل هذا التفسير. ويتلازم مع هذا ليس فقط استبعاد الجسد المعيش من النقاش، وإنما كذلك استبعاد الجانب الاجتماعي، وهو الأمر الأكثر إشكالا بالنسبة إلى علماء الاجتماع النسويين.
واليوم يقر العديد من علماء الاجتماع والنسويين بحدوث تحول في فهم طبيعة البعد الاجتماعي، فكما تلاحظ غيم، فإن "البعد الاجتماعي العلمي" يشجع مناهج تسمح لعلماء الاجتماع بتمثيل الواقع والحفاظ على حدود واضحة بين عالمة الاجتماع والمعرفة التي تبتكرها حول الشأن الواقعي الذي يوجد بدوره مستقلا عن كل من عالمة الاجتماع والمعرفة المتحصلة. وقد شككت العديد من التيارات والاتجاهات بما في ذلك النسوية في وضوح العلاقة بين الواقع والشيء الذي يتم تمثيله. لذا، فإن عالمة الاجتماع النسوي قد تكون أكثر التزاما من غيرها من علماء الاجتماع بالمنهاج التي تسمح لها بدراسة كيفية تشكل العلاقة بين الواقع والممثل، وكيفية إنتاج المعرفة عن تلك العلاقة، وكيف تتشكل صلتها بالعلاقة المذكورة أعلاه. ولا شك في أن السوسيولوجيا النسوية لفن النساء والاستجابات النسوية لها سوف تتناول كيفية عمل النظرية النسوية نفسها كنسق من النصوص ينتج تأثيرات معينة، وكنظرة تنظر إلى الجسدية الوجودية للنساء بطرق معينة، ولكن ربما على حساب الجسدية الوجودية التي تتفادى التمثيل البصري.
لهذا أزعم أن النظرية النسوية قد غدت نفسها تخصصيا يستخدم للقيام بالعمل بطريقة معينة. وتحرص النظرية النسوية، بالذات تلك المتأثرة بالتحليل النفسي ما بعد لاكان، على تشكيل طرق معينة للنظر إلى فن النساء. وعلى حين قد يكون ذلك من جهة مفيدا بالنسبة إلى النسوية الأكاديمية (التمثيل البصري لكل ما هو غير مرئي حتى الآن، والتمثيل اللفظي لكل ما لم يقل حتى الآن، فإنه قد يعمل كذلك على إقصاء بعض مفكري النسوية من داخل الوسط الأكاديمي وخارجه، وكذلك النساء اللاتي لا يعتبرون أنفسهن متصلات بالنسوية بأي شكل. وقد لا يهم هذا إذا كانت النظرية النسوية ترى أنها تجري حوارا داخليا مع النظرية النسوية. لكنه يغدو مهما إذا كانت النظرية النسوية تريد أن تبقى جزءا من حركة أوسع اجتماعيا وسياسيا، وإذا كانت ترغب في أن تسهم في الحوارات التي تشارك فيها مجموعة من التخصصات. فمن التأثيرات المهمة للنظرية النسوية كنسق نصي موضوعي في شكلها ما بعد الحداثي الحالي والمتأثير بالفلسفة والتحليل النفسي تلاشي الحوار والتبادل بين النسويين في التخصصات المختلفة. فكما أشارت نسوية أخرى، فإن لغة النظرية المتولدة من هذا التيارات الفكرية تجعل الموضع غير مفهوم إلى لدى المتمكنين من هذه اللغة. ويبد أن هذا غير مفيد للنسوية التي تسعى إلى إعادة التركيز على خصائص التجسيد في الواقع.
www.Balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com